الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً:

بقلم: جين هو

 

بعد قرابة ثلاثة أشهر من وصول فيروس كورونا إلى الولايات المتحدة، بدأت البلاد تتخبط في مساعيها لإدارة المرضى المصابين به. ما زال هناك نقص في الاختبارات، والأسبوع الماضي، أعلنت "وزارة الصحة والخدمات الإنسانية" الأميركية أنها ستنهي التمويل الاتحادي لواحد وأربعين موقعاً للاختبار، في حين تراكمت الاختبارات في المدن الأميركية الكبيرة. ومع تركيز عدد كبير من المستشفيات بصورة مفهومة على معالجة الأعداد الكبيرة لديها من مرضى كوفيد الذين يعانون من الأعراض الشديدة، قد يكون من الصعب امتلاك الوقت لفحص المرضى الذين تظهر عليهم أعراض أخف ويتعافون خارج المستشفى. أعلنت مدينة سان أنطونيو عن تطبيق برنامج لمتابعة جميع المصابين بالفيروس، ولكن قد تكون قائمة المرضى طويلة جداً بالنسبة لمدن مثل نيويورك التي تم تسجيل أكثر من 106,000 حالة مؤكدة فيها.

لذا، من أجل متابعة تعافي مرضى كوفيد-19 على نحو أفضل، يتمعن الباحثون في أماكن قد لا تتوقعها. خذ مثلاً مات وايتهيل، وهو عالم كمبيوتر في "جامعة واشنطن" يحث المتطوعين على تسجيل أصوات سعالهم. (توضيح: أقوم بتدريس مادة في جامعة واشنطن هذا الفصل ولكن لا تربطني أي علاقة بوايتهيل أو بأي شخص من قسمه). يعاني المصابون بفيروس كوفيد من عدة أعراض، أو قد لا يظهر عليهم أي عرض إطلاقاً، لكن السعال الجاف هو أحد أهم الأعراض الشائعة. لذا، بحسب تعبير وايتهيل: "يمكن الاستفادة من انتشار هذا النوع من السعال كإشارة إلى الصحة الكلية للشخص".

سيتم استخدام البيانات التي يعمل وايتهيل على جمعها في تدريب خوارزمية ترصد السعال وتحصي تكراره لدى المرضى الذين يتعافون من كوفيد. كما أن زملاءه يجرون بحثاً حول رصد السعال منذ عام 2011 بناء على فكرة أن مراقبة السعال تساعد الأطباء على مراقبة المرضى الذين يتعافون من الإنفلونزا أو السل، ومن أجل رصد انتشار الأمراض. ومن خلال عملهم هذا، توصلوا إلى أن السعال يمدنا بكمية لا بأس بها من المعلومات عن الشخص. إذ يملك كل شخص بصمته الخاصة لأن السعال يولد اهتزازات في الحبال الصوتية. ليس بالضرورة أن نستخدم خوارزمية لتمييز سعال الشخص، إذ يقول وايتهيل إن الإنسان قادر على تمييز سعال الآخرين بدقة قد تصل إلى 80%. لكن، هناك جوانب دقيقة في السعال يمكن للخوارزمية رصدها، كتمييز أن يكون الشخص رجلاً أو امرأة مثلاً. 

تفيدنا هذه القدرة على التمييز بين أصوات سعال الأشخاص في تتبع المرضى على أرض الواقع. فلنقل فرضاً أن هناك عدد من المرضى الذين يتعافون من المرض في بيت واحد، أو في نفس القسم من المستشفى، يمكن لخوارزمية رصد السعال أن تتعرف على سعال شخص معين وتحصي عدد مرات تكرار السعال في الساعة أو اليوم، وهذا يمد الطبيب بمعلومات عن سير عملية تعافي هذا الشخص. وعلى المدى الطويل، قد تمد هذه البيانات الباحثين برؤية أفضل لشكل هدف التعافي لدى مرضى كوفيد.

يقول وايتهيل إن قاعدة البيانات الحالية لدى الباحثين تتضمن أكثر من 10 آلاف صوت سعال، ومن أجل تدريب الخوارزمية على نحو أفضل، قاموا بجمع تسجيلات لأشخاص أثناء الحديث والضحك وتنظيف الحلق. يقول: "هذه الأشياء التي تتسبب بمشاكل في الخوارزمية عادة". 

والآن، يعمل وايتهيل وزملاؤه على تطوير تطبيق ذكي يستخدم خوارزمية رصد السعال كي تحصي عدد مرات السعال، ويأملون ببدء تجريب التطبيق خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة المقبلة، وبنوا علاقات مع باحثين طبيين من أجل الحصول على موافقة مرضاهم الذين سيتطوعون لتفعيل التطبيق على هواتفهم وتشغيله في الخلفية طوال الوقت، وإذا ما رصد سعالاً فسيعمل على الفور. يقول وايتهيل: "هذا التطبيق شبيه بجهاز أمازون إيكو (Amazon Echo) الذي يستمع إلى كل ما يلتقطه المايكروفون، ولكنه لا يبدأ بالتسجيل وتحليل البيانات إلا عندما يسمع "كلمة التنبيه"، وفي تطبيقنا، كلمة التنبيه هي صوت السعال".

نظراً للمخاوف التي أثيرت مؤخراً حول خصوصية البيانات، صمم وايتهيل وزملاؤه تطبيقهم الذكي على نحو يبقي البيانات الشخصية على جهاز المستخدم بصورة أساسية، إلا إذا اختار المستخدم مشاركتها مع الباحثين. يقول وايتهيل: "قد تسجل بعض التطبيقات الذكية الأصوات وترسلها إلى سحابة إلكترونية كي تتم معالجتها، ما يتيح استخدام نموذج أكثر تعقيداً من التعلم العميق، ولكن هذا ينطوي على مخاطر كبيرة جداً فيما يتعلق بالخصوصية. لذا، ستتم عملية المعالجة بأكملها ضمن جهاز المستخدم، ولن تخرج بيانات أي صوت مسجل من الجهاز إلا بموافقة المستخدم". وأضاف أن تعريف المتطوعين على خيارات الخصوصية سيكون جزءاً مهماً من عملية نشر هذا التطبيق الذكي.

أدت المخاوف بشأن الخصوصية إلى تعطيل مشروع شبيه، وهو تطبيق لرصد الصوت اسمه كوفيد فويس ديتكتور "COVID Voice Detector" الذي أنشأه الباحثون في جامعة كارنيغي ميلون "Carnegie Mellon". إذ بدأ هذا التطبيق بجمع عينات من أصوات المتطوعين من أجل تدريب خوارزمية تقدّر فرص إصابة المستخدم بفيروس "كوفيد-19″، وتعاونوا مع إحدى شركات الذكاء الاصطناعي القائم على الصوت، فوكا "Voca"، لجمع البيانات. هناك أعمال سابقة في علم تحليل السعال (نعم، هذا العلم موجود فعلاً)، وتشير تحليلات الصوت فيها إلى أنه من الممكن التمييز بين شخص يعاني من مرض الانسداد الرئوي المزمن مثلاً، وشخص مصاب بالإنفلونزا أو ذات الرئة. والباحثون في "جامعة كارنيغي ميلون" فكروا أنه من الممكن تدريب الخوارزمية على تمييز إصابة المريض بفيروس "كوفيد-19" من صوته. تقول ريتا سينج، وهي عالمة كمبيوتر في المشروع: "لا تظهر الأعراض على كل من يصاب بفيروس كوفيد، وعلى الرغم من أن السعال قد يكون مؤشراً للإصابة، فإنه ليس المؤشر الوحيد الذي يمكننا البحث عنه. عندما تصاب بأي مرض في جهاز التنفس فعلى الأرجح أن صوتك سيتغير كما يتغير عندما تصاب بنزلة برد عادية".

وقد نتمكن من تحديد هذه الاختلافات بدقة عن طريق جمع البيانات. لذا، بدأ موقع المشروع الإلكتروني الذي أنشئ في 30 مارس (آذار) يطلب من المتطوعين تسجيل أصواتهم وهم يسعلون ويقرؤون أحرف الأبجدية ويلفظون بعض الأحرف الصوتية. ثم وضع الموقع "درجة" لكل شخص تمثل احتمال إصابته بفيروس "كوفيد-19". ولكن سرعان ما أدركت سينج وزملاؤها أن الناس قد يسيئون فهم هذه "الدرجات" ويعتبرونها تشخيصاً حقيقياً. تقول: "قمنا على الفور بإيقاف الموقع، ونحن نعيد النظر في الطريقة التي تمكّننا من تقديم نتائج هذا النظام. فنحن لا نريد أن نحمل وزر أحد". 

لكن سينج وزملاءها ما زالوا يرغبون في العثور على طرق للاستفادة من عملهم، وهي تقول إنهم تواصلوا مع أطباء ومع إدارة الدواء والغذاء على أمل استخدام خوارزميتهم للمساعدة في التشخيص. (بالطبع، سيتطلب التشخيص الكامل اختبارات مصادق عليها). كما أنهم يفكرون في طريقة آمنة لجمع البيانات. وعلى الرغم من أننا نرى أصواتنا شيئاً عادياً، فإنها أداة قياس حيوي قوية. إذ يتميز كل إنسان ببصمة صوت خاصة به تماماً كما يتميز ببصمة الإصبع والحمض النووي (DNA). تقول سينج: "إذا كانت هناك قاعدة بيانات خاصة بالأصوات في مكان ما، سنتمكن من تحديد هوية كل إنسان من صوته إذا استمرينا بالعمل". إذاً، فهم يعملون على إخضاع مجموعة البيانات التي جمعوها لقوانين الخصوصية المعمول بها في الاتحاد الأوروبي وكاليفورنيا، كي يتمكن المستخدمون من حذف بياناتهم في أي وقت.

وفي هذه الأثناء، هناك عدة مشاريع أخرى تجمع بيانات الأصوات أو السعال من المشاركين في مؤسسات مثل "جامعة كامبريدج" والوقت وحده قادر على تحديد ما إذا كانت الخوارزميات أداة مفيدة لرصد الإصابة بفيروس كوفيد وتشخيصها. ولكن يجب على أي باحث أخذ موضوع الخصوصية على محمل الجد، وتوضيح ما يمكن لهذه التقنية توضيحه أو لا. تقول سينج: "لا نريد إضاعة الوقت، هذا ليس وقت تجريب أشياء لسنا واثقين منها".

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND