آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات

هناك عرب يكافحون للعثور على محتوى دقيق ومفيد بلغتهم الأم



حازم تحسين عوض
حازم تحسين عوض
مدير تحرير "منصة الاقتصادي.كوم" منذ سبتمبر (أيلول) 2017، الج..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

أثناء البحث عن أرقام وتحليلات ونقاط للبدء في مقال يمكن أن يغوص في سبب مشكلة شح المحتوى العربي على الإنترنت وعدم أهمية الكثير من مواضيعه، وتكراره بشكل مزعج، تظهر المشكلة الأخيرة فوراً، بأن أغلب المقالات التي تتحدث عن القضية كما غيرها من القضايا، منسوخة من بعضها البعض.

وضمن هذا الكم الكبير من المحتوى المكرر، يكون من الصعب الوصول إلى الغاية، وتصبح العملية كما البحث عن إبرة في كومة قش، وبحاجة مهارة أكبر وخبرة أعلى، ليكون الحل الأسهل هو البحث عن قضية شح المحتوى العربي باللغة الإنكليزية.

من ناحية المضمون

دائماً هناك من يصنع محتوى، لكن صناعة المحتوى العربي بحاجة إلى إعادة نظر استناداً إلى عدة معايير: فهل المحتوى المتاح مفيد أم أنه مجرد محتوى رنّان هدفه كسب المال فقط من الإعلانات لمجرد الظهور ضمن عمليات البحث؟ وهل المعلومات موثقة أساساً؟ وهل المحتوى المفيد والموثق متاح أساساً بشكل مجاني وسهل، أم يحتاج لاشتراكات مالية وخطوات معينة لتسجيل الدخول؟ وهل هو سهل النسخ أم متاح بصيغ محمية تجعل الاستفادة منه أصعب؟

المنتدى الإقليمي للمحتوى الرقمي العربي الذي يعقد سنوياً بقرار مجلس الوزراء العرب للاتصالات والمعلومات، عقد دورته الرابعة مابين 5 – 7 أكتوبر (تشرين الأول الجاري)، وأكد المشاركون فيه على أن المحتوى العربي لا يزال يشكل 3% فقط من إجمالي المحتوى العالمي على الانترنت، علماً أن اللغة العربية هي خامس أكثر لغة مستخدمة حول العالم بـ422 مليون متحدث بها مقابل 100 مليون مستخدم للانترنت، وفقاً لماء جاء ضمن بيان المنتدى.

الأرقام التي خرجت عن المنتدى، تعتبر مبشرة بعض الشيء، فعلى الأقل هناك محاولات لزيادة المحتوى بغض النظر عن فائدته.

كبير مسؤولي الابتكار وتطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات العالمية في البنك الدولي، كريس فاين، كتب مقالاً على صحيفة الغارديان عام 2014، قال فيه إن أقل من 1٪ من إجمالي المحتوى العالمي على الإنترنت متاح باللغة العربية، وأقل من 0.2٪ من المحتوى الرقمي العالمي يتم استضافته في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، علماً أن المتحدثين باللغة العربية يمثلون نحو 4.5٪ من سكان العالم.

يرى فاين أن أسباب المشكلة كثيرة، منها أن أقل من ربع الأسر في العالم العربي لديها إمكانية الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة، بينما الرقابة على الإنترنت تثني الأشخاص عن إنشاء محتوى جديد، علماً أن الاهتمام بهذا المجال يساعد على تنويع اقتصاد المنطقة ويوفّر الوظائف لجيل خبير في التكنولوجيا من حوالي 100 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً نشؤوا في عصر الاتصالات المتقدمة.

بعض المشكلات

الإهتمام بالمحتوى العربي على الانترنت مفيد اقتصادياً، لكن ضيق الحال في بعض دول العالم الثالث، دفعت الكثير من فئة الشباب للتوجه نحو الإنترنت لكسب المال السهل على مبدأ بسيط "تحدّث عن الترند"، أو "كن مسلياً قدر الإمكان" لتحصل على مشاهدات أكبر وبالتالي أرباح أكثر، وهذا ما جعل صناعة المحتوى العربي غير المنضبطة والمنظمة، تتجه في منحى منحدر من ناحية الجودة، ما قد يزيد من مشكلة ضياع المعلومات المهمة والمفيدة المتاحة في خضم زحمة المحتوى غير المهم.

في نيسان الماضي، كتبت المديرة الإقليمية في تركيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لشركة حجز نطاقات المواقع الإلكترونية على الإنترنت GoDaddy، سيلينا بايبر، مقالاً على موقع الشركة قالت فيه إن إحصائيات Internet World Stats تظهر احتلال اللغة العربية المرتبة الرابعة من بين اللغات العشر الأكثر استخداماً على الإنترنت منذ نهاية مارس (آذار) الماضي (إحصائية تعطي تقدماً للغة العربية بمرتبة أعلى مقارنة بتقديرات المشاركين بالمنتدى الإقليمي الرابع للمحتوى الرقمي العربي الأخير).

وأضافت "اليوم، أكثر من 237 مليون مستخدم للإنترنت هم من المتحدثين باللغة العربية، أي أنها زادت بنسبة 9.34% عن عام 2000". لكن بايبر تعتبر جودة المحتوى العربي لا تزال منخفضة، وأن الترجمة أحد أهم مصادرها الرئيسية، مشيرةً إلى مشكلة ترجمة المحتوى باستخدام المنصات الآلية غير الدقيقة والتي لا يمكنها نقل المعاني المقصودة بدقة.

إذن، هناك من يكافح من مستخدمي الإنترنت الناطقين باللغة العربية للعثور على محتوى دقيق ومفيد، لذلك، تؤكد بايبر أننا لا نزال بحاجة إلى محتوى عربي عالي الجودة وأكثر تنوعاً.

مستقبل الاستثمار

يعتبر الاستثمار الفردي أو التشاركي بصناعة المحتوى الرقمي، مشروعاً مربحاً قياساً بالتكاليف، ومن الممكن ألا يحتاج المقبل على الاستثمار بصناعة المحتوى أي رأسمال يذكر، بينما تصل الأرباح الشهرية إلى آلاف الدولارات، تبعاً لنوع المحتوى والمنصة التي ينشر ويسوق بها محتواه.

ومن أهم ما يميز الاستثمار بصناعة المحتوى، وخاصة بالشرق الأوسط، هو تنامي حجم مستخدمي الانترنت والمتعرّضين لما يتم بثه عبر منصاته بأشكال مختلفة سواء تدوينات أو مقاطع فيديو أو صور وغيره، وخاصة مع ارتفاع نسبة الشباب بشكل عام قياساً بتعداد السكان، وهم الشريحة الأكثر استخداماً للانترنت.

استخدام الإنترنت في المنطقة ينمو بشكل متسارع، وهنا تكمن فرصة الاستثمار فيه بشكل مدروس، حيث كشف تقرير مؤسسة هوتسويت "Hootsuite" الكندية لإدارة وسائل التواصل الإجتماعي، بداية 2020، عن تفوق الدول النامية التي تضم الدول العربية على الدول المتقدمة باستخدام الانترنت بأكثر من ساعة ونصف يومياً على الأقل، وذلك بالنسبة للفئة العمرية 16-64 عاماً.

وبحسب موقع Internet World Stats الذي يرصد عدد مستخدمي الانترنت في العالم، فإن 70.2% من سكان الشرق الأوسط باتوا يستخدمون الانترنت العام الجاري، مقابل 67.2% عام 2019.

وبشّر تقرير صادر عن شركة "سيسكو" العالمية لتكنولوجيا المعلومات والشبكات وحلول الأمن السيبراني، بداية العام الجاري، بنمو قادم لقطاع الانترنت في المنطقة قد يكون مؤشراً مهماً لضرورة الاستثمارد المدروس، فتوقع أن ينمو عدد مستخدمي الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا إلى 611 مليون مستخدم عام 2023 مقارنة بـ381 مليون مستخدم في عام 2018.

ووفقاً للتقرير، سيتضاعف متوسط سرعات النطاق العريض في إلى 41.2 ميجابت في الثانية، بنمو 4.2 أضعاف مقارنة بعام 2018، وسيرتفع متوسط سرعات الاتصال بالمحمول في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا إلى 24.8 ميجابت في الثانية، بنمو 3.6 أضعاف مقارنة 2018، إضافة إلى ارتفاع سرعات الاتصال بشبكة Wi-Fi إلى 26 ميجابت في الثانية، بنمو 3.7 أضعاف مقارنة 2018.

وعليه، يساعد الاعتماد على صناعة المحتوى الرقمي والاستثمار فيه، وتطوير استخدام الانترنت في مجال الأعمال، الاقتصادات الناشئة بعدة نواحي منها: توفير التدريبات المجانية وتنمية المهارات والتعليم عن بعد، والمساعدة في العثور على فرص عمل خارج الحدود، تساهم عائداتها بتنمية الاقتصاد ككل. وتحويل صناعة المحتوى لمشاريع ربحية، تساعد على تحويل الأفكار والمهارات والهوايات إلى مصدر دخل، وهذا ما يدعو إلى ضرورة التواجد على الانترنت واحتراف استخدامه وضبط المحتوى المفيد، بالإضافة إلى ضرورة تحول الشركات في المنطقة إلى الرقمية لتستطيع دخول الأسواق العالمية.

قطاع الأعمال

لكن، كما ضعف المحتوى، هناك ضعف بتواجد شركات المنطقة على الإنترنت باللغة العربية، أو يعتمد تواجدها على ترجمة الواجهة العربية للموقع الإلكتروني باستخدام الترجمة الآلية غير الدقيقة، حتى أن بعضها (الشركات) تهمل نهائياً أهمية انشاء موقع الكتروني من الأساس رغم أهميته لعرض خدماتها وميزاتها التنافسية، وتسهيل عملية التواصل معها.

المؤسس المشارك في شركة إنشاء المواقع والمتاجر الإلكترونية "ويبلي"، ديفيد روسينكو، قال إن استطلاعاً قامت به الشركة عام 2013، كشف أن 56% من الأشخاص لا يثقون بالشركات التي لا تملك موقعاً إلكترونياً، بينما هناك حوالي 58% من الأنشطة التجارية لا تملك مواقعاً على الويب.

قضية التواجد على الإنترنت لرواد الأعمال العرب باتت شيئاً أساسياً لا يمكن إهماله، حيث تعتبر الكثير من الدراسات أن الشرق الأوسط يشهد نهضة ونمو لا يمكن إهمالها من ناحية التجارة الإلكترونية التي تستغلها حالياً شركات عملاقة عالمية.

اليوم، بات من المهم جداً على الشركات ليس فقط إنشاء مواقع على الانترنت بلغتهم العربية، بل تطبيقات وواجهات عربية تناسب الهواتف المحمولة لتكون سهلة الاستخدام، ولتصل إلى أوسع شريحة ممكنة، بظل تنامي التجارة الإلكترونية بالشرق الأوسط مع توجه غالبية الأجيال الشابة نحوها واستخدام الهواتف الذكية في الوصول إلى الإنترنت.

وبحسب إحصائية تعود لعام 2019 قامت بها شركة برايس ووتر هاوس كوبرز " PwC" التي تقدم استشارات مهنية وإدارية ومحاسبية على مستوى العالم، فإن منطقة الشرق الأوسط شهدت زيادة بنسبة 45٪ في استخدام الدفع عبر الهاتف المحمول خلال فترة عام واحد، بنحو ضعف معدل نمو الأسواق العالمية التي لنحو 24%.

ومن المتوقع أن تتجاوز التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 28.5 مليار دولار أميركي بحلول عام 2022  وفقاً لبحث أجرته شركة Bain & Company مع Google عام 2019.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND