وجه

آخر مقالات وجه



الاقتصادي – وجه:

خاص

 

في سن الـ16 كان قد تنقّل مع عائلته بين 15 مسكناً. لم يعرف الاستقرار طوال طفولته لا في السكن ولا في العمل، لكن ذلك الطفل الذي لم يستقر في شقة، بات لاحقاً مؤسساً لسلسة فنادق تضم آلاف الشقق أطلق عليها اسم "فورسيزونز" وهي واحدة من أفخر العلامات في قطاع الفنادق.

تحمّل ايزادور شارب ابن العائلة المهاجرة من بولندا إلى كندا أعباء الحياة منذ عمر الثامنة، وعمل بتوصيل مجلات "ليبرتي" إلى المنازل، ليتولى بعد عدة سنوات توزيع الأدوية على دراجته، ثم اتجه في مراهقته للعمل بصالة بولينج ومطعم على الشاطئ خلال الصيف.

كان شارب المولود عام 1931 في تورنتو الكندية، شغوفاً بالأنشطة البدنية ولديه رغبة في ممارسة أعمال البناء مثل والده الذي كان يستخدم قوته الجسدية في أغلب الأحيان إضافة إلى استخدام معدات بدائية كالحصان والمحراث في الحفر لتخطي معاناته من نقص الآلات.

صحيح أنه لم يطمح بأن يكون مهندساً معمارياً، لكنه كان مستعداً لفعل أي شيء من أجل تعلم المزيد عن أعمال البناء، والتحق بـ"جامعة رايرسون" في تورنتو بكندا، وحصل على بكالوريوس في الهندسة المعمارية عام 1952.

عمل شارب بعد التخرج مع والده الذي أصبح مقاولاً، وخلال تلك الفترة طلب أحد أصدقاء والده تصميم فندق، عندها بدأ شارب تجربته الأولى علماً أنه كان في الـ25 من عمره فقط، وبالفعل تأسس الفندق الذي ضمّ 22 غرفة نوم مع لافتة كبيرة بأعلى الفندق.

خلق شارب من تجربته الأولى مفهوم جديد بعالم الفنادق، يقوم على المزج بين تصاميم الفنادق التي تكون ضمن المدن ذات الغرف الكثيرة والخدمات المميزة، والنُزل التي تتواجد على الطرق السريعة.

بعد تلك التجربة، رسم شارب في مخيلته نمط سلسلة الفنادق التي أراد أن يؤسسها، ولكن كان بحاجة إلى تمويل، لذلك لجأ إلى مقرض عقاري وافق على منحه تمويل للمشروع بنسبة 50% بشرط تأمين النسبة المتبقية من مستثمرين أخرين.

أخذ إقناع المزيد من المستثمرين بعض الوقت، لكنه تمكن أخيراً من ذلك وحصل على القرض، ثم اشترى أرضاً في تورنتو عام 1958 ضمن حي فقير بعض الشيء بما يتناسب وما توفر معه من أموال، ثم أسس في الـ29 من عمره "شركة فورسيزونز" بكندا عام 1960، وسرعان ما تمكن من افتتاح الفندق الذي تضمن 125 غرفة نوم بعد عام واحد من تأسيس "شركة فورسيزونز".

خلال عقد من الزمن، توسعت الشركة في الخارج وكان أول فندق لها في لندن عام 1970، واستمرت بخطة التوسع حول العالم  بالحفاظ على معدل يشمل بناء فندقين كل سنة باستخدام هندسة معمارية جديدة تمزج الاهتمام بالمظهر العمراني مع المناظر الطبيعية.

غيّر شارب الهيكل المالي للشركة عقب أزمة النفط عام 1973، التي سببت ركوداً اقتصادياً، حيث حوّل الشركة إلى تشغيل الفنادق التي يتم تمويلها وبناؤها من قبل عقاريين، بعد أن كانت "فورسيزوز" تبني فنادقها الخاصة وتدفع تكاليفها.

وحدث التغيير الكبير التالي في 2007، حين اشترى مؤسس "شركة مايكروسوفت" بيل جيتس، والأمير الوليد بن طلال آل سعود حصة 95% من الشركة قسمت بينهما بالتساوي، وذلك مقابل 3.8 مليار دولار، في حين احتفظ شارب بحصة 5%.

وتدير "فورسيزونز" حالياً 119 فندقاً ومنتجعاً من فئة 5 نجوم و45 عقاراً في 48 دولة في جميع أنحاء العالم، معظمها في أميركا وكندا، إضافة لحضورها القوي في العواصم والمدن الرئيسية بأوروبا والشرق الأوسط وآسيا، كما توفر خدمة طائرة "فورسيزونز جت"، من طراز "بوينج 757" بسعة 52 مقعداً، التي تقوم بنقل الركاب حول العالم لمغامرات حصرية.

سميت سلسلة فنادق "فورسيزونز" بهذا الاسم بناء على اقتراح أحد أقارب شارب الذي كان يريد تسميته "ذا ثندربيرد إن"، أو "نزل طائر الرعد" الذي أطلق لاحقاً على كافيتيريا الموظفين في المقر الرئيسي للشركة في تورنتو.

يعتبر شارب أن ما يميز "فنادق فورسيزونز"، هو تقديمها خدمة مميزة للعملاء، حيث صنفت ضمن قائمة "أفضل 100 شركة يمكن العمل فيها" الصادرة عن مجلة "فورتشن"، وذلك بشكل سنوي منذ أن بدأت المجلة إصدار تلك القائمة في عام 1998 وحتى 2019، كما تعتبر من الشركات التي تحافظ على موظفيها أطول فترة ممكنة.

حصل على نحو 25 جائزة وتكريم، منها جائزة الإنجاز مدى الحياة من "الصندوق الدولي للاستثمار الفندقي" عام 2009، وجائزة أيقونة الصناعة من كلية إدارة الفنادق بـ"جامعة كورنيل" عام 2016، كما أصدر كتاباً بعنوان "Four Seasons: The Story of a Business Philosophy" يشرح بالتفصيل تاريخ شركته وفلسفتها.

ولديه نشاطات في المجال الخيري، وهو أول حاصل على جائزة "روث هارتمان فرانكل الإنسانية للعمل" نيابة عن جمعية السرطان الكندية عن عام 1983، كما أنه المدير الفخري لـ"سكوتيابنك" ومدير "مجموعة كليرفيست" لإدارة الأسهم الخاصة.

ايزادور شارب محب للعائلة، الأمر الذي تعلمه من والديه، وهو متزوج من روزالي شارب، وأنجبا 4 أبناء، لكنه فقد أحد أبنائه في سن الـ17 بعد صراع مع السرطان.

ينصح شارب الشباب بالحصول على أكبر قدر ممكن من التعليم، ويقول "دع شغفك ليكون دليلك. اذهب بقلبك لأنك إذا كنت تشعر بالرضا عما تفعله؛ ستفعله بشكل جيد"، وهو ليس من محبي خلق المبررات والأعذار مثل "كنت سأفعل بشكل أفضل إذا …"، ويرى أنه بدل خلق الأعذار على الإنسان بذل قصارى جهده دائماً.

النجاح بالنسبة لشارب لا يقاس بالممتلكات بل بعدد الأشخاص الذين لمس حياتهم وساعدهم، ويفخر بمعرفة أن عمله قد أثرى حياة الكثيرين.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND