آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



الاقتصادي – خاص:

كتب عبد القادر خطاب

منذ بدء الأزمة السورية قبل عامين ونيف بدأت نتائج السياسات الاقتصادية الركيكة بالظهور كضيف ثقيل حل على جيب المواطن السوري بدءاً بقرار منع الاستيراد للمواد التي يزيد رسمها الجمركي عن 5%، والذي وضع قيد التنفيذ لمدة شهر واحد في أواخر عام 2011.

وقرار السماح لكل سوري أتم الثامنة عشر من العمر شراء مبلغ 10 آلاف دولار أمريكي شهرياً و الذي تم تنفيذه لمدة قصيرة أيضاً و من ثم السماح للمواطنين بشراء مبلغ 1000 دولار أو 1000 يورو لأغراض غير تجارية والعديد من القرارات التي تم وضعها عن غير تفكير وتحليل عملي لجدوى هذه القرارات.

وعندما لم يجد الفريق الاقتصادي فائدة ترجى من هذه السياسات التجريبية التي أثبتت فشلها بدأ العمل على مبدأ الإشاعات والتدخل الإيجابي و السلبي ووضع عدة تأشيرات ونشرات سعرية للدولار في محاولات بائسة للحد من قيمة انحدار الليرة السورية.

ولم يكن الحظ حليفاً للفريق الرقابي الذي أصدر عشرات النشرات التأشيرية للأسعار و التي كان الغرض المرجو منها وضع حد لارتفاع أسعار السلع و الذي باءت جميع محاولاته بالفشل أيضاً و هذا أمر طبيعي.

ولكن ما الذي يجعل أسعار السلع تحلق عالياً بشكل أكبر بكثير من ارتفاع سعر الصرف للدولار الأمريكي مقابل الليرة السورية علماً بأن التجار السوريين الباقين في السوق اليوم لا يحققون ربحاً مماثلاُ للربح الذي كانو يحققونه قبل بدء الأزمة في سورية .

مثال حقيقي: شركة "س" كانت قبل الأزمة تقوم باستيراد وبيع الأدوات الكهربائية المنزلية بواقع شحنة واحدة شهرياً "12 شحنة في العام" والمادة التي تقوم باستيرادها هي خلاطات عصير فرضاً بواقع 1000 قطعة لكل شحنة و كان رأس مالها العامل يبلغ 12 مليون ليرة سورية كافية لتغطية المصاريف و كلف الاستيراد و التخليص الجمركي و كانت الشركة واضعةً حداً ربحياً لرأس المال 7% من قيمة البضاعة بعد حساب الكلف النهائية و يكون لدينا العملية الحسابية التالية:

كلفة الشحنة الواحدة متضمنة الشحن الدولي و التخليص الجمركي و النقل الداخلي و المستودعات و أجور العمال و الضرائب و المتفرقات تساوي 1 مليون ليرة سورية.

الربح يساوي 1 مليون ليرة سورية مضروباً ب 7% = 70 ألف ليرة سورية صافي الربح لكل شحنة.

سعر مبيع الخلاط الواحد للمستهلك = كلفة الشحنة مجموعاً معها هامش الربح يتم تقسيم المجموع على عدد القطع فيكون الناتج:

"الكلفة 1000000 + الربح 70000" /عدد القطع 1000 = 1070 ليرة سورية سعر المبيع للقطعة الواحدة

على دولار 47 ليرة قبل الأزمة كانت كلفة الشحنة الواحدة 21277 دولار

على دولار 47 ليرة قبل الأزمة كان ربح الشحنة الواحدة 1490 دولار أمريكي

على دولار قبل الأزمة كان سعر مبيع القطعة الواحدة للمستهلك = 22.8 دولار أمريكي

دعونا نحتفظ بالرقمين 1070 ليرة و 22.8 دولار أمريكي قليلاً لنعود لهما لاحقاً

نعود إلى يومنا الحالي لنجد أن سعر هذه السلعة "خلاط الفواكه" أصبح 4050 ليرة سورية و عند تقسيم سعره بالليرة السورية على سعر الدولار الجالي نجد أن الفرق أعلى بكثير من فرق سعر الصرف لوحده فلماذا هذه الفرق الكبير و لماذا يقوم التاجر برفع الأسعار إلى حدود خيالية لا منطق فيها.

عند حساب سعر مبيع الخلاط بالدولار على سعر صرف اليوم نجد أن الخلاط أصبح يباع كالتالي:

4050 ليرة تقسيم 142 سعر الدولار اليوم = 28.5 دولار أمريكي

و السؤال المهم هنا، هل زادت كلفة المبيع من قبل المصدر على التاجر نفسه ؟ أم أن التاجر يقوم باستغلال الناس في أحلك الأوقات ؟ أم أن هناك مبررات أخرى؟

في الحقيقة أن الأسباب الثلاثة السابقة واردة الحدوث لكن السبب الرئيسي لهذا الغلاء الفاحش هو أن كلف البضاعة قد زادت فعلاً على التاجر في نواح كثيرة و متفرقة سوف أقوم بذكر الآتي منها:

1- لم يعد التجار يقومون بعملية الاستيراد بنفس التواتر و الكميات التي كانوا يقومون باستيرادها و توفيرها قبل الأزمة بسبب انعدام الأمن و الأمان.

ما أدى إلى زيادة هامش ربح السنوي و تقسيمه على عدد الشحنات التي يقومون باستيرادها في الوقت الحالي "هامش الربح الذي كان 7% قبل الأزمة أصبح 14% الآن إذا قلنا أن الشركة أصبحت تستورد 6 شحنات في العام بدلاً من 12 شحنة".

2- زادت كلفة الشحن البحري و كلفة التأمين على البضائع بشكل ملحوظ عما قبل الأزمة و إحجام العديد من شركات الشحن العالمية عن قبول البضائع المراد شحنها إلى سورية و خاصة من أوروبا، مما أدى إلى زيادة طفيفة على الكلف.

3- إلغاء اتفاقية التجارة مع تركيا و رفع الرسوم الجمركية على المستوردات التركية و الذي كان له الأثر الكبير بسبب كثافة وتنوع المنتجات التركية التي كان يتم توريدها إلى سورية قبل الأزمة مما جعل كلفة الاستيراد من تركيا أكبر من كلفة الاستيراد من أي مكان آخر مما سبب نقصاً في البضائع المعروضة مقابل ارتفاع في أسعار ما تبقى من بضائع بسبب الاحتكار.

4- زادت كلفة النقل البري الداخلي في سورية 10 أضعاف على الأقل خلال الأزمة فأصبحت كلفة نقل بضاعة بواسطة سيارة شاحنة قياس كبير 150 الف ليرة سورية بدلاً من 15 الف ليرة سورية قبل الأزمة بسبب انعدام الأمن في الطرق وانتشار ظاهرة خطف البضائع والمطالبة بفدية وغلاء سعر المازوت 3 أضعاف عما قبل الأزمة.

5- زيادة و استشراء ظاهرة الفساد الجمركي خلال الأزمة بشكل أكبر مما قبل الأزمة "بسبب قلة الشغل" فأصبح الموظف المرتشي يريد ضعف المبلغ على المعاملة الجمركية الواحدة لأنه يقوم بتوقيع عدد معاملات أقل مما كان عليه الحال قبل الأزمة وبسبب الفوضى وغياب الرقابة التي لم تلعب أي دور على الإطلاق خلال الأزمة بل على العكس تم إلغاء دور المكتب السري وحله والاستعاضة عنه بمديرية مكافحة التهريب التي لم تكن أفضل من سابقتها على الإطلاق.

6- من أهم الأسباب توقف الحكومة عن تمويل أكثر من 95% من المستوردات ووضعها العراقيل أمام كل المستوردين إلا من رحم ربي، مما أدى إلى زيادة واضحة على كلف أغلب المواد الغذائية بشكل كبير وواضح بالإضافة إلى بقية المواد التي لم تعد مؤهلة للتمويل من قبل المركزي.

7- زيادة كلفة التحويل للخارج بشكل كبير جداً فمثلاً كانت كلفة التحويل لمبلغ 10 الاف دولار أمريكي تساوي 25 دولار أمريكي قيمة أمر التحويل "سويفت" + مبلغ 3 بالألف من قيمة المبلغ المحول كعمولة تحويل أي يصبح المجموع 55 دولاراً أمريكياً يقابلها اليوم 50 دولار قيمة السويفت + 1.5% كعمولة تحويل أي ما يعادل 200 دولار أمريكي في يومنا هذا.

8- زادت كلفة المستودعات التي يتم تخزين البضاعة بها و أصبحت جميع الشركات تتجه لاستئجار مستودعات في مناطق آمنة نسبياً وقيام أصحاب المستودعات باستغلال هذا الظرف لكثرة الطلب وقلة المعروض مما أدى إلى زيادة إضافية على الكلف الكلية للعملية التجارية.

9- زيادة العديد من الكلف التي تندرج تحت بند المصاريف "البينزين – المازوت – الغاز" والتي أدت بدورها إلى زيادة في الكلفة العامة للشركات.

10- أحد أهم الأسباب التي لا يعرفها الكثيرون هي أن الشركات المصدرة كانت قبل الأزمة توفر التسهيلات في الدفع للكثير من الشركات السورية المستوردة فكانت تقبل أن يتم شحن البضاعة والدفع لاحقاً بعد 30 يوم أو 60 أو حتى 180 يوماً من تاريخ الشحن.

أما بعد بداية الأزمة لم تعد الشركات المصدرة تقبل بالعمل على هذا المبدأ وأصبحت تريد الدفع قبل الشحن أو تسليم البضاعة مما أدى إلى خروج عدد لا يستهان به من الشركات من السوق أو على الأقل سبب عودة هذه الشركات لحجمها المالي الطبيعي والعمل برأس المال الذي تستطيع تحريكه فقط و فقدت امتيازاتها وتسهيلاتها مما جعل هناك زيادة في الكلفة لأن هؤلاء التجار كانوا يعملون على مبدأ "بيع كتير بربح قليل" وكانت أرباحهم تتشكل من التواتر العالي ودورة رأس المال السريعة والذي لم يعد ممكنا في ظل الأزمة في سورية.

11- وبسبب الاختلاف اليومي الكبير في أسعار الصرف، توجب على أغلب الشركات و التجار وضع هامش مجازفة خاص بسعر صرف الدولار "Premium Risk" لتلافي الخسارة في حال صعود أو نزول الدولار بشكل كبير خلال مدة قصيرة من الزمن.

هذه المسببات قد لا تبدو واضحة للعيان للوهلة الأولى لكنها جميعاً عوامل مؤثرة على العملية التجارية على صعيد الشركات وعلى الاقتصاد في سورية ككل. و ينطبق المثال السابق والأسباب التي ذكرتها على جميع المستوردات وحتى على المواد المحلية الصنع التي تأثرت بأحد الأسباب المذكورة سابقاً على الأقل مما أدى إلى زيادة غير منطقية في سعرها.

صفحة الكاتب على فيسبوك:

www.facebook.com/arkesta.963

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND