آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



سامر عبود
سامر عبود
استاذ في "جامعة اركاديا الأميركية"
الاقتصادي – آراء وخبرات:

بدأت صفات وأنماط اقتصاد الحرب بالظهور والتشكل خلال مسار الصراع في سورية، وتتعدد هذه الأنماط في أوقات الحروب لتشمل نطاقات واسعة، لكن القليل منها له التأثير طويل المدى كهروب رؤوس الأموال، وهو ما حصل ويحصل في سورية الآن، والذي يمكننا تعريفه بأنه تسييل الممتلكات والأصول وتحريكها إلى خارج الحدود الجغرافية لبلد ما.

ومع أن هروب رؤوس الأموال من سورية، ليس صفة يتفرد بها هذا البلد، بل كان صفة أساسية من صفات اقتصاد الحرب في سورية، إلا أن العوامل المحركة لهذا الهروب في هذه الفترة يشكل تحديات كبيرة أمام إمكانية عودة رؤوس الأموال هذه إلى سورية، وهي تختلف تماماً عن الظروف التي سبقت هذا الصراع.

ففي مرحلة ما قبل الصراع في سورية، كانت معالجة هروب رؤوس الأموال إلى الخارج، تتم من خلال وضع سلسلة سياسات معينة كالسماح للقطاع الخاص بدخول السوق عبر تسهيل الفرص الاستثمارية.

أما في مرحلة ما بعد الصراع، فإن هذا لن يكون كافياً أبداً لتسهيل عودة رؤوس الأموال، لأن مستوى هروب رؤوس الأموال الحالي، سيؤدي إلى انخفاض كبير في رؤوس الأموال السورية، بالإضافة إلى الانحدار الحاد الذي سيظهر واضحاً على القدرة الانتاجية، وإعادة رؤوس الأموال إلى الداخل وتسييرها نحو إعادة الإعمار، ستكون إحدى أكبر التحديات التي ستواجه سورية في الأعوام المقبلة.

وعملياً، فإنه من المستحيل حساب كمية رؤوس الأموال السورية التي تم إخراجها من البلد، لكن يوجد بعض الأرقام والاحصائيات التي يمكنها تزويدنا بفكرة عن مدى عمق المشكلة. تدل الأرقام في قطاع المصارف الخاصة في سورية لوحدها أن أكثر من خمس الإيداعات في هذه المصارف، قد تم سحبها من قبل المودعين مع نهاية عام 2012 مما يقارب 100 مليار ليرة سورية.

بالإضافة إلى ذلك تشير العديد من القيود المفروضة من قبل الحكومة على سحب وتحريك رؤوس الأموال في سورية، إلى أن القطاع العام المصرفي قد شهد بدوره سحوبات كبيرة جداً.

ونستطيع أن نضيف على ذلك الثروات الخاصة التي يملكها السوريين على شكل سيولة أو أصول أخرى والتي تم بيعها أو تم تدميرها خلال العامين المنصرمين. وهذا اعتبار مهم يجب أخذه في الحسبان، لأن أرقام سوق دمشق للأوراق المالية منخفضة جداً بسبب حجم هذا السوق الصغير، وبسبب ندرة المعلومات التي يمكن الاعتماد عليها من حيث كمية الأصول التي يملكها السوريون.

و السؤال الذي تصعب إجابته هنا هو أين تذهب الأموال السورية، وبماذا يتم استخدامها، وهو سؤال يساوي من حيث الأهمية وصعوبة الإجابة الطرح الذي يسأل كم من الأموال بقي في الداخل السوري، أو كم من الأموال تم فقدانها ؟

ولأن العديد من المصارف في المنطقة، تتردد بفتح حسابات مصرفية للسوريين، اضطر الكثيرون إلى تحريك أموالهم بشكل مبطن, فكان على العديد من السوريين دخول شراكات في أعمال مع أناس محليين في بلدان محاذية، مما ألبس رؤوس الأموال السورية قناعاً، وجعل إحصاء المال الذي يستثمره السوريون في الأعمال صعباً جداً.

في منطقة البقاع اللبنانية، على سبيل المثال يوجد ظهور واضح لانتشار الأعمال السورية، متمثلة في أشكال عديدة ممتدة من المطاعم إلى المحلات التجارية، لكن هذه الاستثمارات لم تنعكس على الأرقام المالية الرسمية من حيث حجم الاستثمارات.

كل ما سبق يجعل عملية الحساب صعبة جداً. فالبنوك اللبنانية لم تنشر زيادة ملحوظة في الإيداعات حتى نستنتج أن الأموال تقوم بالتدفق مع أن عدد السوريين المقيمين في لبنان تجاوز مئات الآلاف. بينما شهدت المصارف التركية في الجنوب المحاذي للحدود السورية زيادة ملحوظة في كمية العملة الصعبة التي تم إيداعها من قبل السوريين.

ففي اقليم هاتاي لوحده زادت الإيداعات من العملة الصعبة، ووصلت إلى ما يقارب 410 مليون دولار في النصف الأول من عام 2012.

كما توجد تقارير عديدة مختلفة المصادر، تشير إلى أن كمية رؤوس الأموال السورية التي دخلت مصر تتراوح ما بين 100 إلى 500 مليون دولار أمريكي. كما أنه لا يوجد أدنى شك أن مبالغاً كبيرة من الأموال السورية، قد أصبحت في المصارف الخليجية.

وللإنصاف نستطيع القول أن كمية الأموال السورية التي غادرت البلد، تقدر بالمليارات و ليس بالملايين.

وعلى الرغم من صعوبة القيام بالإحصاءات لمعرفة كمية الأموال الهاربة بسبب الأزمة السورية، فإن الأرقام الموجودة تدل بوضوح على مشكلة نمطية، حيث أن مئات الملايين من الدولارات التي تشكل رؤوس الأموال السورية، قد تم إخراجها من سورية, و يتم استعمال هذه الأموال إما من خلال استهلاكها في الخارج لتحمل نفقات المعيشة أو من خلال استثمارها في البلدان المجاورة. بالإضافة إلى ضياع فرصة وجود هذه الأموال داخل سورية على جيل كامل داخل البلد.

وطالما أن هذا الوضع آخذ بالاستمرار على هذا النحو، فإن فرص عودة رؤوس الأموال إلى سورية، تقل يوماً بعد يوم وتجعل مهمة إعادة الإعمار صعباً جداً لسببين أساسيين اثنين:

أولهما أن الأغلبية الساحقة للشركات السورية، كان حجمها يتراوح بين الصغيرة و المتوسطة و التي لم تقم بالتحوط والاحتفاظ برؤوس الأموال و الأصول الضرورية للانتظار و البقاء إلى حين انتهاء المشكلة السورية. والسبب الثاني، يكمن في أن رؤوس الأموال الهاربة قد تم وضعها قيد الاستهلاك خارج سورية, والرغبة في عودة رؤوس الأموال هذه آخذة في الضمور.

ويجدر القول أن السوريين كواحد من شعوب العولمة، يمتلك القدرة على سهولة التنقل، لكن قانون الأرقام يفرض صحة النظرية التي تقول أنه كلما زادت كمية رؤوس الأموال والشركات التي تغادر سورية، كلما قلت فرص عودة هذه الأصول إليها.

وهذه مشكلة أساسية قصيرة وطويلة المدى سوف تؤثر على إعادة إعمار الاقتصاد السوري وعلى رفاهية الشعب السوري بأكمله.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة. 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND