تجارة واستثمار

آخر مقالات تجارة واستثمار



جون روخاس – فورين بوليسي

نيويورك – من بين كل الدول المشاركة في كأس العالم 2014 في البرازيل وكأس العالم 1994 في الولايات المتحدة، كانت كولومبيا البلد الذي تغيّر بشكل جذري. فمنذ عشرين عاماً، صُدم العالم بل فوجئوا، عندما قُتل المدافع أندريه إيسكوبار في مدينة ميديلين على يد رجل أحد عصابات المخدرات بعد أن وضع هدفاً في مرمى فريقه. لكن اليوم، على العكس، يمكن للاعبين الكولومبيين الدخول إلى الملعب مفعمين بالثقة ومتحررين من الخوف، تماماً كالشعب الذي يمثلونه. بيد أن الطريق الذي قطعوه منذ ذلك الحين حتى الآن لم يكن سهلاً بتاتاً.

فعندما جرى إقصاء منتخب كولومبيا من كأس العالم في الولايات المتحدة عام 1994، كانت كرة القدم بمثابة فترة راحة ومتنفس نادر بالنسبة للضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي كان يعيشها الشعب الذي وهو يخوض حرباً مع تجارة المخدرات، والإرهاب، والتضخم المتقلب الذي جاء مصاحباً لموجات النقد غير القانوني. ومع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، كانت كرة القدم الشيء الوحيد الذي يمكن أن يرسم الابتسامة على وجوه تملؤها الدموع، وأن يفتح عيوناً اعتادت أن تغلق لتتجنّب رؤية الفظائع التي تحدث في محيطها؛ فكانت الهتاف لتسجيل هدف في ذلك الوقت أحد الأصوات التي يمكن أن تُسكت صوت انفجار قنبلة.

لذلك أبقى المنتخب الوطني الكولومبي، ولو بدون ثبات، على مجتمعٍ لديه بضع أسباب أخرى للابتهاج. كانت انتصاراته بسيطة في سياق اللعبة العالمية، لكنها كانت هائلة بالنسبة لمجتمع يعاني من عدم تلبية العديد من حاجاته المادية والعاطفية. لقد أكدت جهود ذلك الجيل وأداؤه على ما تعنيه الرياضة في كولومبيا: رغبة في إطلاق السعادة والإبداع الكامنين داخل كل شخص كولومبيّ.

بدأت الأمور بالتغير أخيراً بعد أن طبقت كولومبيا قوانين جديدة استمدّتها من دستورها الجديد لعام 1991. إذ أن إعادة هيكلة المكاتب الحكومية وسياسات الإنفاق، وكذلك إصلاح القطاع المالي، بدأ بتغيير حقيقة الاقتصاد والنظرة إليه في الوقت ذاته. استغرقت هذه العملية عدة سنوات في حين كان نجوم الكرة الكولومبية الذين ترعرعوا وسط الطين والفقر يرون سنوات عمرهم الأفضل تتقلب أمامهم؛ إذ أن قلةً منهم كانوا قد وقعوا عقوداً مع فرق أوروبية حيث كافحوا من أجل النجاح باستثناء قلةٍ قليلة منهم.

وقد عُرف الاقتصاد الكولومبي تقليدياً بتصديره لللمحاصيل الزراعية مثل الموز، والتبغ، والورود، أما الكوكايين فقد بدأ تصديره بعد ذلك. كما اشتهرت كولومبيا بجودة حبات قهوتها. فأصبح خوان فالديز، الشخصية التخيلية لمزارع البن مصطحباً حماره، تنافس تاجر المخدرات بابلو إيسكوبار لتصبح رمزاً عالمياً للبلاد، التي غالباً ما يخطئون بتهجئة اسمها. ومع ذلك فقد كانت السوق الداخلية، وليس الأسواق الخارجية، هي التي شكلّت الدفعة المطلوبة بينما كانت البلاد تتحضّر للانفتاح المفاجئ على بقية العالم.

وعاد انفتاح كولومبيا بالفائدة على لاعبي كرة القدم لديها أيضاً لاسيما أنه ترافق مع تغيرات في الخارج. فبدءاً من عام 1995، خففت سلطات كرة القدم الأوروبية قوانينها حيال التعاقد مع لاعبين أجانب، ومنح حكم بوسمان اللاعبين صوتاً أعلى في قرارهم المتعلق بمكان عملهم وأجرهم. فتجد كلاً من كارلوس فالديرما بشعره المنفوش، وفوستينو أسبريلا بخطواته الكبيرة، وأدولفو الملقب بالقطار والمعروف بحركاته التي تشبه رقص فالنسيا، وركلة العقرب لحارس المرمى رينه هيجيتا، سرعان ما أصبحوا رموزاً بفضل انتصاراتهم على أرض الملعب. وقد زادت حالات الانتقال في كرة القدم العالمية بثلاثة أضعاف بين عامي 1995 و2011؛ ومع نهاية تلك الفترة، اشتملت ثلاثة بالمئة من هذه الحالات على لاعبين كولومبيين – وينطبق الأمر ذاته على لاعبي الأوروغواي، الذين لطالما كانوا سلعة مطلوبة.

وفي هذه الأثناء، طهرت كولومبيا نفسها من تأثير تجار المخدرات عليها بدرجة كبيرة، ورسخت موقفها الموجّه للخارج باتفاقيات التجارة الحرة، والعضوية في مجموعات اقتصادية اقليمية، وبالمشاركة في الحوارات الدائرة بين القارات حول السياسة الاقتصادية والاجتماعية. (ومع ذلك، فإن الجزء الأكبر من "خطة كولومبيا" كان ما يزال عسكرياً بشكل أساسي، ولم يكن العبء الملقى على عاتق السياسات العامة لينتهي في وقت قريب).

وفي كرة القدم، بدأت كولومبيا أخيراً بالخروج من قوقعتها أيضاً. فقد بدأت فرق الشباب في برنامج الإعداد الوطني بجلب مَسْحة من المتعة إلى البطولات الدولية مع أنها لم تكن تفوز بأي شيء يذكر، والفضل في ذلك يعود إلى مدربين من أمثال رينالدو رويدا وإيدواردو لارا. إن هذه اللمسة الإيقاعية مع السرعة الأكبر والعقلية المتركزة على الدفعة ذاتها التي قادت البلد بأسره إلى الأمام قد مثّلت علامة للثورة في أسلوب كرة القدم في البلد، وكذلك في الفريق نفسه.

لكن الأمر استغرق وقتاً طويلاً؛ ففريق الكبار قاوم التغيرات مع أنه كان بعيداً عن أيام التسعينات المتألقة، وعلى الرغم من إخفاقاته للتأهل لكأس العالم. أما انتصاره الأكبر، فكان كأس أمريكا الجنوبية عام 2001، الذي انعقد في كولومبيا نفسها ودون مشاركة الأرجنتين التي امتنعت عن المشاركة بسبب مشاكل أمنية مدّعاة. كما أن حضور الجمهور لمباريات الدوري كان يتراجع، ليس بسبب خروج أفضل لاعبي البلد فحسب، بل أيضاً بعد وصول البث عبر الأقمار الصناعية الذي بات يعرض بطولات مرموقة أكثر. وكان معدل الحضور عام 1993 أكثر من اثني عشر ألفاً؛ وبحلول عام 2012، انخفض هذا الرقم بحوالي النصف حسب هيئة الدوري الحكومية.

وفي الحقيقة، إن معظم النجاح الذي حققته كرة القدم الكولومبية في عصر عولمتها قد تحقق في الخارج. فالفريق الوطني اليوم يضم صدارة الهدافين في ألمانيا والبرتغال، وكذلك المزيد من النجوم الآخرين من الفرق الأولى في أوروبا. وذلك دون الأخذ بعين الحسبان راداميل فالكاوغارسيا الذي بدأت قيمته تضاهي كريستيانو رونالدو عندما انتقل من نادي أتليتيكو مدريد إلى نادي موناكو العام المنصرم؛ ولم يمنعه من الانضمام إلى تشكيلة الفريق سوى إصابة أربطة ركبته. ومن بين اللاعبين الثلاث والعشرين الذين نجحوا في الوصول إلى البرازيل، لم يلعب منهم سوى ثلاثة على المستوى المحلي (بما فيهم اثنان من حراس المرمى الاحتياط).

كان للعولمة مزاياها وسيئاتها بالنسبة لكولومبيا. فمنتقدوها يشيرون إلى بعض الصناعات التي حلّت فيها الصادرات مكان المبيعات في السوق المحلية، وصناعات أخرى تدمرت فيها الشركات المحلية بسبب القوانين التي تعطي المستثمرين الأجانب ميزة التفوق على المنتجين المحليين. ولم تكن كرة القدم مختلفة في هذا الوضع؛ فالنجاح في الخارج تمت مبادلته على نجاحات في الداخل. أما السؤال الهام فهو إذا ما تمكن المنتخب الوطني، أن يكون مثل شركة متعددة الجنسيات تعيد توطين جزء من أرباحها، وأن يعيد بعضاً من مجده إلى كولومبيا في نهاية المطاف.

روخاس هو صحفي كولومبي يعمل في نيويورك ويكتب عن كرة القدم.

تنويه: نشرت هذه المقالة ضمن اتفاقية إعادة النشر باللغة العربية الموقعة بين هيكل للإعلام وواشنطن بوست لنشر مقالات من مجلة فورين بوليسي، وتمت ترجمتها في قسم التعريب والترجمة في هيكل ميديا، إن النسخ وإعادة النشر بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لمجلة فورين بوليسي – 2014.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND