مصارف وأسواق مالية

آخر مقالات مصارف وأسواق مالية



ساسكيا ساسين – فورين بوليسي:

عندما تخلفت الأرجنتين هذا الأسبوع عن سداد الدين للمرة الثانية خلال 13 عاماً، صُدم العالم المالي، سواء من ناحية التخلف عن السداد، وربما أكثر، من حقيقة أن أقلية صغيرة من أصحاب الديون كانت على استعداد لنسف إعادة هيكلة ديون الأرجنتين. ولكن رغم أن المعركة بين بوينس آيرس ودائنيها قد تكون متصدرةً عناوين الصحف اليوم، إلا أنها ليست قصةً جديدة، إذ بدأت قبل 18 عاماً مع تحريف القانون الدولي في محكمة مدينة نيويورك، وظهور صناديق تحوط غامضة آنذاك أطلقت على نفسها اسم "الصناديق الانتهازية".

شركة واحدة على وجه الخصوص، تستحق اللوم على الوضع الحالي للأرجنتين، أو ربما انحناءة إعجاب على الابتكار الذي أتت به، بحسب الزاوية التي نتناول القضية منها. ففي عام 1977، أسس "بول سنجر" صندوق التحوط "إليوت أسوشيتس" برأسمال قدره 1.3 مليون دولار جمعه من الأهل والأصدقاء. وعلى مدار عشرين عاماً، نمت الشركة من خلال الاستثمار في مختلف أسواق الأسهم. ولكن في عام 1995، تحول "إليوت أسوشيتس" من مجرد أحد صناديق التحوط في نيويورك إلى شركة رائدة في عالم المال على المستوى الدولي، واليوم، بعد 19 عاماً، لعبت النسخة الجديدة من نفس الصندوق دوراُ حاسماً في إيصال الأرجنتين إلى التخلف عن السداد.

في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1995، اشترت "إليوت أسوشيتس" ما يقارب 28.7 مليون دولار من الديون السيادية لدولة بنما بسعر مخفض قدره 17.5 مليون دولار. كانت البنوك الحاملة لهذه السندات مجموعة تضمنت عدداً من المضاربين الثقيلين مثل بنك "سيتي"، و"كريدي سويس"، والتي بعد فقدانها الأمل بأن تسدد بنما ديونها، قررت أن تقلل خسائرها وتبيع السندات لـ "إليوت".

عندما طلبت حكومة بنما إعادة هيكلة الديون الخارجية عام 1995، وافقت الأغلبية العظمى من حاملي سنداتها، ما عدا "إليوت". ففي يوليو (تموز) عام 1996، رفعت "إليوت أسوشيتس"، ممثلاً بأحد أكبر شركات محاماة الأوراق المالية البارزة في العالم، دعوى قضائية ضد بنما في محكمة مقاطعة نيويورك، مطالباً بالسداد الكامل للمبلغ الأساسي المقدر بـ 28.7 مليون دولار، بالإضافة إلى الفوائد والرسوم. وتابعت القضية طريقها من محكمة محلية في مانهاتن إلى المحكمة العليا في ولاية نيويورك، التي وقفت مع "إليوت". وكان على حكومة بنما أن تدفع للشركة أكثر من 57 مليون دولار، إضافة إلى 14 ملايين دولار إضافية إلى الدائنين الآخرين.

لقد كانت نقطة تحوّل في تاريخ عالم المال الحديث، عندما انتقلت القضية إلى محكمة مقاطعة نيويورك، حينها خرقت "إليوت" القانون والعرف الدولي الذي كان مستخدماُ لفترة طويلة، الذي ينص أنه لا يتم رفع دعوى ضد الحكومات في محاكم عادية، اختصاصها معالجة المسائل الداخلية للدولة. علاوةً على ذلك، فإن قبول رئيس المحكمة للقضية، كان خرقاً آخر للعرف. هذه القضية هيأت الأرضية لعشرين عاماً من القضايا المشابهة، بما في ذلك قضية تخلف الأرجنتين عن السداد هذا الأسبوع.

عندما قلبت قضية "إليوت" ضد بنما المعايير الدولية في كيفية التفاوض في سداد الديون السيادية، لم يهتم الصحفيون والباحثون آنذاك بذلك، الاهتمام الوحيد كان من سوق "وول ستريت".

فبعد فوز "إليوت"، ظهرت صناديق أخرى تحاول اتباع نفس الاستراتيجية، مثل " Dart Container Corp" وEM" المحدودة"، المرتبطان بـ "كينيث دارت"، واحد من الأسماء الأكثر شهرة في عالم "الصناديق الانتهازية". كما دخلت " MNL المحدودة" اللعبة أيضاً، وهي صندوق مقره جزر كايمان، مرتبط بـ "إليوت". بالإضافة إلى " Gramercy Advisors"، وهي شركة مقرها غرينتش، كونيتيكت، ركزّت على الديون الاكوادورية والروسية.

ومع ظهور هذه الشركات، ظهر معها لقب جديد: "الصناديق الانتهازية"، قد يبدو الاسم مستحقراً لهذه الصناديق، لكنه اسم لم يتم ابتداعه من قبل الأرجنتين أو المدينين الآخرين. إنما من اخترع هذا اللقب هي الشركات الأعرق في "وول ستريت"، وقامت الصناديق الانتهازية نفسها بتبنيه. حيث اعتبرت أنها قادرة على إيجاد الربح حتى من خلال البحث في الأماكن حيث لا يوجد أمل للربح أبداً.

مع ظهور "الصناديق الانتهازية" عام 1996 مع قضية "إليوت أسوشيتس" ضد جمهورية بنما، تم فتح الباب أمام خيار قانوني جديد لإجبار الحكومات ذات السيادة على دفع كامل قيمة ديونها (بالإضافة للفائدة)، بدلاً من المبالغ المخفضة المتوصل إليها في مفاوضات التحكيم من قبل صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية الأخرى.

الاستراتيجية التي ولدت في عام 1996 هي نفسها المستخدمة اليوم، ولكن الجائزة أصبحت أكبر بكثير. حيث أن القيمة الاسمية لديون الأرجنتين المخفضة، التي اشتراها "إليوت" بعد تخلف البلاد عن السداد عام 2001، مقابل 48 مليون دولار، هي اليوم 630 مليون دولار. والصندوق يريد السداد لكامل قيمة الدين، كما فعل عام 1995 مع بنما، أي ما يصل إلى 1.5 مليار دولار، والذي قد يرتفع إلى 3 مليارات دولار بعد إضافة الفوائد والرسوم.

كان قرار عام 1996 خروجاً عن كيفية تعامل النظام المصرفي الدولي مع إعادة هيكلة ديون الدول والتي كانت معظمها من البلدان الفقيرة، في أزمات الديون السيادية في السبعينات والثمانينات. وكان صندوق النقد الدولي، ونادي باريس، والمؤسسات الدولية الأخرى ذات الصلة بالديون السيادية، قد توصلوا لتفاهم مع البنوك الدائنة في أواخر السبعينات، وأوائل الثمانينات، بأنها لا يمكن أن تتوقع عودة ديونها كاملة. في الواقع، وفي عام 1996 اعتمد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تنفيذ برنامج خاص لتخفيف عبء الديون، على أساس اعتراف المقرضين أنه على الأقل 46 من الحكومات المثقلة بالديون لن تكون قادرة على سداد ديونها. ففي قضية بنما، كما هي الحال في قضية الأرجنتين اليوم، كانت البنوك قد قبلت مسبقاً أنها سوف تتحمل خسائر كبيرة.

حينها كان لدى أصحاب الديون الأصليين، البنوك الكبرى مثل "سيتي جروب" و"كريدي سويس"، وغيرها، الموارد اللازمة لأخذ بنما إلى المحكمة في محاولة للإجبار على السداد، لكنهم لم يفعلوا، لأنه في ذلك الوقت، لم تكن تلك قواعد اللعبة. كانت البنوك تشعر براحة أكثر بأن تعتمد على وساطة صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية الأخرى. فالقانون الدولي هو قانون ضعيف، وكذلك هي "المجاملة"، الممارسة العرفية في النظام الدولي التي تفترض الاحترام المتبادل بين الحكومات ذات السيادة.

أدركت هذه البنوك القوية أهمية هذا النوع من القانون لعمل النظام بين الدول، وبالتالي، أهميته لسياسة ربحية مستدامة على المدى الطويل. كما أدركت هذه المصارف أن الديون السيادية تختلف عن ديون الشركات، أو الرهن العقاري، أو أي نوع آخر، نظراً لقدرتها على دفع اقتصاد كامل نحو الانهيار، مسببة انهيار حتى مكوناته التي لم تعاني من أية مشاكل.

عندما أجبرت " إليوت" بنما على السداد، كان يفترض أن ينشأ نقاشٌ عامٌ صاخب حول إدعاء الشركة ضد دولة ذات سيادة في محكمة محلية عادية، وعن قرار القاضي لقبول هذا الادعاء. لأنه في نهاية الأمر، ومن الناحية الفنية، فإن مال دولة ما هو مال مواطنيها، وجعل الحكومة البنمية تدفع كامل قيمة ديونها، بالإضافة إلى الفائدة (حتى مع قبول الدائنين الرئيسيين بدفع مخفض)، يعني أن يقوم المواطنون بتسليم أموالهم لصندوق تحوط بدلاً من استثماره في بناء طرقات ومدارس وبرامج رعاية الاجتماعية في بلدهم. ومن جانب آخر، يجادل أنصار هذا السداد، على افتراض حسن النية، أنه سيسفر عن تصنيفات ائتمانية أفضل لهذه الدول، وبالتالي المزيد من الاستثمار في بنما، أو الأرجنتين. ولكن، ولأن الدائنين كانوا قد وافقوا مسبقاً على قبول الخسائر، فإن هذه الحجة المشكوك بها تصبح غير ذات معنى.

استخدمت "إليوت" نفس الابتكار القانوني الذي استخدم للضغط على بنما في عام 1996 مراراً وتكراراً، وفي أغلب الأحيان، تكللت مهمتها بالنجاح. ففي عام 1998 وحده، ادعّت "إليوت" على الإكوادور وساحل العاج وبولندا والكونغو وفيتنام وبلدان أخرى للمطالبة بسداد ديون متعثرة، وجمعت مبلغ 100 مليون دولار من خلال الدعاوى القضائية الخاصة بالإكوادور وفيتنام.

علاوة على ذلك، وبسبب سابقة أصبحت بمثابة تحصيل حاصل، بل وربما ضرورةً قانونية، فقد حصلت الشركة على أمر من المحكمة يمنع الدائنين في كندا وهولندا وألمانيا ولوكسمبورغ وبلجيكا من التحصيل قبل أن تقوم "إليوت" بذلك. ففي القضية الراهنة اليوم، مكّن القاضي في محكمة مدينة نيويورك، "إليوت" من منع الأرجنتين من الدفع للدائنين الآخرين (الذين يشكلون أكثر من 90 في المئة من مجموع الدين)، بدون أن تدفع لـ "إليوت".

كان انتصار "إليوت" كبيراً عام 1996، لكن منذ ذلك الحين كان هناك قضايا هامة أخرى، بما في ذلك فوز الشركة الأخير ضد الأرجنتين. ففي عام 2012، عندما قرر القاضي "توماس غريزا" في محكمة المقاطعة الجنوبية في نيويورك، أنه عندما تدفع الأرجنتين لغالبية دائنيها سيكون عليها أن تدفع لدائنيها الرافضين للتسوية أيضاً، ورفضت المحكمة العليا في الولايات المتحدة طعن الأرجنتين، وكانت هذه القضية، خطوة هائلة أخرى نحو تمكين الشركات الخاصة لمقاضاة الحكومات ذات السيادة في محاكم عادية، بدلاً من التحكيم في المؤسسات المالية الدولية.

هذا لم يمنع أن تفشل استراتيجية "الصناديق الانتهازية" في بعض الأحيان، وأن تقف المحاكم مع الحكومات ذات السيادة، ففي عام 1996، وبعد وقت قصير من حركتها التي نجحت مع الحكومة البنمية، اشترت "إليوت" 20.7 مليون دولار من ديون بيرو بـ 11.4 مليون دولار، وكالعادة، رفعت دعوى للحصول على القيمة الكاملة للدين، بالإضافة إلى الفائدة. في البداية، فازت الشركة، بمطالبة محكمة المقاطعة الجنوبية في نيويورك، على دفع 58 مليون دولار، لكن محكمة الاستئناف الأميركية في مدينة نيويورك عكست الحكم لصالح بيرو، حيث وجد القاضي بعض المسؤولية على الدائنين، لقبولهم بديون صعبة التحصيل. المذهل أن هذه النتيجة نادرة جداً بين القضايا التي جرت من هذا النوع.

مع ذلك، قد يكون هناك أمل، ففي 31 يوليو (تموز) كان هناك خطوة أولى لعكس السابقة التاريخية التي بدأت في عام 1996، حيث أشارت الأرجنتين إلى أنها قد تأخذ صراعها مع "الصناديق الانتهازية" إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي (بدلاً من محكمة نيويورك، أو حتى المحكمة العليا في الولايات المتحدة)، معتبرة أنها الجهة المناسبة للقتال مع عدد صغير من الصناديق التي تمنعها من الدفع للغالبية العظمى من دائنيها، وبالتالي أخذ بلد كامل كرهينة بانتظار نقودها.

تنويه: نشرت هذه المقالة ضمن اتفاقية إعادة النشر باللغة العربية الموقعة بين هيكل للإعلام وواشنطن بوست لنشر مقالات من مجلة فورين بوليسي، وتمت ترجمتها في قسم التعريب والترجمة في هيكل ميديا، إن النسخ وإعادة النشر بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لمجلة فورين بوليسي – 2014.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND