آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات

معدل التضخم التراكمي في سورية منذ ما قبل الأزمة في 2010 حتى نهاية 2013 بلغ 173%



 الاقتصادي – خاص:

كتب المحلل الاقتصادي نضال طالب

في ظلّ ارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية في السوق السورية، تعتبر الظروف المعيشية التي يمرّ بها المواطن السوري الأكثر تعقيداً.

 وبالطبع الأرقام والإحصائيات تباينت كثيراً عن الحدّ اللازم للمعيشة بالنسبة للأسرة السورية قبل الأزمة، إلا أننا في سبيل تقدير هذا الحد في وقتنا الراهن وفي ظل الأزمة التي تعيشها البلاد سننطلق من آخر مسح لإنفاق الأسرة أجراه "المكتب المركزي للإحصاء" في 2009، حيث قدّر متوسط إنفاق الأسرة السورية شهرياً في حينه بحوالي 30.900 ألف ليرة.

وبحسب تقديرات مكتب الإحصاء نفسه لمعدلات التضخّم السنوية، فإنّ معدل التضخّم التراكمي في سورية منذ ما قبل الأزمة في 2010 حتى نهاية 2013 بلغ 173%.

وإذا ما عكسنا معدل التضخم على تقديرات الإنفاق في 2009، فإنّ تقدير الإنفاق الحالي للأسرة السورية المكونة من خمسة أفراد شهرياً يعادل 84.400 ألف ليرة سورية، وبالطبع هذه القيمة تعني أن الأسرة السورية التي كان وسطي إنفاقها على مكونات السلّة الاستهلاكية بحسب الأرقام الحكومية قبل الأزمة 30.900 ألف ليرة سورية، أصبحت حالياً تحتاج إلى 84.400 ألف ليرة سورية شهرياً لتنفقها على كامل مكونات السّلّة، وهي تعكس الحاجة الفعلية للأسرة السورية شهرياً.

 مكونات السّلّة الاستهلاكية هي مجموعة من الحاجات المعيشية الضرورية من سلع وخدمات، تختلف أوزان هذه الحاجات بحسب مستوى تأثيرها، وباختلاف ظروف وعادات كلّ مجتمع مصنفة دولياً ضمن 13 مكون أهمها: "المواد الغذائية والمشروبات، السكن والوقود والإضاءة، الملابس والأحذية، الصحة، الاتصالات، النقل، التعليم، التبغ، سلع وخدمات أخرى".

وبعيداً عما ذكرناه سابقاً حول التقديرات المبنية على إحصاءات رسمية لننطلق من دستور الجمهورية العربية السورية، إذ تضمنت المادة رقم 40 منه، "لكلّ عامل أجر عادل حسب نوعية العمل ومردوده، على ألا يقل عن الحد الأدنى للأجور الذي يضمن متطلبات الحياة المعيشية وتغيُرها".

إن تحقيق متطلبات الحياة المعيشية يستوجب تغطية مكونات السلّة الاستهلاكية والتي تتوزع بحسب التصنيف العالمي كالتالي:

المكون الأول الأغذية و المشروبات:

وفق التصنيف العالمي للحاجات الغذائية والسعرات الحرارية اللازمة لحياة الفرد يومياً والتي تعتمد على عدّة عوامل منها السنّ وحجم الجسم والطول والجنس ونمط الحياة والحالة الصحية ككلّ، والمقدرة وسطياً بـحوالي (2400) حريرة يومياً فإننا سندرس حاجات الإنسان الغذائية يومياً كما يلي:

جدول

إذاً نحتاج مبلغ 289 ليرة سورية يومياً لكي نحقق تغذية سليمة للفرد وفقاً للتصنيف العالمي، وتكون الحاجة شهرياً للفرد الواحد 8.670 ليرة سورية، والأسرة المكونة من خمسة أشخاص تحتاج إلى  43.350 ليرة سورية شهرياً، وإذا ما أضفنا قيمة مشروبات 2.200 ليرة سورية ثمن كيلو شاي، وكيلو من البن تصبح قيمة الإنفاق شهرياً على الأغذية والمشروبات اللازمة لأسرة مكونة من خمسة أشخاص هي 45.550 ليرة سورية.   

المكون الثاني السكن:

المكون الثاني في سلة الاستهلاك هو مكون مركب من السكن أو الإيجار، ويقدر وسطي الإيجار لشقة مفروشة مؤلفة من غرفتين وصالون في مناطق السكن العشوائي بحوالي 25 ألف ليرة سورية، وفي حال تملك المنزل وعدم دفع إيجار، فإن ذلك لا يعني عدم ترتب إنفاق، وإنما هناك قيمة عقار مجمدة و تستحق فائدة على رأس المال.

المكون الثالث النقل والمواصلات:

ارتفعت أجور النقل الجماعي بالمتوسط من 10 ليرات سورية لخط السير الواحد في 2010، إلى 25 ليرة سورية حالياً، أي بنسبة 150% ، وإذا ما افترضنا أن أسرة مكونة من خمسة أشخاص يتحرك يومياً ثلاثة منهم فقط للعمل والدراسة وبتكلفة مواصلات 50 ليرة سورية يومياً للفرد، تكون تكاليف النقل شهرياً لكامل الأسرة حوالي 4.500 ليرة سورية، وحديثنا هو عن وسائل النقل الجماعي، ولم نتطرق لحاجات استخدام سيارات الأجرة الخاصة.

المكون الرابع الصحة:

 تنفق العائلات السورية سنوياً نحو 70 مليار ليرة سورية على الرعاية الصحية من دخلها الخاص، إضافة إلى ما تنفقه الحكومة من موازناتها السنوية والبالغ حوالي 63 مليار ليرة سورية، وذلك وفقاً لدراسة الإنفاق الأسري التي أنجزت في 2010 بالتعاون بين "وزارة الصحة" و"جامعة دمشق" و"الاتحاد الأوربي"، وبالتالي يكون متوسط إنفاق الفرد سنوياً على الرعاية الصحية من دخله الخاص حوالي 3.043 ليرة سورية، ويساوي شهرياً 254 ليرة سورية، وبالطبع بحسب بيانات 2010 أي قبل تأثر قطاع الرعاية الصحية بالتضخّم أيضاً، يكون إنفاق الأسرة المكونة من خمسة أشخاص شهرياً بشكل تقديري حوالي 1000 ليرة سورية.

المكون الخامس التعليم:

 وفق إحصائيات مؤكدة، فإن تجهيز أسرة لديها ثلاثة طلاب في المراحل المدرسية المختلفة يحتاج إلى 15 ألف ليرة سورية بالحدّ الأدنى، وبالتالي فإنّ توزيعه على الأشهر يبلغ 1.250 ليرة سورية.

 وحديثنا هو عن التعليم ما قبل الجامعي ولم نتطرق لاحتساب تكلفة التعليم الجامعي، إذ تُشكل تكلفة شراء الكتب والمحاضرات جزءاً من تكاليفها فقط، وتقدر بالحد الوسطي لطالب جامعي لديه 12 مقرر بحوالي 12 ألف ليرة سورية خلال السنة مع تكلفة القرطاسية، لتصل تكلفة طالب التعليم العالي الواحد في الأسرة إلى 1000 ليرة سورية شهرياً بالحد الأدنى، لأغراض الدراسة فقط، بينما ارتفعت رسوم التسجيل السنوية أيضاً بنسبة 100% من 700 ليرة سورية في كلية الآداب مثلاً إلى 1400 ليرة سورية، أما طلاب التعليم المفتوح فبلغت نسبة الارتفاع 66% عن الرسوم السابقة.

المكون السادس الملبس:

من الملاحظ جلياً في أسواق الملابس ارتفاع فاحش في الأسعار لارتباطها بالقطاع الإنتاجي الوطني المتعثر نتيجة الأزمة من جهة، ولعلاقتها بسعر القطع الأجنبي اللازم لاستيراد الملابس ومستلزماتها من جهة أخرى.

وإذا ما افترضنا أن الفرد بحاجة لكسوة صيفية وأخرى شتوية وعلى مدار ثلاثة أعوام، وليس لعام واحد نتيجة الوضع الحالي، نجد بأن إنفاق الفرد على كلا الكسوتين لثلاث سنوات بالمتوسط 6.000 ليرة سورية أي 2.000 ليرة سنوياً، و حوالي 200 ليرة سورية شهرياً، ويكون إنفاق الأسرة شهرياً حوالي ألف ليرة سورية.

المكون السابع الكهرباء والماء والخدمات الأخرى:

تمّ رفع أسعار الكهرباء والماء رسمياً مؤخراً، الأمر الذي سينعكس أيضاً على النفقات، ونفترض في هذا الإطار تقديرياً إنفاق الأسرة شهرياً حوالي 1500 ليرة سورية.

وبالنتيجة وبالاكتفاء بالمكونات الأساسية المذكورة آنفاً استناداً إلى التصنيف العالمي، نجد بأن الحد الأدنى اللازم لمعيشة الأسرة السورية المكونة من خمسة أفراد هو كما يلي:

 جدول 2

الفجوة بين الحدّ الأدنى للأجور المعمول به في سورية البالغ 13.675 ألف ليرة سورية، و بين الحدّ الأدنى اللازم للمعيشة 80.000 ألف ليرة سورية، كما ورد آنفاً هي 66.325 ألف ليرة سورية، وهذه الفجوة لم تتطرق لأمور كثيرة منها تكاليف الدراسة الجامعية والإنفاق على التبغ، والإنفاق الطارئ على شراء أثاث أو إصلاح تجهيزات أو طلاء منزل، وتم الاكتفاء بشرائح إنفاق متدنية على الماء والكهرباء والملبس وغيره.

ووفق التعريف الدولي والمتبنى حكومياً في دراسة الفقر الرسمية في 2009، تعتبر الأسرة فقيرة، إذا ما كان دخلها أقل من الحد الذي يستطيع أن يؤمن لها الغذاء الضروري، مع مجموعة خدمات رئيسية محددة هي "المسكن- الملبس-التعليم- الصحة –المواصلات".

وإذا ما اعتبرنا أن متوسط الأجور في سورية هو حوالي 25 ألف ليرة سورية، نكون أمام نسبة كبيرة من السوريين تقع تحت خط الفقر.

إذاً المطلوب من الحكومة الحالية هو العمل على تقليص هذه الفجوة الفاصلة بين الحدّ الأدنى للرواتب والحدّ الأدنى اللازم للمعيشة، ويمكن أن يكون ذلك بطريقتين يتم العمل بهما على التوازي وفق برنامج زمني يمكن أن يمتد لعدة سنوات، فمن جهة يجري العمل على رفع القدرة الشرائية للعملة المحلية وتخفيض معدلات التضخم إلى ما كانت عليه قبل الأزمة لتتقلص الفجوة التي ذكرناها إلى ما يعادل تقريباً 30 ألف ليرة سورية، ومن جهة أخرى يجب رفع الحدّ الأدنى للرواتب إلى ما يقارب الفجوة الجديدة بعد خفض معدلات التضخم.

 كما يجب أن تكون عملية رفع الرواتب حقيقية وليست وهمية ويمكن أن تتحقق من خلال تأمين موارد إضافية للخزينة العامة للدولة تُمول زيادة الرواتب، عن طريق تحصيل موارد الفساد التي تصل حسب أرقام ما قبل الأزمة إلى 12% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، وكذلك عن طريق زيادة معدلات النمو الاقتصادي من خلال زيـادة إنتاجية القطاعات الاقتصادية التي هي وحدها القادرة على تحقيق استقرار معيشي ومالي.

وبذلك يكون المأمول تحقيق هدفين أساسيين، الأول نقدي يستوجب إتباع سياسة نقدية رشيدة وقادرة على خفض معدلات التضخم، والثاني مكافحة الفساد وتحريك عجلة الإنتاج برفع إنتاجية قطاعات الصناعة والزراعة وغيرها.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND