تعليم وشباب

آخر مقالات تعليم وشباب



أليشا بي.كيو ويتميار – فورين بوليسي:

لقد كافأت الحياة في ألمانيا الشرقية الشيوعية مخالفي القانون بعدة طرق؛ في حين أن المواطنين الملتزمين بالقانون عانوا من ندرة تلك المكافآت، إذ أن إخوانهم المنتهكين للقانون قد حصدوا مكافآتهم من السوق السوداء. لكن بوجود الجواسيس في كل مكان، حتى الانخراط في الحركة الاقتصادية السرية كان يتطلب الالتفاف والخداع، وحتى عيش حياة مزدوجة.

لكن تبيّن أن هذ الوضع المثير للجدل ربما ترك أثراً دائماً: فحسب دراسة حديثة نشرتها مراكز جامعتي "دوك" و"ميونخ"، مارس الأشخاص الذين تعود أصولهم إلى ألمانيا الشرقية الغش أكثر بمرتين من أولئك القادمين من ألمانيا الغربية في لعبة بسيطة على مبلغ صغير من المال. وعلاوةً على ذلك، تبيّن في الدراسة أنه كلما طالت المدة التي عاش خلالها المشاركون في ظل الشيوعية، كان احتمال ممارستهم الغش أكبر.

وطلب القائمون على البحث من عيّنة عشوائية من أكثر من 250 ألمانياً من المناطق المحيطة بالعاصمة برلين تحديد أصول عائلاتهم (ألمانيا الشرقية أو الغربية)، ثم طلبوا منهم أن يدخلوا في لعبة تمكنّهم من الفوز بحوالي 6 يورو. وكانت قواعد اللعبة بسيطة: وهي رمي حجر نرد أربعين مرة. وقبل كل رمية، عليك أن تختار وجه الحجر العلوي أو السفلي، ثم بعد الرمي كتابة عدد النقاط الموجودة على الجانب الذي اخترته مسبقاً قبل إلقاء حجر النرد. وفي نهاية اللعبة، يقوم المشاركون بتسليم أرقامهم المسجلة، ويجري اختيار أحد الرميات عشوائياً ويحصل اللاعب على يورو واحد لكل نقطة من تلك الرمية. وكلما زاد عدد النقاط، حققت الرمية أموالاً أكثر.

لكن ما المميز في اللعبة؟ لم يُطلب من المشاركين إخبار الباحثين ماذا اختاروا، الجانب العلوي أو السفلي، من حجر النرد قبل الرمي. أي أنهم فقط يعرفون ماذا اختاروا، ويمكن لهم أن يخالفوا شروط اللعبة "يغيروا اختيارهم" بعد رمي الحجر دون أن يعرف أحد.

وإذا افترضنا عدم وجود أي غش، توقّع الباحثون الحصول على نموذج تكون فيه الرميات ذات النقاط المنخفضة (أي 1، أو 2، أو 3) والرميات ذات النقاط المرتفعة (أي 4، أو 5، أو 6) موزعة توزيعاً متساوياً تقريباً. لكنهم لم يحصلوا على النتيجة التي توقعوها.

إذ أن المشاركين باللعبة قد كذبوا بدلاً من اتباع قانون اللعبة. وقام متوسط الألمان الغربيين بتسليم الأوراق التي سجلت عليها الأرقام المرتفعة بمعدل 55 بالمئة من رمياتهم. في حين أن الألمان الشرقيين مارسوا الغش أكثر منهم، إذ أنهم كتبوا أرقاماً مرتفعة بمعدل 60 بالمئة من رمياتهم. كما ظهر جانب أكثر وضوحاً لدى النظر في متغير آخر: فالأشخاص الذي قضوا عشرين سنة أو أكثر في ظل الشيوعية كان احتمال قولهم بأنهم اختاروا الجانب ذا النقاط الأعلى من حجر النرد بمعدل 65 بالمئة؛ في حين أن الألمان الغربيين من الفئة العمرية ذاتها والذين قضوا أقل من عشر سنوات في ظل الشيوعية كان الاحتمال بالنسبة لهم بمعدل 28 بالمئة فقط.

وتضاف ورقة البحث، التي تطرح فكرة أن العيش في ظل الشيوعية ربما جعل الناس أكثر استعداداً للخداع بهدف الربح، إلى مجموعة البحث المتنامية التي تحقق في الآثار النفسية الناجمة عن العيش خلف الستار الحديدي.

كما أشارت تقارير أخرى إلى أن الألمان الشرقيين أقل ثقة بالآخرين، وأقل ميلاً للاعتقاد بأن الأشخاص الآخرين هم أشخاص عادلون.

وأشار لارس هورنوف، وهو أحد القائمين على الدراسة (والذي شاءت المصادفة أن يكون أصله من عائلة ألمانية شرقية)، فيشير إلى أن البحث لا يخوض بمسائل معقدة مثل: جوانب الحياة الدقيقة لما قبل 1989 التي ربما ساهمت بالانحطاط الأخلاقي، أو فيما إذا كان الألمان الشرقيون يتصرفون بصدق أكبر مع الأشخاص الذي تربطهم معهم علاقات فعلية، خلافاً لباحثين لا يعرفونهم.

إن هذا البحث وباختصار، لا يقدم مزاعم واضحة حول النزعات الأخلاقية لشريحة واسعة من الناس. لكن مع ذلك، فكّر مرتين، إذا ما طلبت منك مجموعة غرباء في أحد حانات مدينة درسدن أن تلعب الورق معهم.

تنويه: نشرت هذه المقالة ضمن اتفاقية إعادة النشر باللغة العربية الموقعة بين هيكل للإعلام وواشنطن بوست لنشر مقالات من مجلة فورين بوليسي، وتمت ترجمتها في قسم التعريب والترجمة في هيكل ميديا، إن النسخ وإعادة النشر بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لمجلة فورين بوليسي – 2014.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND