إعلام

آخر مقالات إعلام

تلحوق: أتمنى لو أستطيع تسويق أعمال الشباب الإبداعية



الاقتصادي – خاص:

نجحت سورية في تطبيق القوانين والتّعريب والإمارات على الطريق

أتمنى تأمين التّمويل لدعم الإبداع الثقافي عند الشباب العرب 

حوار: محمد بسيكي 

سفيرة اللغة العربيّة، و صاحبة مقولة: "مين قال إنه إذا حكينا بالعربي منبطل كول".

الشاعرة سوزان تلحوق، المُدافعة عن اللغة الأم والتراث العربيّ، والرافض الأكبر أن تحتل الثقافات الغربيّة عقل شباب الوطن العربي.

سعياً منها لتحقيق هذه الغاية، أسست تلحوق جمعية "فعل أمر" التّي تؤكّد أنّ اللغة ليست مسألة "موضة" أو "كول" بل هي أعمق وأكبر، كونها الطريق الوحيد لكسب احترام الآخر وتقديره.

أكاديمياً، حازت سوزان على ماجستير في الفيزياء من "الجامعة اللبنانيّة"، ثمّ عملت في مجال الإعلام والعلاقات العامة، وتشغل حالياً منصب مدير العلاقات العامة لشمال الشرق الأوسط في شركة "JWT" العالمية، إضافة إلى عملها في جمعية "فعل أمر"، كما كان للأمومة في حياة تلحوق نصيب.

وكان لـ"الاقتصادي الإمارات" لقاء مع سوزان تلحوق، استحضرت خلاله دوافع تأسيس جمعيتها وأهدافها، بالإضافة إلى مشاريعها المستقبليّة.

إلى الحوار:

من ماجستير في الفيزياء إلى مؤلفات في الشعر، العمل في التواصل والعلاقات العامة، واهتمام خاص بالحفاظ على اللغة العربيّة، عرفينا أكثر بسوزان تلحوق؟

اليوم أستطيع أن أقول أنّني أم بالدرجة الأولى، فكلّ ما تفضّلت به صحيح، وهو جزء مُتراكم من شخصيتي أو ما أصبحت عليه اليوم، لكن بعد اختبار الأمومة، يُمكنني أن أقول أنّني إذا استطعت أن أحمل جزءاً صغيراً جداً من محبة الأمومة إلى الحياة العمليّة والاجتماعيّة والصداقات سيكون أهم إنجاز.

عندما أصدرت ديواني الثاني بعنوان "لستُ امرأة واحدة"، كنتُ فعلاً أعنيها، ولكن بمعناها الذي يشمُل معظم النساء العاملات والمناضلات والطموحات كلّ في مجالها وحيث هي، لأنّ اقتصار دورنا على ناحية واحدة يعني إلى حدٍّ ما فشلنا، ففي حين يتطلّب العمل امرأة طموحة ثاقبة الفكر، فالحياة مع الشريك والعائلة تتطلّب امرأة مُحبّة ومتفهمة، في الحقيقة ما هو مشترك بين التّي درست الفيزياء وكتبت الشعر وصولاً إلى تأسيس جمعية "فعل أمر"، وإطلاق حملة الحفاظ على اللغة العربيّة، هو الباحثة العطِشى داخلي التّي لا ترتوي ولا تكتفي، فتبدأ من حيث انتهت في البحث من دون حصر إطار البحث في اختصاص معين أو هواية محددة أو عمل، كلّ ذلك هو ما يُشكّل تفاصيل الإنسانة التّي أصبحتُ عليها الآن، وهي في تحوّل مستمر.

تُعاني اللغة العربيّة من "عقدة الأجنبيّ" على حدّ وصفك في إحدى محاضراتك، كيف نشأت هذه العقدة برأيك، وما أسبابها؟

هذا سؤالٌ يحتاج إلى كتاب بعنوان "كيف بدأت عقدة الأجنبيّ"، ولكن باختصار يُمكنني القول إنّ نشوء عقدة لدى مجتمعٍ أو حضارة بأكملها أمرٌ يحتاج إلى مئات أو عشرات السنين وإلى خطةٍ مُمنهجة، تسّلب شعباً أو حضارة بأكملها كلّ أشكال الثقة بنفسها والإيمان بمقدراتها.

وهذا ما حصل معنا، فعلى مرّ السنين استطاع الآخر من خلال ما قدّمه من أدبٍ وفنون وإعلام وإنتاج علميّ وتكنولوجيّ وطبيّ وغيره أن يُقنعنا أنّنا لسنا قادرين ولسنا منتجين، وبالتّالي لا نستطيع إلاّ أن نكون مقلّدين، فأصبح "هو" المستشار في كافة حملاتنا السياسيّة والاجتماعيّة وحتى الإنسانيّة، والمدير في شركاتنا والأستاذ في جامعاتنا، والمدرّب لإعلاميينا وصحافيينا… وأصبحنا نشعر أنّنا لا نستطيع التطوّر من دونه، وبالتّالي فهم لغته وثقافته هو الحلّ الوحيد والأساسي لكي نتطوّر، حتّى حكوماتنا جعلتهم مستشارين، ومطاراتنا عاملتهم كمواطنين درجة أولى، ونحن بدأنا ننظر إليهم بعين "الحسد"، وأصبح هدفنا أن نصبح "هم" أو "مُثلهم"، إنّها عقدتنا منذ فقدنا الثقة بأنفسنا، وخنّا أرضنا وتحالفنا مع ثقافات العالم ضد ثقافاتنا، واعتقدنا أنّ اختلافنا لا يحلّ إلا بإلغاء واحد منا… فبدأنا نُحارَب لقضية غير قضيتنا بلّ قضية تهيّأت لنا وابتعدنا عن ما يجمعنا ويغنينا ويعود بنا إلى تصدير الفكر والثقافة إلى العالم.

كما هو معروف لا تحتلّ اللغة العربيّة مكاناً متقدّماً عالمياً كلغةِ "أبحاث عليمة" ولغة "بزنس"، كيف يُمكن للمتحدثين باللغة العربيّة بالحفاظ عليها حين تكون غائبة في معظم الأماكن التّي يعملون أو يدرسون بها؟

إذا كانت حاضرة في قلوبهم وعقولهم يُمكنهم أن يحملوها إلى كلّ مكان، المسألة ليست بألاّ نتحدث لغة أخرى ونستعملها للأبحاث العلميّة وغيره، إنّما المسألة هي حين نجتمع مع بعضنا ولا نتحدث العربيّة، وحين نجد فرصة للتحدّث بها ومشاركة غناها ولا نستغلها.

كلّ لغات العالم تواجه التّحدّيات ولكن كلّ الشعوب والدول نهضت وبادرت لحماية لغتها ورفضت الاستهلاك غير المشروط، المسألة في ألا نُعامل على أنّنا ممن لا يستعملون لغتهم، فلو أردنا لاستطعنا أن نحضرها إلى كلّ مكان إذا حملناها بفخر وثقة، بدلاً من التّنازل عنها عند أول فرصة.

والأمثلة على ذلك كثيرة، وأولها أنّ كلّ المتحدثين العرب في المؤتمرات الدوليّة يتحدثون معظم الأحيان بلغة غير عربيّة، ظنّاً منهم أنّها أسهل للتّواصل والتّعبير والفهم، وهذا ما لا يفعله أيّ متحدثٍ يفتخر بأصله وبلغته وبثقافته.

حديثك في مؤتمر تيديكس، "مين قال إذا حكينا عربي منبطل كوول" هو أول حديث باللغة العربيّة، يُضاف على الموقع الرسمي للمؤتمر، ماذا يعني هذا لك؟

يعني أنّه حين تتحدّثين بلغتك من قلبك وبصدقٍ وبإبداع تصل رسالتك إلى العالم، لقد تفاعل الكثيرون مع هذا الخطاب، لأنّه يتحدّث عن أبسط الأمور التّي قد نخسرها إذا خسرنا لغتنا، الآخر يريد منا شيئاً جديداً لكي يتعلّم، ولن ينظر إلينا باحترام وإعجاب طالما نحن لا نعطيه وإنّما نتقن تقليده.

حدثينا عن جمعية "فعل أمر" وما الذي دفعك إلى تأسيسها؟

هناك الكثير من الأسباب التّي دفعتني لتأسيس "فعل أمر"، فبعد "حرب تموز" وبسبب عملي في المجتمع المدنيّ، لاحظتُ فجأة أنّ لا أحد يتحدّث العربيّة لا في القهوة ولا في الاجتماعات ولا في الجامعات، وبالحقيقة كانت هذه الملاحظة بمثابة صدمة، ولكن أردت أن أنتظر بعض الوقت لأرى أنّ هذه ليست مجرّد ملاحظة أو فترة عابرة فرضها وجود الكثير من الجمعيات الأجنبيّة بعد "حرب تموز".

وهكذا كان، وأكثر من ذلك هو أنّني فجأةً اكتشفت أنّ الظاهرة مُتفشيّة عندي أيضاً، وعندما بدأت أعيّها لاحظتُ مدى عمقها، فسهولة التّواصل بلغة أجنبيّة واستهلاك كلّ ما هو أجنبيّ من أفلامٍ وغيره، يوصلنا إلى مرحلةٍ حتّى ولو لم تكن مقصودة، بعيدة كلّ البعد عن لغتنا، فهي غير منتجة حالياً "وما بتطعمي خبز" فنهملها حتى لو لم نرد ذلك.

فالحروب تُحيط بنا من كلّ حدبٍ وصوب، وأولوياتنا هي إما بالسفر إلى الخارج أو انتظار ما يردنا من تكنولوجيا جديدة، والأقسى من ذلك كله، هو أن تحاول العودة إلى جذورك، فترى أنّك وحيداً تسبحُ ضد تيارٍ جارفٍ قويّ يُهيّمن على الفكر والثقافة وحتى العاطفة.

لذا فتأسيس جمعية للدفاع عن لغتنا الأم بحدّ ذاته دليلٌ بأنّنا وصلنا إلى مرحلةٍ متأخرة فكريّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً وعلميّاً، على أمل أن نعيّها ونبدأ بالتغيير.

ما هي أبرز الإنجازات التّي حققتها جمعية "فعل أمر" حتى الآن؟

أهم إنجاز حققته "فعل أمر"، أنّها حصلت على انتباه الشباب فأعجبوا بها وقبلوا أن تقترن صورتهم بقضيتها، لأنّها تتحدّث لغتهم وتُحاكي يومياتهم وتفاصيلهم وتواكب طموحاتهم وتدعم إبداعاتهم، لقد استطاعت "فعل أمر" من خلال أسلوبها الإبداعيّ، في الإضاءة على مسألةٍ مهمة وعميقة ومرتبطة بوجودنا كاللغة، أن تنقلها بطريقةٍ سهلة مُبتكرة من دون تكلّف ونظريات، بل فتحت نقاشاً بناءً استمعتُ من خلاله إلى ما يحتاجه الشباب وإلى معاناتهم، لتكتشف لاحقاً أن مصير المبادرات الإبداعيّة في اللغة العربيّة محدود ويتيم وغير مرغوب به، ولكنّها حاورت وتحدّت، فكان أن أصبح الشباب المُلهمين الأساسيين لأيّ فكرة أو مشروع.

ومن هنا كان احتضانهم لها وللغتهم واقتناعهم من تلقاء أنفسهم، أنّ اللغة ليست مسألة "موضة" أو "كول" بل هي أعمق وأكبر، والأهم إنّها احترامنا لأنفسنا والطريق الوحيد لكسب احترام الآخر وتقديره.

ما مدى رضاك عن القوانين التّي تسنّها الدول التّي تتكلم العربيّة للحفاظ على الإرث العربيّ، وهل بذهنك تجربة ناجحة لدولة ما؟

القوانين مهمة وأساسيّة، ولكن الأهم يبقى في تطبيقها وفي كيفية تفعيلها لقبول الآخر بها بدلاً من الهرب منها، لذلك فالقوانين مُمكن أن تكون السبب في ابتعاد الشباب عن لغته أو الدافع إلى اقترابهم.

لقد نجحت سورية في تطبيق القوانين والتّعريب، والآن هناك محاولات حثيثة من قبل الكثير من الدول مثل الإمارات العربيّة المتحدّة، ولكن يبقى الأهم هو انخراط الشباب واقتناعهم وتبنيّهم لذلك، وإلاّ يبقى كلّ شيء حبراً على ورق.

في دولٍ عربيّة كسورية ومصر، هناك مجمّعات لحماية وتمتين اللغة العربيّة، هل تفكرون بالتّواصل معهم لخلق بوادر تعاون مشترك عن طريق جمعية "فعل أمر"، وما رأيكم بهذه المجمّعات ودورها؟

هذه المجامع لديها دورٌ أساسيّ وجوهريّ في تطوير اللغة العربيّة والحفاظ على بقائها، ولكن طريقتنا ودورنا يختلفان، لذلك نحن نعتبر أنفسنا مكملين لدور المجامع والمدارس، وكلّ من يعمل في هذا الاتجاه إنّما بأسلوبٍ آخر.

نحنُ نركز على الإبداع، لأنّه وبرأينا هو الطريق الأقصر لإعادة إحياء اللغة، وهم يركزون على اللغة كقواعد ومصطلحات، ومأخذنا في ذلك أنّه لا يوجد إطار لتسويق المصطلحات أو مساحة للتّواصل مع الجيل الجديد، وهذا يبعد اللغة عن متحدثيها باعتبار أنّها صعبة المنال.

نحن دائماً على استعداد للتعّاون كلّ من موقعه، ومن منطلق خبرته وما يجيد فعله لنكمل بعضنا طالما الهدف هو الحفاظ على لغتنا، ولكن لا بدّ أن نشير هنا إلى أنّ اللغة تتطلّب المرونة والليونة في التّعاطي معها، لأنّنا في عصرٍ يفرض علينا قوانينه وشروطه، فإما أن نتماشى مع التطوّر ولكن بذكاء، وإما أن نتمسك بالقشور ونترك الجوهر فنخسر كلّ شيء.

لو كان باستطاعتك تحقيق فكرةٍ واحدة حالاً لحثّ الجيل الجديد على استعمال اللغة العربيّة، فما هي؟

تأمين التّمويل لدعم الإبداع الثقافيّ عند الشباب من أفلامٍ إلى مسرحٍ إلى شعرٍ إلى موسيقى، والأهم تسويق إبداعاتهم من خلال استحداث مناسبات لعرضها، مثل تنظيم مهرجان للغة العربيّة هدفه الأهم تسويق هذا الإنتاج ومشاركته مع العالم، فكلّ ما وصلنا وغزا عقولنا أتانا من خلال الفنون، إلى درجةٍ أنّنا نسينا أنّنا مبدعون، لو نستطيع تسويق أعمال شبابنا الإبداعيّة لتشجيعهم على الإبداع بلغتنا، نكون قد بدأنا على الطريق الصحيح.

من هو الشخص الذي تعتبرينه قدوة لك، وكان له الأثر الأكبر في حياتك؟

والدي الذي رحل منذ عشرة أعوام، هو من أعطاني كلّ ما احتاجه من الثقة والأمان لأبادر وأتطوّر، فكان سنداً لي بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى. لطالما أعجبت بانفتاحه رغم البيئة التّي نشأ فيها، فبفضله لم أفكر يوماً أن المرأة مسلوبة الحقوق، وأنّ القوانين لا تنصفها، فمن خلال معاملته لي ولأختي ولأمي ظننت أنّ هذا الطبيعي "والعادي"، فمع كلّ شخصيته القويّة كان رقيقاً معنا وداعماً لطموحاتنا وصديقاً لحفظ أسرارنا في كافة مراحل حياتنا، كان وسيبقى بالنسبة لي قدوة في الانفتاح والثقافة، والأهم المرجع والمنيع الذي نهلت منه ثقافتي العربيّة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND