تجارة واستثمار

آخر مقالات تجارة واستثمار



طلال ملك
طلال ملك
رائد أعمال ومستشار في مجالات الحوكمة، والذكاء والتأثير الاست..

كتب طلال ملك، المستشار الدولي في الحوكمة والاستراتيجية والسمعة، والشريك في شركة بيل بوتينجر المتخصصة في العلاقات العامة والاستراتيجيات الدولية في الشرق الأوسط:

بحجمه الضخم، أصبح مطار العاصمة بكين الدولي واحداً من أكثر المطارات ازدحاماً في العالم، إذ بلغ عدد المسافرين الذين مروا عبره في العام 2013 أكثر من 83 مليون مسافر، لكن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا المطار الصناديق الصغيرة التي توضع عند أكشاك الهجرة لرصد مدى ارتياح المسافرين تجاه الخدمات فيه. فبعد انتهاء موظف الهجرة من إجراءات تأشيرة الدخول للزائر الأجنبي، يبدأ الصندوق بالوميض ليطلب من المسافر تقييم مستوى الخدمة التي يتلقاها استناداً إلى مقياس من خمس درجات، بدءاً من "ممتازة للغاية" حتى "سيئة للغاية" باللغة الإنجليزية، مرفق بوجوه مبتسمة حتى مقطبة الجبين.

يقول عالم الإقتصاد ستيفن ليفيت والمشارك في تأليف كتاب "فريكونومكس"، إن معرفة أراء الناس وتحفيزهم هو أحد أهم الطرائق الفعالة لحصد مزيد من النجاح، وأظن أن الجمهورية الشعبية تأتي في مقدمة الدول التي تستخدم مثل تلك الصناديق في مطاراتها لمعرفة رأي الناس، وهو ما قد يجده الكثيرون شيئاً مفاجئاً. والحقيقة أن هذا التواصل التقني مثال ساطع عن التغيير الذي يشهده العالم من تحول لمركز الجذب الإقتصادي باتجاه الشرق، في عصر يمكن نعته بـ"عصر التقارب".

يعقد المنتدى الاقتصادي العالمي اجتماعه السنوي في دافوس، سويسرا، منذ العام 1971، وبدأ في العام 2007، عقد منتدى دافوس الصيفي في الصين، واستضافة "الاجتماع السنوي للأبطال الجدد" في شمال مدينة تيانجين كل عام. ويعد صيف دافوس تجمعاً عالمياً للمهتمين بالعلوم والتقنية والابتكار، وشارك في العاشر من سبتمبر هذا العام، 1900 شخص ينتمون لأكثر من 90 دولة في فعاليات المؤتمر الذي استمر يومان تحت شعار "توليد القيمة من خلال الابتكار". وافتتح لي كه تشيانغ، رئيس وزراء جمهورية الصين الشعبية المنتدى بكلمة ركز فيها على الابتكار وأكد أيضاً التزامه بتعزيز الانفتاح أمام الاستثمار الأجنبي.

ومن أبرز ما جاء في كلمته: "إننا نعيش اليوم في عصر يحدده تعميق العولمة الاقتصادية، فالدول آخذة في الاعتماد المتزايد على بعضها البعض حيث تجمعها المصالح والمصير المشترك". وأضاف: "العالم يحتاج إلى الصين، والصين أيضاً تحتاج إلى العالم".

وليس أدل على حقيقة تلك الحاجة المتبادلة من طرح الأسهم الأخير للاكتتاب العام لإحدى الشركات ذات الاسم العربي الفريد لكنه من أصل أبعد شرقاً. ففي مثال عن التقارب التقني سجل أكبر طرح عام للاكتتاب في التاريخ يوم 19 سبتمبر، وذلك للموقع الصيني المتخصص في تسهيل التجارة الإلكترونية علي بابا دوت كوم، وهو يسيطر على 80٪ من التجارة الإلكترونية في الصين، والمدرج في بورصة نيويورك. وبحلول نهاية التداول يوم الجمعة، وصلت قيمة الموقع إلى 231 مليار دولار أميركي، أي ما يتجاوز قيمة فيسبوك أو مجموع قيمتي أمازون وإبيي. وأصبح جاك ما، الرئيس التنفيذي للشركة، اليوم الرجل الأغنى في الصين، بعد أن أسس علي بابا دوت كوم من شقته بغرفة نوم واحدة في هانغتشو، وبعد ثلاثة أعوام منحه المنتدى الاقتصادي العالمي لقب "القائد العالمي الشاب".

وبسبب أهمية التقارب الاستراتيجي الوثيق مع منطقة الشرق الأوسط لم تتجاهل جمهورية الصين الشعبية الدبلوماسية الثقافية خلال أعمال منتدى دافوس الصيفي، خاصة أن شركات عربية كأرامكو السعودية وسابك أوفدت كبار مسؤوليها إلى المنتدى، وهو ما يظهر حماس الصين لتعزيز التقارب الثقافي، ففي خارج المدخل المؤدي إلى القاعة الرئيسة في مركز تيانجين ميجيانغ للمؤتمرات، حيث تنعقد القمة، خصصت جمهورية الصين الشعبية والمنتدى الاقتصادي العالمي مصليات للمسلمين يحدد فيها اتجاه القبلة. ونظم في صالة المغادرة من مطار العاصمة بكين الدولي معرض رسمي للصور الفوتوغرافية حمل عنوان "العربية بعيون صينية"، لعرض صور من العالم العربي بعدسات المصورين الصينيين. ويعد هذا الوعي الثقافي ركيزة أساسية لها الأهمية ذاتها للركائز الأخرى لـ"عصر التقارب"، المتمثلة بالحاجة إلى حوار صريح وبناء. فالاتصالات تبقى جوهر كل ما تفعله، سواء أجريتها بإشارات الدخان أو برقاقات السيليكون.

يعد إحياء طريق الحرير الجديد الذي تعبر عليه رؤوس الأموال والأفكار، جزء لا يتجزأ من "عصر التقارب"، حيث يرتفع سريعاً معدل نقل رأس المال عبر الحدود، سواء كان مالي أو بشري أو ثقافي أو فكري، فتدفقات التجارة بين الصين والشرق الأوسط ستنمو لتصل إلى 500 مليار دولار بحلول العام 2020، وفقاً لتقارير شركة ماكينزي آند كومباني. وتقول "وحدة الاستخبارات الاقتصادية" أن الصين ستصبح الشريك الاقتصادي الأهم لدول مجلس التعاون الخليجي بحلول ذلك الوقت، ويأتي الشرق الأوسط مباشرة بعد القارة الأفريقية في الشراكة الاستراتيجية التجارية مع الصين ما يسمح لطريق الحرير الجديد أن يتمدد غرباً.

وناقش المشاركون الشباب في تيانجين التحديات المتنامية التي سيواجهونها في المستقبل القريب، وذلك بعد أن عقد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في العام 2000، مؤتمر قمة الألفية في نيويورك، بوجود عدد غير مسبوق من رؤساء الدول، من أجل تعزيز دور الأمم المتحدة كوسيط لتحقيق التنمية في العالم.
وتلتزم كافة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتحقيق الأهداف الإنمائية الثمانية للألفية بحلول العام 2015، وتركز أولاً على القضاء على الفقر والجوع. وقبل عام من الموعد المحدد لإنجاز إنماء الألفية، تم تشكيل قوة دفع جديدة لمناقشة عالم ما بعد الأهداف الإنمائية للألفية. ففي شهر سبتمبر من العام 2013، اجتمع قادة العالم في الأمم المتحدة للاتفاق على وضع "أهداف التنمية المستدامة"، بحيث يكون العام 2030 تاريخاً جديداً لإحلال التنمية في كل مكان. وبحلول شهر سبتمبر من العام 2014، يتوقع أن تتم الموافقة النهائية على قائمة أهداف التنمية المستدامة، ليصار إلى بذل جهد حثيث خلال العام المقبل لضمان سير الخطط بنجاح.

وتلقى المقولة الصينية "ياليتك تعيش زمناً مضطرباً" رواجاً في الثقافة الغربية إذ تحمل في طياتها شيئاً من الحقيقة اليوم، فنحن نعيش بالفعل زمناً مضطرباً يشهد كثيراً من التغييرات، نحن نعيش زمناً يقصد فيه رجال الأعمال من مختلف أنحاء العالم الصين لحضور دافوس الصيفي، وزمناً فيه أكبر شركة عامة مدرجة في الولايات المتحدة صينية، وزمناً يعود فيه طريق الحرير الجديد إلى الشرق الأوسط ويمتد إلى إفريقيا. وعلى وقع تلك التغيرات الاقتصادية الشديدة تتزايد التوقعات التي تشير إلى النتائج الإيجابية اجتماعياً واقتصادياً في مجال التنمية العالمية المستدامة. بالنسبة للكثيرين، فإن الأهداف العالمية المستدامة بعد 2015، تمثل فرصة ثانية للعالم لضمان أنها ستشمل الجميع، وأنهم سينجحون في القضاء على الفقر والجوع لنصل بذلك إلى أقصى درجات "عصر التقارب". ويقع الحوار والمناقشة في قلب هذا العصر، لذلك فإن صناديق رصد أراء المسافرين في مطار العاصمة بكين الدولي تمثل أكثر من مجرد وسيلة للتحايل والتفاخر بالمظاهر الجوفاء.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND