مهارات وأفكار

آخر مقالات مهارات وأفكار

استثمرت صناديق تمويل دولية ومحلية بأكثر من 250 مليون دولار في صناعة التجارة الالكترونية



فادي غندور
فادي غندور
رجل أعمال أردني لبناني. وهو مؤسس كل من "شركة أرامكس"، و"ش..

بعيداً عن العناوين الصارخة حول الكآبة والشؤم في العالم العربي، هناك قصة من النادر التحدث عنها وهي القصة التي تدور حول توجه واعد بالتحوّل، فظهور الاقتصاد الرقمي، وللمرة الأولى منذ عقود من الزمن، قد حوّل المنطقة إلى موقع لفرص مميزة في السوق، والتي يمكن في حال استغلالها أن تحول مسار الاقتصاد كلياً.

ومع ناتج إجمالي محلي كامل يصل إلى 2.85 تريليون دولار، يصنف العالم العربي من بين الاقتصادات العشرة الأولى بالعالم، أي أن ناتجه المحلي أكبر من ناتج الهند وروسيا والبرازيل، كما أن أكثر من نصف عدد السكان البالغ 369 مليون نسمة هم دون سن الخامسة والعشرين، والطبقة المتوسطة المتزايدة هي من طبقة الشباب المتعلمين والمتصلين مع العالم المحيط.

ومن المثير للاهتمام أن مستويات الاتصالات قد ارتفعت ارتفاعاً هائلاً على مدى الأعوام القليلة الماضية، وبين عامي 2007 و2012، ارتفعت نسبة الدخول إلى شبكة الإنترنت بمعدل 294%، في حين ازدادت حركة البيانات المتنقلة بمعدل 107% في 2013 بالمقارنة مع نسبة 86% في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، و77% في أمريكا الشمالية، و57% في أوروبا الغربية.

وعلاوة على ذلك، من المؤكد أن يتسارع الدخول إلى الشبكة بسبب الكشف الأخير عن الهواتف الذكية منخفضة التكلفة في بلدان الاقتصادات الناشئة، مما يعني أن التقانات الاجتماعية والجوالة ستكون في متناول الجميع قريباً.

ومن خلال الاتصال الكبير غير المسبوق، والنشاط في مجال ريادة الأعمال، وسهولة الحصول على التقانات التي تساعد في تخفيض الكلفة والعوائق أمام بدء مشروع ما، فإن العالم العربي يشكل مركزاً للابتكار، والتغيير، والنمو، وفي الحقيقة، فإن حيوية ريادة الأعمال عبر عدة مدن عربية ملموسة فعلاً، بدءاً من القاهرة إلى عمان، ومن دبي إلى جدة، حتى إلى غزة التي تمزقها الحرب، وقد ازدادت الاستثمارات الناشئة فعلاً بمعدل ثلاثة أضعاف بين عامي 2009 و2012.

وفي أماكن العمل المشترك، والقاعات الجامعية، هناك جيل جديد من رواد الأعمال البارعين في أمور التكنولوجيا والذين يبنون منتجات وتقانات تلحق ركب التوجهات العالمية (المحتوى الرقمي، والتجارة الالكترونية)، أو يجدون الحلول للمشكلات الكبيرة (التسديد المالي الالكتروني، والتكنولوجيا التعليمية، والصحة، والطاقة النظيفة)، إن خدمتَي "بيفورت" و"تيلر" هما الرأس المدبر لأنظمة الدفع الالكتروني غير الفعالة في تعزيز التجارة الالكترونية، في حين أن "نفهم"، و"إدراك"، و"أكاديمية التحرير"، و"سيلك أكاديمي" تستخدم قوة التكنولوجيا والدورات التعليمية المفتوحة على الإنترنت لجعل التعليم عن طريق الإنترنت متوافراً أكثر أمام الشباب العربي.

إن الشركات الناشئة لا تحدث تغييراً في قطاعات التعليم والدفع فحسب، بل في طيف الأسواق كلها، من مجال العقارات (AqarMap، Property Finder) إلى خدمات إيصال الطعام (Foodonclick، iFood.jo)، إلى التسويق الرقمي وعن طريق وسائل التواصل الاجتماعي (The Online Project)، والتوظيف والتعيين الوظيفي عن طريق الإنترنت (Akhtaboot، وBayt.com) ووصولاً إلى البيانات الواسعة (Eqlim.com)، ومن بين إحدى الشركات المثيرة للاهتمام  شركة "جملون"، وهي شركة أردنية ناشئة تهدف إلى إحداث تغيير في صناعة توزيع الكتب العربية القديمة.

فالمحتوى العربي الرقمي هو أحد صناعات الاقتصاد الجديد ذات الأداء الأعلى فعلاً، وتشير إحدى الدراسات إلى أن حجم السوق اليوم يقاس بالمليارات، فالسعودية مصنفة في المرتبة الأولى عالمياً بالنسبة لعدد المشاهدات للفرد الواحد على موقع "يوتيوب"، أما شركة "يوتيرن" السعودية الناشئة التي تنتج برامج ترفيهية محلية بجودة عالية على الإنترنت، فتجذب 286 مليون مشاهدة حتى الآن، وكذلك شركة "خرابيش" الأردنية الإبداعية التي ولّدت حتى الآن نحو 365 مليون مشاهدة وأكثر من ثلاث ملايين منتسب إليها.

وفي الحقيقة، لطالما كان المحتوى العربي الرقمي مجالاً خصباً بالنسبة للشركات الناشئة المحلية ففيه أثبت المجال التقني قدرته الحقيقية مع ظهور موقع "مكتوب" وبيعه لشركة "ياهو!" في نهاية المطاف عام 2009، وبعد ذلك الاستحواذ، أنشأ مؤسسو موقع "مكتوب" عدة شركات جديدة بما فيها Souq.com التي تندرج الآن تحت مجموعة "جبار" للإنترنت، ويمثل موقع "مكتوب" قصة مَخرج ناجح ساعد في دفع التجارة الالكترونية التي تشكل اليوم أسرع سوق ناشئ في المنطقة، إذ بدأت بقيمة صفر تقريباً عام 2008 وبلغت تسعة مليارات دولار عام 2012، وحسب دراسة لشركة "بَي بول"، فإن التوقعات تشير إلى نمو قوي يمكن أن يصل إلى 15 مليار دولار في 2015.

وخلال العامين الماضيين، استثمرت صناديق تمويل دولية ومحلية بأكثر من 250 مليون دولار في صناعة التجارة الالكترونية، أما شركات الاستثمار الرائدة، ومن بينها "ناسبيرس"، و"تايجر جلوبال مانيجمينت"، و"روكيت إنترنت"، و"جي بي مورغان"، و"لوميا كابيتال"، و"عبد اللطيف جميل"، فقد قدّمت التمويل بشكل رئيسي لكل من Souq.com، وMarkaVIP، وNamshi، أما موقع Souq.com الذي شاعت الإشارة إليه على أنه موقع "أمازون" الشرق الأوسط، فقد تأسس في 2005، وجمع مبلغاً إجمالياً قيمته 150 مليون دولار للتمويل، وقد وصلت قيمة الشركة الأخيرة إلى أكثر من 500 مليون دولار.

ومع ذلك، فإن الحصول على التمويل لا يزال أحد التحديات الأساسية التي تواجه مؤسسي الشركات الناشئة لدى توسيع أعمالهم، وذلك حسب دراسة حديثة نشرها مخبر "ومضة" للأبحاث، وحسب الدراسة المسحية، فإنه من بين الشركات التي تلقت تمويلاً بين 2009 – 2012، هناك 21% فقط جمعت أكثر من 500 ألف دولار، وبوجود 36% من رواد الأعمال الذين تحدثوا عن قلة الاستثمارات الكافية في المشاريع بوصفها عائقاً رئيسياً أمام التوسع، فمن الواضح أن هناك حاجة أكثر لتمويل الشركات الناشئة، كما أن الاستثمارات التي يزيد حجمها عن 500 ألف دولار تشكل أولوية ملحّة.

لكن أحد مقاييس ديناميكية الاقتصاد الرقمي هو أنه كان يقدّم مثل هذا الأداء الهائل على الرغم من كل العوائق، فعلى سبيل المثال، كانت الاستجابة من المجال الاستثماري في الشركات الناشئة الشابة سريعة مع ذلك، ومن بين قادة هذا المجال، هناك الشركات الحاضنة والمسرعة من أمثال "أويسيس 500″، و"فلات 6 لابس"، و"غازا سكاي جيكس"، بالإضافة إلى تمويل رأس مال المشاريع والمراحل الأولية مثل شركة "مينا فينشر إنفيستمنتس"، و"داش فينشرز"، و"بيكو كابيتال"، و"آي مينا"، أما "وامدا فينشرز" فتعمل على إطلاق تمويلها للتوسع المتركز على شركات النمو في مجال الإنترنت، وكذلك شركة "ميدل إيست فينشر بارتنرز"، و"سيليكون بادية" اللتان أطلقتا تمويلاً متركزاً على الصناعات نفسها.

كما أن هنالك تمويلات للشركات، للاستثمار في مجال التكنولوجيا في المنطقة مثل "إم.بي.سي فينشرز"، و"إس.تي.سي فينشرز"، و"فودافون فينشرز"، والأمر مماثل في بلدان مثل لبنان، إذ خصص "سنترال بانك" 400 مليون دولار لضمان ما يصل إلى 75% من استثمارات الأسهم للمصارف اللبنانية في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والحاضنات، والمسرعات، وصناديق التمويل.

ويلاحظ على نحو واضح بأن هذا الزخم ليس إقليمياً فقط، إذ إن الشراكة بين شركة "روكيت إنترنت" و"إم.تي.إن" الأخيرة لاستثمار نحو 400 مليون دولار في التجارة الالكترونية، وكذلك الاستثمار الفعال لشركة "500 ستارت أبس" في مجال الألبسة في عمان ودبي كانا مثالين فقط عن الاهتمام الدولي المتنامي في فرص التكنولوجيا المحلية.

وفي الوقت نفسه، فإن الجالية العربية في منطقة سيليكون فالي كانت تلعب دوراً فاعلاً في ربط أسواق الشرق الأوسط بالولايات المتحدة، أما مؤسسة "تيك وادي" مثلاً، فتعمل على تعزيز شبكتها لربط شركات المنطقة المحلية بشركات إشراف، ورأس مال، وتسريع في الولايات المتحدة.

وبالإضافة إلى ذلك، وحسب دراسة أجراها مخبر "وامدا" للأبحاث، فمنذ عام 2008، كان هناك زيادة حادة في عدد المؤسسات الداعمة لرواد الأعمال في العالم العربي، وهناك اليوم أكثر من 140 مؤسسة تعمل عملاً فاعلاً مع الشركات الناشئة الإقليمية، أما "وامدا"، و"إنديفر"، و"مؤسسة محمد بن راشد لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة"، و"منتدى معهد ماساشوستس التكنولوجي للمنطقة العربيّة"، فقد يسروا الحصول على المعرفة، والوصول إلى الشبكات والأسواق الجديدة.

إن الاقتصاد الرقمي الناشئ في العالم العربي هو اقتصاد ديناميكي، ومثير للاهتمام، ومهيأ لنمو متسارع. فهذا هو الوقت المناسب للاستثمار فيه، وبدعم رؤوس الأموال المستمر، ستستغل الشركات الناشئة العربية الفرص كلها، وسيأتي يوم في المستقبل تؤسس فيه شركة "علي بابا" أخرى في العالم العربي، وإذا ما جمع المساهمون رؤوس اموالهم، ومواردهم، وشبكاتهم لدعم جيل رواد الأعمال الناشئ في مجال التكنولوجيا، فسيصبح هذا اليوم أقرب إلينا مما كنا نتوقع.

تم نشر النص الأصلي باللغة الإنكليزية على موقع لينكد إن


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND