مهارات وأفكار

آخر مقالات مهارات وأفكار

قدمت كثير من الحكومات العربية منحاً دراسية لأفضل وأذكى طلابها على مدى السنوات القليلة الماضية



فادي غندور
فادي غندور
رجل أعمال أردني لبناني. وهو مؤسس كل من "شركة أرامكس"، و"ش..

بعد الحرب العالمية الثانية، وتحت ما يسمى "وثيقة حقوق الجنود"، بات المحاربون القدامى الأميركيون (ثم القوات المسلحة بكاملها) يتمتعون بمجموعة من المزايا، من بينها منح للدراسة الجامعية وبرامج للتدريب المهني.

وبحلول عام 1956، استخدم ما يقارب 2.2 مليون أميركي تلك الوثيقة للحصول على التعليم الجامعي، وما يزيد عن 5.6 مليون للحصول على أحد أنواع التدريب العملي وبناء المهارات، وكان للوثيقة دورٌ فعال في بناء الطبقة الوسطى الأميركية.

وبعد أن أمضيت يومين في الملتقى العربي في "جامعة هارفارد" في بوسطن، أصبحت على قناعة أن العالم العربي سيشهد قريباً جداً قفزة تؤدي إلى إيجاد وثيقة حقوق خاصة به.

هل لديكم شك في ذلك؟

لا ألومكم، فالتنبؤ بإحراز أي تقدم وسط كل هذه الاضطرابات أمرٌ يصعب تصديقه، إلا أن رهاني المؤكد هو أن شبابنا هم الذين سيحققون النجاح في نهاية المطاف.

ما السبب؟ يمكنكم القول أن السبب هو نوع خاص من التحصيل العلمي. فقد قدمت العديد من الحكومات العربية منحاً دراسية لأفضل وأذكى طلابها على مدى السنوات القليلة الماضية، وجميع تلك المنح للدراسة في دول غربية.

ونحن لا نتحدث عن عدد قليل من الطلاب، فالمملكة العربية السعودية وحدها تموّل اليوم ما لا يقل عن 150 ألف باحث من الإناث والذكور الذين يدرسون في أفضل الجامعات الأميركية والأوروبية، وهنالك أكثر من 5000 طالب سعودي في منطقة بوسطن وحدها.

وقبل أن تقفزوا إلى استنتاجات خاطئة كلياً، فأنا لا أشير إلى أن الدراسة في الغرب هي كل ما يلزم لإحداث تحوّل في المنطقة، ما أقوله هو أن العدد الكبير من الطلاب العرب المتفوقين الذين يكتسبون المعرفة في أفضل المؤسسات التعليمية هو أمرٌ في غاية الأهمية، والأهم من ذلك هو ما يفعله هؤلاء الطلاب لمساعدة ودعم حكوماتهم.

فكل مرة أتفاعل مع هؤلاء الشباب يصيبني الذهول من ذكائهم، واعتزازهم بتراثهم، ومعرفتهم العميقة بشؤون العالم العربي الواسع ومشكلاته، وإصرارهم على إحداث تغيير.

وفي رحلتي الأخيرة إلى بوسطن، التقيت شباناً سعوديين وإماراتيين وأردنيين ولبنانيين وسوريين ومصريين وفلسطينيين يدرسون في جامعات "هارفارد" و"بنسلفانيا" و"معهد ماساشوستس للتكنولوجيا" و"أمهرست" و"بابسون"، وكل الجامعات التي تخطر على بالكم.

وكان بينهم مهندسون وأطباء ومحامون ومختصون بالفنون الحرة، وجميعهم تواقون للعودة إلى أوطانهم والبدء بالعمل.

ويقع علينا نحن العرب واجب تبنيهم وتبني نجاحهم لأنهم، ومن جميع النواحي، حقيقيون وأكثر تأثيراً وقدرةً على الإقناع من الجهاديين الذين يتصدرون الصفحة الأولى لمعظم الصحف هنا وفي كل مكان آخر.

وتستحق الحكومة السعودية الإطراء على استثمارها في الجيل الصاعد، فالعلم والخبرة التي يكتسبونها ستتأصل فيهم مدى الحياة، ولا نخطئ عندما نقول: في اللحظة التي تطأ أقدامهم المملكة العربية السعودية، سيدخلونها بحماسٍ شديد، إذ سيطالبون بوظائف جيدة، أو يتحولون إلى رواد أعمال، أو يعملون في الشركات التي تمتلكها عائلاتهم، أو يصلون إلى مواقع قيادية في القطاع العام، أو يديرون المستشفيات والمؤسسات الهندسية.

ولن تكون هنالك حجة للشركات، سواءً المحلية أو العالمية، أن تشتكي أنه لا يوجد أصحاب كفاءات ومهارات محليون، فالسعودية سوف تعج بهم.

أما إذا كانت الأجيال العربية الأكبر سناً لا تدرك ذلك بعد، فستتعرض قريباً إلى صدمة قوية، حيث إن هنالك موجات جديدة هائلة من الخريجين العرب التواقين للعمل، ولن يقبلوا أن تُرفض مطالبهم، فسوف تكون أعمالهم عميقة الأثر، وستُحدث إنجازاتهم تحولات كبيرة.

ولا بدّ أنكم تعتقدون أن العالم العربي عليل، ويفتقد الديمقراطية، ويعاني من البيروقراطية، أو ببساطة غير قادر على التعامل مع هؤلاء الشباب ذوي التأثير الكبير، وأن هؤلاء الخريجين الجدد سيواجهون بكل تأكيد تحديات هائلة، ويتعرضون لأسوأ خيبات الأمل، لذا أقول لكم أنه يجب أن تلتقوا بهم وتستمعوا إليهم.

وأقمت في بوسطن جلسة نقاش مع الطلاب الجامعيين السعوديين، ثم تناولت العشاء مع الطلاب العرب المرشحين للدراسات العليا، وأرادوا مني أن ألهمهم وأن أحكي لهم عن قصتي وعن عملي، فانتهى بي المطاف بأن افتُتنت بحكاياتهم وشعرت بالتواضع أمام روحهم وحبهم للعلم، ونضجهم وتركيزهم واندفاعهم.

وسألني أحد الفلسطينيين السوريين: "كيف أستطيع أن أعود واستثمر معرفتي؟"، وكان قد نزح مرتين هو وعائلته، الأولى من فلسطين خلال 1967، والثانية من سوريا العام الماضي، لكنه لا يزال يريد العودة.

وأحد المهندسين السعوديين كان يحضّر أطروحة الدكتوراه وبدأ مشروعاً جانبياً صغيراً، أراد نصيحتي حول كيفية التعامل مع الأمرين معاً، وطالب آخر يدرس في "معهد ماساشوستس للتكنولوجيا"، وسليل أسرة تمتلك شركة كبيرة، أخبرني، دون خجل أو حرج، كيف حاول أن يبدأ مشروعاً جديداً لكنه فشل فيه.

وكانت هنالك أيضاً سيدة أردنية تدرس في "هارفارد"، وأخرى تدرس في "أمهرست" تسألان كيف يقوم رواد الأعمال بالموازنة بين العمل والحياة، ونعم، كانت هنالك العديد من الشابات السعوديات اللواتي يتمتعن بالقوة والثقة، يناقشن مسألة الشركات الناشئة ويفكرن بالمستقبل، مؤمنات بأن لا شيء يحد من طموحهن.

ويمثل هؤلاء الشبان والشابات نقلةً نوعية، ليس فقط بسبب الزخم الذي يوجده عددهم الضخم، لكن أيضاً بسبب السهولة التي يجتازون بها المسائل الحساسة، كالانتماء والهوية، وبسبب إحساسهم أنهم يستطيعون تقديم إنجازات كبيرة، وتعدّد اختصاصاتهم، وتوقهم إلى المعرفة، ويمكنني تعداد أسباب لا تنتهي، لكني أعتقد أن وجهة نظري وصلت إليكم.

وسوف يغيّر هؤلاء الشباب عالمنا، أعدكم بذلك، وخلال عشر سنوات لن تكون هناك أي ضحكات ساخرة في ديارنا.

تم نشر النص الأصلي باللغة الإنكليزية على موقع لينكد إن


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND