منوعات

آخر مقالات منوعات



الاقتصادي – خاص:

كتبت سارة جبر الله

تتواجد في بيتها في مدينة الذيد، ويقصدها الناس من كل أنحاء الإمارات لتساعدهم على التعافي. في وسط التطور الطبي الذي نشهده في القرن الواحد والعشرين، وازدهار المجمعات الطبية في دولة الإمارات إلا أنه ما زال هناك أناس يقصدون حمامة الطنيجي أو كما يلقبها الناس "طبيبة الذيد" لتشفيهم من أمراضٍ مزمنة، مستخدمةً خبرتها في أصول وكيفية الطب الشعبي أو ما يعرف بالطب البديل.

يعرف الطب الشعبي -الذي تستخدمه حمامة وغيرها من الأطباء الشعبيين- بأنه خلاصة مجموعة من التجارب الشعبية حول طرق العلاج وأساليبه وأنواع الأمراض الشائعة في المجتمع وانتشارها وما تنبت الأرض من نباتات وأعشاب وغيرها. إضافةً إلى ما يتبع ذلك من المعتقدات والطرق الشعبية في العلاج، وعلاقة الإنسان بالبيئة واستغلاله لإمكانياتها، والتعامل معها وتسخيرها لمصلحته وحياته حيث أن الطب الشعبي هو مزيج من الوصفات الشعبية، البخور، قرون وعظام الحيوانات، والطب النبوي الذي يعتمد على آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأذكار.

البداية كانت مع منام

بدأت حمامة العلاج بالطب الشعبي، وتحديداً العلاج بالكي عندما رأت في المنام أنها يجب عليها أن تكي مواضع معينة في جسد ابنتها المريضة. عندما شفيت ابنتها خلال أيام قليلة، استمرت بعلاج الآخرين بالكي. لكنها لا تعالج بالكي الآن بسبب كبرها في السن وضعف نظرها. في بداية عام 2012، فقدت حمامة نظرها، لكنها مازالت تعالج بطرق أخرى. حيث تحمل حمامة خبرة وفيرة في كيفية العلاج بالدلك والأعشاب كذلك. وتقول حمامة أنها ساعدت في شفاء الكثير من الأمراض كالسرطان، والكبد الوبائي- أو ما يعرف باللهجة الإماراتية "بوصفار"، إضافةً إلى احتباس حرقة البول وأمراض الكلى.

تنوع في الطرق

تختلف أنواع الطب الشعبي ومن أبرزها: الحجامة والتجبير العربي. فالحجامة هي استخراج الدم الفاسد من الجسم. وهي سنة مأخوذة عن النبي محمد عليه السلام. تتم الحجامة عن طريق جرح مناطق معينة بقرن حيوان وإخراج الدم الفاسد. حيث تستخدم في مؤخرة الرأس، أسفل الظهر، الساق، الفخذ، تحت الذقن، ظاهر القدم أو أسفل الصدر. ثم يتم إغلاق الجرح بالرماد. ومازالت تستخدم الحجامة لكن يتم الآن حقن المنطقة المعنية في الجسم، ويصفد الدم في كأس زجاجي. أما بالنسبة للتجبير العربي، فيستخدم في علاج المفاصل المنزلقة أو المكسورة. تتم هذه العملية عن طريق خلط أعشاب معينة منها "العنزوت" ووضعها على العظام المتضررة وإغلاقها بإحكام. على الرغم من أن هذه الوصفات من أعشاب متعارف عليها إلا أنه كان هناك مختصين في أمور العلاج مثل: المطوع (شيخ دين)، الحوّاج ( العشّاب – العطّار )، الكوّاي، المجبّر، المختّن ( الحلاّق أو المحسّن أو المزيّن )، الحجّام، الجرّاح، الكحّال، المسّاح والمرفّع (معالج اللوز).

أشهر الأعشاب

استورد أهل الإمارات الأعشاب قديماً من الهند وإيران وأصبحوا يتداوون بها. "تركة صالح" على سبيل المثال، هي من أهم الأعشاب المستخدمة في معالجة أزمات وآلام الصدر. وهي نبتة غامقة اللون تشبه نبتة الصبار. كذلك تتم معالجة أوجاع البلعوم بنبتة المر التي تؤكل جافة.بالإضافة إلى الحبة السوداء التي كانت تستخدم لمعالجة الدوار وصداع الرأس، والجيثوم الذي يستخدم في علاج الإمساك وأوجاع البطن والزعتر الذي استخدم لمعالجة الزكام. يتم حفظ هذه الأعشاب في ما يسمى "اليونية" أو تلف في بعض الخيش.

الطب البديل مقابل الطب الحديث 

لقد بدأ الاعتماد على الطب الشعبي بالتلاشي بسبب الإرسالات التبشيرية القادمة من أوروبا وما حملته من تقدم طبي كانت الإمارات بحاجةٍ له. ففي عام 1902 بدأ الطبيب شارون توماس بمعالجة 500 مريض في الشارقة وفي دبي. وبحلول عام 1909 افتتح الدكتور بول هاريسون عيادته في الشارقة. والآن نرى تقدماً كبيراً في مجال الطب في الإمارات جعلها من الوجهات العلاجية الرئيسية في المنطقة، بوجود أكبر المستشفيات في أرجاء الدولة، وآخرها مستشفى كليفلاند كلينيك أبوظبي.

فكيف ينظر الأطباء اليوم إلى هذه الطريقة من العلاج؟ حسب ما قاله الدكتور دنيش كومار، أخصائي الأمراض الأيضية والسكري في المركز الطبي الجديد (NMC): "أنا لا أمانع هذه الوصفات العشبية أو اليدوية إذا أثبتت علمياً أنها معالجة وموثوق فيها طبياً". ويضيف كومار أنه من الأفضل اللجوء إلى الطب الحديث والعلمي، بسبب التجارب المدروسة والنتائج الموثقة في الموسوعات الطبية المختلفة.

آراء متضاربة في المجتمع الإماراتي

بالرغم من تاريخ الطب الشعبي العريق في الإمارات، إلا أنه هناك من يعارض هذا النوع من العلاج. حيث تعتبر صالحة الشكيلي (إماراتية – 24 عاماً) أنه لا يجب العلاج بهذه الطريقة، فالطب الحديث يستخدم الأجهزة ذات التقنيات العالية لمعرفة الأمراض. كما أنه أسرع وأكثر وثوقية. لا تفكر صالحة بعلاج نفسها أو طفلها يوماً بالطب الشعبي إلا في حالات الضرورة القصوى.

أما والدتها هدى عبد الوهاب، فهي تؤمن بأن هذا الطب فعال جداً، لأتها استخدمته أثناء إصابتها بالشلل النصفي. فقد عالجت هدى هذا المرض العصبي بخلطة شعبية تسمى "الدلوك" وهي عبارة عن زنجبيل مطحون، قرنفل، فلفل أسود، كركم وزيت الزيتون. تستخدم الدلوك في حالات أمراض التشنج أو تخدر أطراف وأعصاب الجسم. وعقبت هدى أنها خلال فترة أسابيع بدأت بالتحسن، وتحمد الله على شفاءها من هذه الحالة.

هذا الرأي الداعم للطب الشعبي لا يقتصر على جيلٍ أقدم، فأمل أمل سعيد (إماراتية – 26 عاماً) تقول أنها تستخدم الطب الشعبي تقريباً يومياً. إذ تستخدم أمل الحجامة الجافة وهي عزل الدم الفاسد لكن دون إخراج الدم من الجسم في حالات الآلام الشديدة والصداع. كما أنها تشرب "الحلول" عند الإحساس بآلام البطن وهو مزيج من الأعشاب تشرب لطرد السموم والفضلات من الجسم، وتنظف الجهاز الهضمي. بالإضافة إلى الوصفات التجميلية التي تستخدمها أمل في شعرها ووجهها كالكركم وزيت الزيتون.

إنقاذ ثقافة الطب الشعبي/البديل

بالرغم من اختلاف الآراء حول استخدام وصفات الطب البديل وسط أفراد المجتمع الإماراتي إلا أن الهيئات العليا في الدولة تهتم بالمحافظة على ممارسته. رجوعاً إلى عام 1989 عندما أمر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله بإنشاء مركز متخصص بالطب العربي والتداوي بالأعشاب، حرصاً منه على الحفاظ على هذه الثقافة الإسلامية والعربية. ثم افتتح مجمع زايد لبحوث الأعشاب والطب التقليدي في عام 1996. واليوم، نرى انتشار مراكز الطب البديل في الإمارات. فهناك مركز دبي الطبي الذي يمزج بين تقنيات الطب الحديث وطرق ووصفات الطب البديل. بالإضافة إلى مركز العارف في الشارقة ومركز الرحمة في أبوظبي. هذه المراكز تستخدم الحجامة الإسلامية العربية، وتستخدم أيضا الطب الصيني، الهندي واليوناني.

يبدو أن الطب الشعبي في الإمارات، بالرغم من المفارقات والاختلافات حول كم وكيفية استخدامه، إلا أنه مازال يُمارس ويُستخدم. فهو امتدادا لثقافة وأصول عربية قديمة توارثها الأجيال. ولا بد أن هذا المزيج بين الطب الشعبي والطب الحديث المبني على أسس علمية، أمرٌ وارد، ولا شك أن استمرارهما سيجعلهما يلتقيان في بعض الأحيان ليثبت الطب الحديث بطريقة علمية صحة طرق الشطب الشعبي والبديل.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND