تنمية

آخر مقالات تنمية



طلال ملك
طلال ملك
رائد أعمال ومستشار في مجالات الحوكمة، والذكاء والتأثير الاست..

الاقتصادي – خاص:

كتب طلال ملك، مستشار في الحوكمة، والاستراتيجية، والنفوذ لبعض كبار قادة المؤسسات والحكومات في العالم.

إن الأشجار، والبذور التي تنمو منها تلك الأشجار، كانت وما زالت رمزاً راسخاً للاستدامة. ففي الحقيقة، هنالك أشجار شهدت على وجود الأنبياء العظماء وما تزال منتصبة شامخة بفخر اليوم، وهي تُعد أماكن مقدسة يقصدها الناس الآن: البطريرك إبراهيم وأشجار السنديان القرمزية في مرتفعات الجولان؛ والنبي موسى وشجرة العليق المقدسة التي استدفأ بها أهله في سيناء بمصر؛ والسيد المسيح وسط أشجار الزيتون في حديقة الجثمانية؛ والنبي محمد والشجرة المباركة في الأردن. إذ يقول حكيم الصين، كونفوشيوس: "الوقت الأفضل لزراعة شجرة هو منذ 10 سنوات. ثاني أفضل وقت للزراعة هو الآن".

ستقوم هيئة الأمم المتحدة بزراعة أشجارها لعام 2015 عندما تنتهي المدة المحددة للأهداف التنموية للألفية التي أُطلقت في سبتمبر (أيلول) من عام 2000.

إذ سيجري استبدال أهداف التنمية المستدامة بها، والتي سيجري إطلاقها في قمة الأمم المتحدة لاعتماد جدول أعمال التنمية لما بعد عام 2015 والتي ستنعقد من 25-27 أيلول (سبتمبر) في نيويورك. تمثل أهداف التنمية المستدامة فرصةً ثانية للأمم المتحدة والحكومات الأعضاء فيها لتولي زمام الأمور لحل مشكلات العالم الأكثر أهمية سعياً لتحقيق العدالة العالمية المتمثلة في: القضاء على الفقر، إحلال الكرامة للناس، وإنقاذ الكوكب.

وهنالك حاجة حقيقية لتحويل سياق ما تعنيه أهداف التنمية المستدامة بالنسبة للقطاع العام، والخاص، والقطاعات الاجتماعية.

إذ يمكن تشجيع الحكومات على تحويل تصورها لبرنامج العمل على أنه التزام دولي ليصبح فرصة للقيادة.
ويمكن للشركات أن تنظر إلى برنامج عمل أهداف التنمية المستدامة ليس على أنه نسخة معزَّزة ومحدَّثة عن المسؤولية الاجتماعية للشركة، بل على أنه برنامج يؤثر بكل جزء من القيمة المقترَحة لديهم بما في ذلك دخلهم الصافي، وما يمكنهم اعتماده بوصفه ملازماً لأهداف التنمية المستدامة.

يجب على المنظمات غير الحكومية ألا تخشى حجم التحدي العالمي الكبير الذي ينتظرها، وعليها التركيز بدلاً من ذلك على إحراز أثر مع المستفيدين من أهداف التنمية المستدامة في مستويات القاعدة الشعبية المحلية في الميدان.

لكن بهدف الحصول على فرصة حقيقية لتحقيق النجاح مع أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، سيكون هنالك حاجة للمضي إلى ما بعد منظور أصحاب المصلحة ثلاثي القطاعات، وذلك لاتباع ثلاث تركيبات ضخمة:

الشريحة الأولى هي الفرد، إذ ينبغي أن يتحول الخطاب من حديثه الحالي حول الإيثار أو اللامبالاة، إلى الملكية والتحرر والتمكين. فأهداف التنمية المستدامة هي ملك كلٍّ منا، فكوكب الأرض هو للجميع في نهاية المطاف. وسيكون مفتاح نجاح هذه العملية تحرير جيل الألفية، وهو جيل الشباب الذين بلغوا سن الرشد في عام 2000 تقريباً، ولدى معظمهم رغبة عميقة بجعل العالم مكاناً أفضل. ويمكن أن يرتكز نجاح تحرير هذه الفئة وغيرها من الفئات على استخدام التكنولوجيا، ولا سيما النقالة منها، بهدف قياس أثر نجاح أهداف التنمية المستدامة على المستوى العام والتفصيلي.

أما الشريحة الثانية فهي التكتلات السياسية، ومثالها بلدان البريكس المتركزة في مدن كبيرة والمؤسسات الحكومية الدولية التي يمكنها أن تساعد كثيراً في تحقيق برنامج عمل أهداف التنمية المستدامة.

أما أمثال الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الإفريقي، ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، واتحاد دول جنوب شرق آسيا، ودول مجلس التعاون الخليجي، فيمكنها الدخول في تعاون اقتصادي أكبر، والتبادل التجاري مع بعضها البعض على أساس أرفع مستوىً من المستوى الذي وصلت إليه الدول القومية تاريخياً، وذلك من خلال التركيز على برنامج عمل أهداف التنمية المستدامة ومأسسة تمويل محدد لها أيضاً.

سوف يصبح التكامل الإقليمي الأوسع هاماً على نحو متزايد خلال السنوات الخمس عشرة القادمة لا سيما إذا كنتم مؤيدين لمنظور الخبير الاقتصادي جوزيف ستيغليتز عن عالم مجموعة الصفر متعدد القطبية والمعاصر والذي يتصف بأنه "بدون قيادة" الذي نعيش فيه الآن.

أما الشريحة الثالثة فهي أكثرهم خروجاً عن المألوف، لكن يمكن القول بأنها الأكثر أهمية، وهي: التقاليد الدينية العامة، إذ أن جميعها يتضمن في جوهره ضرورة القضاء على الفقر، ويمكن بالنسبة لها أن تكون مأسسة واسعة وقيّمة بالنسبة لبرنامج عمل أهداف التنمية المستدامة.

قال البابا فرانسيس في يناير (كانون الثاني) 2015 بأن الكنيسة الكاثوليكية كانت تهتم بالفقراء وتحميهم منذ نشأتها. ومن خلال مأسسة أوسع لهذا الاهتمام – بشكل صندوق الفاتيكان للثروة السيادية – سيكون ذلك مفيداً جداً لبرنامج عمل أهداف التنمية المستدامة.

كما يمكن للعالم الإسلامي أن يساهم مساهمةً هائلة في القضاء على الفقر من خلال توسيع عملية مأسسة الزكاة، تلك الصدقات الإلزامية بوهب 2.5% من دخل/ممتلكات كل مسلم، وهي تمثل الركن الثالث من أركان الإسلام.

ومع الحصص الهائلة في قطاع الطاقة العالمي البالغ قوامه 5 ترليون دولار، وقطاع صناديق الثروة السيادية البالغ قوامه 5 ترليون دولار، والاقتصاد الإسلامي العالمي الذي يبلغ حجمه 2 ترليون دولار، وزيادة الطبقة المتوسطة العالمية بمقدار 2,2 ملياراً بحلول عام 2030، فإن صناديق الزكاة التي يمكن تأمينها وجمعها على يد الحكومات للمساهمة في برنامج عمل أهداف التنمية المستدامة عالمياً، تُعد ذات حجمٍ هائل بالنسبة لإمكانياتها.

وحريّ بقادة الحكومات ومستشاريهم في الأمم المتحدة أن يتذكروا اقتباساً أخيراً يتعلق بالأشجار لدى إنهاء برنامج عمل أهداف التنمية المستدامة هذا العام، يقول الاقتباس: "سوف ينمو عالمنا ويصبح جميلاً عندما يزرع الرجال (والنساء) الكبار (والشباب) الأشجار التي يعرفون أنهم لن يجلسوا تحت ظلالها".

إن مشاركة الحكومات، والشركات، والمنظمات غير الحكومية في تطبيق برنامج عمل أهداف التنمية المستدامة هو أمر أساسي، لكن، لن يكون هنالك من أثرٍ حقيقي، ومستدام، وقابلٍ للقياس على نطاق واسع إلا عند الانتقال إلى المستوى التالي.

إذ يجب أن يعود برنامج عمل أهداف التنمية المستدامة إلى الأفراد، لا سيما جيل الألفية، ومن خلال التكتلات، والمنظمات الكبيرة الحكومية الدولية، وتقاليد الإيمان في العالم، والتي يجب تشجيعها على مأسسة مهامها الخيرية على نطاق واسع.

يمكننا تخيّل صورة النجاح في عام 2030، عندما يكون الكثير منا قد غادر هذه الحياة، وهو ألا يعود هنالك أي شخص من السكان الـ 1,6 مليار الذين يعيشون الآن في فقر مدقع متعدد الأبعاد ما يزال في الحالة ذاتها في ذلك الوقت. إذ نستعير المقولة اللاتينية Nemo Resideo: "لا نترك أحداً لمصيره".


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND