تعليم وشباب

آخر مقالات تعليم وشباب



الاقتصادي – خاص:

سارة جبرالله

على ترانيم الربابة، صهيل الخيول، وأبيات الشعر النبطي يقضي زوار مهرجان الحصن وقتاً ترفيهياً وتعليمياً يتعرفون فيه على تراث وحضارة دولة الإمارات العربية المتحدة. حيث يتعرف السائح والأجنبي على ماضي وتطور الدولة، وفي الوقت نفسه، يستعيد الإماراتي ذكريات الماضي، ويشكّل علاقةً مع تاريخه وثقافته الغنية.

افتتح الشيخ محمد بن زايد آل نهيانولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الدورة الثالثة من مهرجان "قصر الحصن" في الحادي عشر من فبراير (شباط) 2015 حيث استمر المهرجان حتى الواحد والعشرين من الشهر.

وقد نظمت هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة المهرجان بالتركيز على محورين أساسيين هما تراث وتاريخ مدينة أبوظبي الذي يُعرض في قصر الحصن، والأنشطة المختلفة، وإحياء معلم المجمع الثقافي الذي يعرض التراث الحديث للمدينة والأعمال الفنية الإماراتية. تشمل ساحة المهرجان عروضاً ثقافيةً عديدة كالرقصات والموسيقى الشعبية، صناعة القوارب، مهنة الغوص، العروض العسكرية القديمة، الأكل الشعبي وتصاميم الملابس الإماراتية الشعبية. فقد نجح المهرجان في إبراز ملامح تراث الإمارات القديم، وأيضا نجح في شرح عملية تطور الإمارات عمرانياً، سياسياُ وثقافياً للزوار والسّواح. كما برزت في المهرجان المهارات الإماراتية الشابة كعرض الرسم بالرمال للفنانة شيماء المغيري التي شرحت به تاريخ قصر الحصن وتاريخ أبوظبي.
كذلك تم عرض سلسلة من الأفلام الإماراتية القصيرة، أو الأفلام المنتجة من طاقم إماراتي. و نجح المهرجان في نقل صورةٍ مفصلة، مبدعة وواضحة عن تاريخ الإمارات لغير الإماراتيين وعرّف عن أسس تكوين وتشكيل المجتمع الإماراتي. وأشار الكثير من السائحين إلى روعة المهرجان الذي صحح لهم مفاهيم خاطئة كثيرة كانوا يعتقدونها عن المجتمع الخليجي والإماراتي خاصة. كما أنهم استمتعوا بالعروض الموسيقية، والفنية التي أحياها المهرجان.

لكن، كيف تأثر الإماراتيون نفسهم بهذا المهرجان؟ بالأخص كيف تجاوب الشباب الإماراتي مع هذه الفعاليات؟

المهرجان يخاطب الشباب الإماراتي

يعكس مهرجان قصر الحصن الثقافي حضارة الإمارات لكل من يريد أن يعرف عن ثقافة الدولة. لكن المهرجان موجه إلى الإماراتيين أيضاً، فهو فرصةُ تسمح للشباب بالتعرّف على بدايات الكثير من الأماكن والحرف. هذا ما قالته فاطمة غزال، أحد منظمي فعاليات المجمع الثقافي في المهرجان. فالمجمع الثقافي هو أول مركز ثقافي في أبوظبي للفنون، الأدب والموسيقى. أضافت فاطمة: "لقد أحيينا نشاطات المجمع الثقافي القديمة كالمرسم الحر، وأضفنا إليها ورشات عمل للفنون الإماراتية الشعبية كالألعاب الشعبية، وطريقة النسيج اليدوية الشعبية أو "السدو"، وصناعة الفخار. وقد قمنا بتعيين مجموعة من الشباب الإماراتيين لتعليم هذه الحرف، فمن الأهداف الرئيسية هي جعل الشاب الإماراتي واعٍ بتفاصيل ماضيه وطريقة العيش القديمة". وأضافت أن هذه الطريقة ستسهل عليهم عملية التواصل الفكري والاجتماعي ونقل هذه الثقافة من جيل إماراتي إلى آخر. فمن جهة هم يمثلون الإمارات للشعوب الأخرى لكن أيضاً يرسلون رسالة للجيل التالي من الإماراتيين ويكونون قدوة لهم.

وعبّر محمد الهندي (19 سنة)، وأحد مدربي صناعة الفخار، عن سعادته بالمشاركة في ورشات العمل في المجمع الثقافي. وقال: "أتيحت لي فرصة لأعلِّم الاطفال الصغار كيف يصنعون الفخار، ولأريهم "البرمة" وهي الأداة الفخارية التي كان يشرب منها الماء". حيث أكد محمد أنه لم يمارس هذه المهارة من قبل، ولكن بعد أن تم تدريبه وتهييئه للمهرجان يمكنه الآن صناعة الكثير من الأواني الفخارية كما كان يفعل أجداده من قبل.

الإماراتي المعاصر يقارن الماضي بالحاضر

أقر العديد من الزوار الإماراتيين عن إعجابهم بفكرة تجسيد ماضي الإمارات سواء كانت العادات والتقاليد أو ماضي المؤسسات التعليمية أو الحكومية. فقد كان هناك جولات في قصر الحصن تعرّف الزائر عن المعالم ومن ضمنها المجلس الاتحادي الوطني أو الاستشاري الذي تأسس في الفترة بين 1968- 1970، وكان مقر مجلس الشورى وتمت فيه الاجتماعات التي أدت إلى إعلان الاتحاد فيما بعد في عام 1971.

وقد علق مازن الكعبي (21 سنة) على الشرطة في الماضي وعروضهم العسكرية. قال مازن: "أذهلني الفرق بين الشرطة قديماً وحالياً. في الماضي كانت مسؤوليتهم أكبر لعدم توافر التكنولوجيا. لكن قطاع الشرطة الآن بإمكانه مراقبة الكثير من الأحداث ومتابعة أمن المجتمع من خلال المواقع الإلكترونية والتطبيقات الذكية". وأضاف أن هذا يدل على الإنجاز والتطور الذي شهدته دولة الإمارات في أقل من نصف قرن من الزمان. وأيّدت سعاد جامع ( إماراتية 30 عاماً) رأي مازن بتعليقها على قطاع التعليم الذي تعمل فيه. فهي الآن تعلّم الطلبة في المدارس النموذجية مستخدمةً أحدث التقنيات حديثة،وعند رؤيتها لطرق التعليم البدائية في المجتمع الإماراتي، أحست بالفرق الشاسع ومدى التقدم الذي اجتاح التعليم في الدولة. إذ تقول سعاد: "يجب علينا أن نطبق طرق التعليم القديمة فالعودة إلى الأساسيات تربط ماضينا بواقعنا الحالي. ومثال على ذلك ربط الروحانيات والدين بالعلوم وكل شيء يدعو للتفكر".

لكن، أحد الشباب الإماراتيين يحنّ إلى أحد جوانب الماضي. فقد قال صادق الهندي (20 عاماً) وطالب في جامعة زايد ومدرب الألعاب الشعبية في ورشة عمل في المجمع الثقافي-: "لقد فقدنا حس التجمع عند اللعب. فكلنا مشغولون اليوم بألعاب الهاتف المحمول أو البلاي ستيشن أو الإكس بوكس" وأضاف: "يجب علينا تعلم الألعاب الشعبية والمهارات اليدوية لكي نتصل بتراثنا البسيط الجميل ونتناقله من جيلٍ إلى آخر". وأشار صادق أن الشباب الإماراتي يجب أن يكون واعياً بأن الحياة السابقة لم تكن بهذه الرفاهية وأن الماضي كان جميلاً لكن الأجداد تعبوا وثابروا لتصل الإمارات إلى ما هي عليه الآن.

"نريد أن نعرف أكثر"

ويبدو أن الجيل الصاعد من الإماراتيين لا يريد أن يكتفي بتعريف الآخرين عن الثقافة الإماراتية، بل يجدون واجباً أن يعرفوا باقي المواطنين، ليتعرفوا على كافة الجوانب التي لا يملكون إطلاعاً عليها. فريم الحنتوش (إماراتية – 23 عاماً) وإحدى المتطوعات في المهرجان، قالت: "يجب أن يعرف الجيل الجديد من الإماراتيين عن ثقافتهم الماضية و عن مراحل تطور المجتمع الإماراتي". وأشارت أن المهرجان تميّز بتقديم كافة مواده باللغة العربية، وهي اللغة التي بُنيت عليها حضارة الإمارات. وقالت أنها تتمنى أن يكون في المهرجان القادم حملة لتوعية الآباء والعائلات الإماراتية عن أهمية نقل اللغة والحضارة معاً للأجيال القادمة، فهما متلازمتان ولا تقوى واحدة بدون الأخرى.

وتمنّت ناهد عيسى (13 عاماً) من نادي الفجيرة للفتيات، أن يتم تعليم هذه العادات والتقاليد بشكل مفصّل في المدرسة. قالت: "كل ما نعرفه من عاداتنا ينقله لنا أجدادنا فلا نتخيله بشكل كاف. لذلك يجب أن يجسدوا لنا في المدرسة هذه الطقوس لنكون على صلة أكبر مع التراث القديم". أما بالنسبة لنواف حمد (18 عاماً) فهو يحس أن الحياة أصبحت سريعة وليس هناك وقت ليعيش أجواء الماضي. قال نواف: "أريد أن أتعلم كيفية صناعة الخبز، والملابس. وأن أجتمع مع عائلتي على الطريقة الإماراتية القديمة في المجلس وأكل الأكلات الإماراتية الشهية. فلم يعد آباؤنا يهتمون بهذه الأمور كثيراً".

وعززت صفية المسكري (24 عاماً) هذا الرأي، وهي واحدة مصممي معرض صور تطور العمران في المهرجان. فأكدت انه مهم جداً أنه من المهم أن نعرف عن عاداتنا حتى نعرف كيف نقدمها للشعوب الأخرى. وقالت: "أنا هنا لأوضح تاريخ العمران المدني في أبوظبي، ومع الجولات العديدة بدأت بالتعلم أكثر. لكن أحس أنه مازال هناك الكثير للتعلم".

حدث ثقافي تعليمي بمقاييس عالمية

لقد أصبح مهرجان قصر الحصن وجهةً ترفيهية تعليمية وملاذاً لكل من يريد التواصل مع جذوره الثقافية. حيث أنه شامل لكل ما يحتاج المرء معرفته عن الإمارات قديماً، وعن كيفية وصولها إلى ما هي عليه الآن من ازدهار وثقافة واسعة. ويعتبر هذا المهرجان جسراً للتواصل بين ثقافة دولة الإمارات والثقافات والجنسيات الأخرى من خلال أنشطة تثقيفية وترفيهية.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND