تجارة واستثمار

آخر مقالات تجارة واستثمار



بدر جعفر
بدر جعفر
رجل أعمال إماراتي. الرئيس التنفيذي في "شركة الهلال للمشاريع"..

الاقتصادي - خاص:

كشفت الدول الـ193 الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة الشهر الماضي عن جدول أعمال عالمي جديد للتنمية المستدامة، وهي خطة بعنوان "تحويل عالمنا: جدول أعمال 2030 للتنمية المستدامة" سيتم تنفيذها على مدار 15 عاماً ومن المقرر اعتمادها بصفة رسمية من قبل قادة العالم في نيويورك في وقت لاحق من هذا الشهر وستدخل حيز التنفيذ في 1 يناير (كانون الثاني) 2016.

إنها رؤية طموحة بلا شك، وطبقاً لمنظمة الأمم المتحدة فإن الأهداف الـ17 والأهداف الفرعية الـ169 للخطة "تهدف إلى القضاء على الفقر وتعزيز الرعاية الصحية والرفاهية إلى جانب حماية البيئة بحلول عام 2030." بالإضافة إلى الأهداف الإنمائية للألفية، والتي تمكنت من تحسين حالة 700 مليون فرد ورفعهم فوق خط الفقر منذ عام 2000، تتعهد الخطة الجديدة بأننا "لن نترك أحداً خلفنا".

إن التنمية المستدامة ليست قضية جديدة، ويعود تاريخ هذا المصطلح إلى تقرير برونتلاند 1987 على أقل تقدير. ومع ذلك، تؤمن الأمم المتحدة بأن ما يجعل خطة 2030 فريدة من نوعها أنها "تدعو جميع الدول سواء كانت غنية أو فقيرة أو متوسطة الدخل إلى المساهمة في اتخاذ الإجراءات اللازمة" من أجل تحويل حلم التنمية المستدامة إلى حقيقة. في واقع الأمر، أشارت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى أن منهج "الأعمال المعتادة" لن يساعد في تحقيق الهدف ودعت إلى "تعاون دولي مكثف على عدة جبهات" للمساعدة في تنفيذ جدول الأعمال الجديد.

من الأهمية بمكان النظر إلى وضع دول الشرق الأوسط في هذه الخطة، حيث أن منطقتنا لا يمكن تصنيفها بسهولة حيث أنها تضم كافة الفئات المشار إليها أعلاه سواء كانت دول فقيرة أو غنية أو متوسطة الدخل. وسواء كانت الدول في حالة سلم أو توتر أو نزاع، فإن الأمر يعتمد على الدولة التي تنظر إليها، ومن ناحية الاستقرار أو عدم الاستقرار أو الانهيار، فذلك يعتمد على نظرتك وتوجهك. والناتج هو أن هذه الاختلافات لا تحد من التزاماتنا تجاه الأجيال المستقبلية، وبمجرد تبني جدول الأعمال الجديد، سوف ينتظر من جميع الأمم بذل أقصى ما في وسعها لتنفيذه. وبالنسبة لدول الخليج التي تنعم بالسلام والرفاهية، فإنها تلعب دوراً محورياً.

إن الركائز الخمسة التي يرتكز عليها جدول الأعمال الجديد 2030 هي الشعوب والبيئة والرفاهية والسلام والشراكة. وأرى أن الركيزة السادسة هي القطاع الخاص حيث أن الحكومات والمنظمات متعددة الأطراف لا يمكنها بمفردها حل جميع المشاكل التي يعاني منها عالمنا. وقد كان تشكيل الاتفاق العالمي للأمم المتحدة عام 2000 خطوة على الطريق الصحيح لمساعدة الشركات على توحيد استراتيجياتها مع جدول أعمال الاستدامة العالمية. فمن خلال مشاركة أكثر من 8000 شركة و4000 مؤسسة غير تجارية خلال الأعوام الخمسة عشرة الماضية، يمثل الاتفاق العالمي للأمم المتحدة منبع لطاقة القطاع الخاص التي يمكن استخدامها لتحقيق الرؤية الجديدة.
من هذا المنطلق، أود أن ألقي الضوء على بعض من أهم عناصر جدول الأعمال العالمي الجديد 2030 والتي يمكن أن يكون لمجتمع الأعمال كبير الأثر في تحقيقها:

من أهم هذه العناصر وأكثرها وضوحاً هو تمكين المرأة. فطبقاً لجدول أعمال 2030 "يجب أن تحصل النساء والفتيات على درجة مساوية من جودة التعليم والموارد الاقتصادية وفرصة المشاركة في الحياة السياسة وكذلك فرصة متساوية مع الرجال في التوظيف والقيادة وصنع القرار." وقد تم توثيق نماذج الأعمال التي تشير إلى زيادة المشاركة النسائية في القوة العاملة، إلا أن الأدلة السائدة تشير إلى أننا لازلنا في بداية الطريق.

على سبيل المثال، وكما هو وارد في التقرير الصادر عن مبادرة بيرل بالتعاون مع الاتفاق العالمي للأمم المتحدة في وقت سابق هذا العام، فعلى الرغم من أن عدد الإناث الملتحقين بالتعليم العالي يزيد على عدد الذكور في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن نسبة مشاركة الإناث إلى الذكور في القوة العاملة أقل بكثير. ولا يصعب تحديد سبب واحد على الأقل لهذه الظاهرة، حيث خلصت الدراسة إلى أنه بينما تطمح نسبة 50% من النساء المشاركات في الدراسة إلى الوصول إلى مناصب الإدارة العليا ومجالس الإدارة إلا أن 27% منهن فقط يعتقدن بأن المؤسسات التي يعملن بها تعتزم تعيين النساء في المناصب العليا. وعليه، يتعين على قادة الأعمال بذل المزيد من الجهد لسد هذه الفجوة في التوقعات إذا ما أرادوا تحقيق هذه القيمة العالية.

لطالما كانت القضايا البيئية قابعة في قلب التنمية المستدامة، لذا يشتمل جدول أعمال 2030 على "عالم يشهد أنماط استهلاك وإنتاج واستخدام كافة الموارد – من الهواء إلى الأرض ومن الأنهار والبحيرات إلى البحار والمحيطات- بصورة مستدامة." ومع المشاكل الآخذة في الظهور، تقوم الحكومات والشركات في العديد من الدول بإجراء تغييرات هامة بغرض تحسين مستويات الاستدامة في استخدامها للموارد الطبيعية. في واقع الأمر، يتوقع التقرير الصادر هذا العام عن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة أن مستويات الطاقة المتجددة المستهدفة والمعلن عنها في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي سوف تؤدي إلى الحد من كمية المياه المستخدمة في توليد الطاقة الكهربائية بنسبة 22 بالمائة بحلول عام 2030.

يشتمل العمل نحو تحقيق الاستدامة أيضاً على إيجاد العديد من الفرص التجارية. فطبقا للتقرير الصادر عن مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة عام 2013، قد تصل قيمة فرص الأعمال العالمية في قطاع الاستدامة حوالي 3-10 تريليون دولار سنويا في عام 2050. وتعد شركة مصدر، الكائن مقرها في أبوظبي والعاملة في مجال تطوير تقنيات الطاقة المتجددة وتحويلها إلى أعمال تجارية، مثالاً على شركة محلية تأسست للاستفادة من الإمكانية الاقتصادية للاستدامة في الوقت الحالي وفي المستقبل.

في الختام، تلعب الأعمال دورا فريدا في المساعدة في نشر منافع التنمية المستدامة للجميع. يتصور جدول أعمال 2030 "عالماً يشهد احترام حقوق الإنسان وكرامته وتطبيق القانون والعدالة والمساواة وعدم التفرقة." ويمثل ذلك حلقة وصل مباشرة مع "تحقيق أقصى الإمكانات الإنسانية" ذلك إلى جانب هدف تحقيق "الرفاهية المشتركة". إن هذا هو جوهر النمو الشامل وهو ما يضمن حصول جميع البشر على فرصة جيدة للاستفادة من التنمية الاقتصادية.

يمكن لجميع الشعوب والدول والأقاليم العمل بصورة أفضل على الوفاء بهذا الوعد. يتعين علينا قبول حقيقة أنه يمكن تجنب جزء من حالة عدم الاستقرار التي تشهدها منطقتنا إذا تمت إتاحة فرص اجتماعية واقتصادية على نطاق أوسع. إضافة إلى ذلك، فإن أزمة اللاجئين المتزايدة تصيب الحكومات والمنظمات غير الحكومية بالحيرة، وتشير إلى عالم لا يشعر فيه الأشخاص بالتفاؤل بالمستقبل لأنفسهم أو لعائلاتهم. هذه هي التحديات المعقدة التي نواجهها، ولكن يتعين على الشركات ذات الحوكمة الجيدة لعب دور هام في إيجاد الحلول من منطلق كونها مسؤولة عن إيجاد فرص العمل وتعزيز الأنشطة الاقتصادية.

عندما تم الكشف عن الرؤية العالمية الجديدة للتنمية المستدامة الشهر الماضي، أشار الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، إليها على أنها "جدول أعمال الشعوب". وهي حقاً تعد دعوة للشعوب في كافة أنحاء العالم لاتخاذ خيارات كبيرة وصغيرة تعود بالنفع على الأجيال المستقبلية. ومع ذلك، تعد هذه الرؤية أيضا جدول أعمال للشركات، فالشركات هي في النهاية مجموعة من الأشخاص يعملون معا لتحقيق هدف مشترك. ومع تطلعنا نحو المستقبل في منطقتنا وما وراءها، نجد أن الأعمال ذات النظرة البعيدة التي تتبنى هذه الرؤية الطموحة هي التي ستحصد الفائدة التي سوف تعود من تحقيق عالم أكثر استدامة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND