مهارات وأفكار

آخر مقالات مهارات وأفكار

تعتبر النفس البشرية المسؤولة عن توجيه الإنسان



غسان جبر
غسان جبر
نائب مدير عام "البنك الإسلامي العربي" في رام الله منذ 2015.ش..

كم مرة قررنا الذهاب الى النادي الرياضي وأجلنا التنفيذ مختلقين شتى انواع الذرائع؟ كم مرة قررنا التسجيل لدورة ما، أو اتباع حمية معيّنة، أو إكمال دراستنا الجامعية، أو حتى على صعيد بعض المهام اليومية، سواء كانت مرتبطة بالعمل أو التحصيل العلمي، وكذلك على المستوى الشخصي أو الاجتماعي أو العائلي وفشلنا أو أجلنا التنفيذ لساعات، أو أيام، أو شهور، أو حتى لأعوام؟ 

ما السبب؟ ما الذي يحدث داخلنا؟ ما هو هذا الصراع الداخلي الذي نعيشه كل مرة نتخذ قراراً جديداً بدءاً من قيامنا بتنفيذ أحد الواجبات المدرسية أو الجامعية، أو حتى بعض القرارات الشخصية، وانتهاءً بأي قرارٍ استراتيجي قد يؤدي إلى تغيير مطلوب في حياتنا؟ دائما نواجه مقاومة داخلنا لهذه القرارات بالرغم من اقتناعنا بضرورتها. وبعد ذلك، نتساءل: لماذا لا ننجح؟ أو لماذا لا نقوم بعمل ما ونحن نعلم بأنه ضروري لنا؟

كم يواجه القادة صعوبة في توجيه أعضاء فرقهم للقيام بالأعمال الموكلة إليهم. لماذا لا يوجد لدى أعضاء الفريق نفس الرغبة والحماسة لتنفيذ الأعمال بنفس الدرجة التي توجد لدى القائد؟

لماذا تتولد هذه المقاومة الداخلية في أنفسنا؟ من أين لها هذه القدرة لتعمل بصورة ممنهجة ومنظمة بحيث تقيس مدى اندفاعنا نحو عمل ما ومن ثم تحدد طريقة مقاومته بناء على قوة هذا الاندفاع؟ فإذا كان هذا الاندفاع كبيراً، ستبدأ بمحاولة التأجيل ومن ثم التقليل من عدد المرات، ثم تبدأ بمحاولة إقناعنا بعدم ضرورة هذا العمل، وصولاً للتوقف نهائياً عنه. وإذا كان هذا الاندفاع بسيطاً، فستقاومه فوراً وبكل سهولة.

لكن الغريب في الأمر، هو أن هناك أعمالاً أخرى نقوم بها دون أن نواجه أية مقاومة داخلية، وإنما نقوم بها بسهولة دون أي تفكير. ما هي هذه الأعمال ولماذا لا تواجه أية مقاومة؟

بالنظر إلى أعمالنا بشكل عام، فإنها تنقسم إلى أعمال مرتبطة بالغرائز الإنسانية نقوم بها بشكل غريزي مدفوعين بإرادة فطرية دون مواجهة أية مقاومة، بل على العكس، نستمتع في تنفيذها. وهناك أعمال غير مرتبطة بالغرائز، كالنجاح في الدراسة أو العمل أو العلاقات الإنسانية، أو حتى على المستوى البدني، كالرياضة أو تنزيل الوزن، وهي الأعمال التي في العادة نواجه مقاومة في تنفيذها كونها لا تلبي أية حاجة غريزية فورية.

وتقسم الغرائز الإنسانية إلى غرائز مرتبطة بالحاجات، مثل غريزة الأكل والشرب، والزواج، واكتساب العادات، وحب التفوق، والتطلع نحو الحرية. وغرائز مرتبطة بالتخوّفات، مثل غريزة الغضب وغريزة الخوف.

ووُجِدت هذه الغرائز في الكائن البشري لضمان استمرار وجوده وتفوّقه، حيث أنه سيحتاج إلى الأكل والشرب ليعيش، والزواج ليتكاثر، واكتساب العادات وحب التفوّق كي يتطور ويضمن بقاء الأعداد المتزايدة نتيجة هذا التكاثر، وسيحتاج إلى التطلع نحو الحرية والخوف والغضب لأنه دونها سيقضي على نفسه.

وتعتبر النفس البشرية المسؤولة عن توجيه الكائن البشري باتجاه إشباعها من هذه الغرائز، والتي، كما ذكرنا، ضرورية من أجل بقائه واستمراريته.

وبالنظر إلى الأعمال التي تؤدي للحد المقبول من النجاح فإن معظمها يندرج تحت الأعمال الغير مرتبطة بالغرائز، بمعنى أنها ستواجه بمقاومة داخلية قوية من النفس البشرية، وهذه المقاومة تسير باتجاهين، الأول دفع النفس للانسان باتجاه الإشباع اللانهائي من الغرائز، بحيث لا يوجد حد تقف عنده هذه النفس لتكتفي من هذا الإشباع. والثاني مقاومة النفس لأي عمل يقوم به الإنسان لا يؤدي إلى إشباعها من هذه الغرائز، بحيث يبقى ضمن جاهزية كاملة بانتظار رغبتها في القيام بأي عمل لإشباعها من غرائزها. 

جميعنا نجحنا في التغلب على هذه المقاومة، لكن بدرجات متفاوتة. بدليل أن هناك الكثير من الأعمال التي نقوم بها والتي لا تندرج تحت إشباع النفس من الغرائز، حيث أننا نكون قد واجهنا مقاومة في بداية القيام بها، لكن تغلبنا على هذه المقاومة ونجحنا في إدراجها ضمن أعمالنا اليومية. وقد يكون ذلك حصل بطريق الصدفة أو نتيجة ضغوطات معيّنة، أو قد يكون أخذ منا أكثر من الوقت اللازم لذلك. لكن بما أن ذلك حصل، فما المانع من أن يتكرر؟ وما المانع أيضا أن يتكرر بصورة ممنهجة؟ بحيث نقوم به وقت اللزوم وبالسرعة والكفاءة المطلوبة. وحتى يتحقق ذلك، علينا القيام بما يلي:

أولاً:

وضع استراتيجية لتنفيذ العمل المطلوب من حيث ربطه بغريزة أو بمجموعة من الغرائز، بحيث تدفع النفس الإنسان باتجاه القيام بهذا العمل بدلاً من مقاومته. ومن الأمثلة على ذلك عدم قدرتنا على القيام بعمل ما في الوقت الذي نستغرب فيه قيامنا بنفس العمل تحت تأثير غريزة الخوف مثلاً. كالشخص الذي يقفز من مكانٍ عالٍ هرباً من خطر معيّن بينما لا يستطيع أن يقفز من نفس المكان بعد زوال هذا الخطر.

وكذلك توقع درجة قوة مقاومة النفس لهذا العمل ومحاولة تخفيضها الى الحد الأدنى.

ومن الأمثلة على ذلك، المقاومة التي نواجها جميعاً قبل وأثناء التوجه إلى النادي الرياضي، والتي ستعمل كما ذكرنا بصورة ممنهجة، فهي لن تبدأ بالمقاومة في المراحل الأولى لأننا في العادة نبدأ متحمسين، وهذه الحماسة تقودنا إلى اعتماد برامج قاسية وصعبة، لكن هذه المقاومة ستنتظر إلى تراجع حماستنا والبدء بالشعور بالتعب بسبب هذا البرنامج القاسي، لتبدأ بمحاولة التأجيل، ومن ثم التقليل من عدد المرات ثم تبدأ بمحاولة إقناعنا بعدم ضرورة هذا العمل، وصولاً للتوقف نهائياً عنه.

وللتغلب على هذه المقاومة، يجب علينا وضع برنامج معقول قبل التوجه إلى النادي الرياضي، يعتمد على الاستمرارية لا على تحقيق نتائج واضحة وسريعة، خصوصاً في المراحل الأولى، بحيث لا يكون متعباً أو قاسياً لتفويت الفرصة على النفس لاستخدام ذلك في مقاومة هذ السلوك. ثم بعد ذلك من الممكن تطوير هذا البرنامج تدريجياً بمرور الوقت، بحيث تصبح عادة الذهاب إلى النادي الرياضي جزءاً من عاداتنا اليومية التي نقوم بها دون أي تردّد، وبعد ذلك نستطيع تطوير هذا البرنامج بما يتناسب مع احتياجاتنا وبشكل تدريجي، حتى نصل إلى المستوى المطلوب.

ثانياً:

خلق وتقوية خطوط دفاع أخرى داخلنا، مثل:

  • قوة العقل.

يعتبر العقل مخزن المعلومات ليقوم باستخدامها وقت الحاجة وربطها منطقياً بدايةً لخدمة النفس في إشباعها من الغرائز، وذلك بشكل فطري، ومن ثم يقوم وبحسب نسبة تحصيله وذكائه وقدرته على التحليل والربط بمحاولة الوقوف أمام النفس لإرغامها على عدم مقاومة أي عمل يقتنع هذا العقل بضرورة القيام به، بغض النظر عن كون هذا العمل مرتبطاً بالغرائز أم لا. وهنا يشكل العقل خط الدفاع الأول أمام النفس. ويمكن تقوية خط دفاع العقل من خلال التواجد ضمن بيئة ذكية لتحسين نسبة الذكاء، وكذلك زيادة مستوى التحصيل المعلوماتي من خلال الوسائل المكتوبة والمرئية والمسموعة.

  • قوة العواطف والمشاعر الإنسانية.

     قد يستخدم العقل بطريقة عكسية بحيث تسيطر عليه النفس وتوظفه لخدمة إشباعها من الغرائز، بحيث يبدأ ابتكار طرق جديدة ومتطورة تؤدي للمزيد من إشباع هذه النفس من الغرائز. ومن الأمثلة على ذلك استخدام العقل في ابتكار طرق متطورة في عالم الإجرام، كالسرقة والقتل.

ولتفادي ذلك، وجدت محركات أخرى لدى الإنسان، كالعواطف والمشاعر الإنسانية، والتي تعتبر أحد المحركات الهامة التي تدفعنا باتجاه تنفيذ بعض الأعمال الغير مرتبطة بالغرائز بدافع العاطفة فقط، بحيث تكون هذه العواطف أحد خطوط الدفاع المهمة التي ستقف أمام النفس في حال حاولت النفس مقاومة أياً من هذه الأعمال.

ومن الأمثلة على ذلك، ما نقوم به من أعمال غير مرتبطة بالغرائز تجاه من نحب، كأفراد العائلة والأصدقاء، وكذلك تجاه من نتعاطف معهم كأصحاب الاحتياجات الخاصة أو من يمرون بأزمات طارئة، حيث تلعب العواطف والمشاعر الإنسانية دوراً رئيسياً في مقاومة النفس، كحفاظنا على صحتنا من أجل من نحب، من خلال المواظبة على اتباع حمية معينة أو توجهنا إلى النادي الرياضي. وكذلك قبولنا بواقع صعب على المستوى المهني أو الاقتصادي، لا لشيء وإنما فقط لإرضاء لمن نحب.

وبالرجوع إلى سيطرة النفس على العقل، فإن العقل بحاجة إلى من يسانده في مقاومتها ومنعها من تسخيره لخدمتها، وهنا ستلعب العواطف والمشاعر الإنسانية هذا الدور، حيث أن العواطف والمشاعر الإنسانية في حال توفرت لدى الإنسان، فإنها بالتأكيد ستمنعه من ممارسة بعض الأعمال التي قد يقرر العقل القيام بها تحت تأثير النفس، كالقتل والسرقة.

  • الروح.

هل يكفي اتحاد العقل والقلب في مقاومة النفس أمام تنفيذ الأعمال الغير مرتبطة بغريزة من الغرائز؟ قد تنتصر النفس مرة أخرى عليهما معاً، كقدرتها على إقناعهما بأن السرقة من الأعداء عمل جيّد، أو أن في السرقة من الغني وإعطاء الفقير عمل لا غبار عليه، وكذلك الحال في التخلص من الأشخاص السيئين دون الرجوع إلى القوانين والتشريعات التي تنظم ذلك. وكذلك، قد تدفعنا عواطفنا إن تحكمت فينا لاتخاذ قرارات قد تضر بنا أو بمن نحب إذا اتخذت بمعزل عن العقل كسكوتنا عن بعض عادات أبنائنا السيئة، أو حتى عدم لجوئنا إلى استخدام العقاب الإيجابي كحرمانهم من استخدام الهواتف الذكية عقاباً لهم على التراجع الأكاديمي بسبب حبنا الشديد لهم.

وهنا يأتي دور الروح التي ترمز إلى ما وراء الطبيعة، من حيث عدم ارتباطها بحاجات فسيولوجية أو عاطفية، حيث تتجلى الروح في الدين، والأخلاق، والعادات، والتقاليد، والمسؤولية الاجتماعية، والوطنية، واحترام حقوق الغير، حيث تقوم هذه الأمور إن وجدت في أي شخص ليس فقط بالحد من مقاومة النفس، وإنما بالسيطرة عليها، وإعادتها إلى حجمها الطبيعي الذي وجدت من أجله، وهو تحريك جوارح الإنسان باتجاه إشباعها من الغرائز، بالحد الذي يضمن للإنسان بقاءه واستمراريته فقط.

فالأشخاص الذين يتمتعون بالقدر الكافي من المبادئ المرتبطة بالأخلاق، واحترام الدين، والعادات والتقاليد، وتحمل المسؤولية الاجتماعية والوطنية لن تمنعهم أنفسهم من تنفيذ أي عمل ينسجم مع هذه المبادئ، كما لن تقف قلوبهم ولا عقولهم حائلاً دون ذلك.

الخلاصة:

إن نجاح الإنسان في الحد من مقاومة نفسه لا يضاهيه أي نجاح، لأنه بذلك يستطيع إضافة أي عمل جديد يدفع به نحو التقدم والنجاح إلى قائمة أعماله الروتينية. وحتى نصل إلى النجاح المطلوب لابدّ لنا من تطوير عقولنا، والاحتفاظ بقدرٍ كافٍ من العواطف والمشاعر الإنسانية. أما الأشخاص الذين يسعون إلى الحصول على الحد الأقصى من النجاح ويحققون معه قدراً من السعادة، فعليهم التحلي بمجموعة المبادئ المرتبطة بالأخلاق، واحترام الدين والعادات والتقاليد، وتحمل المسئولية الاجتماعية والوطنية.

وذلك يجعلنا أكثر قدرة على إدارة الآخرين، حيث أن القائد الجيد هو الذي يستطيع توجيه أعضاء فريقه باتجاه تنفيذ الأعمال الموكلة إليهم من خلال معرفته بغرائزهم المرتبطة بالحاجات والتخوفات، ومن ثم يعمل على إقناعهم بالممارسة العملية بأن إشباعهم من هذه الحاجات أو حمايتهم من هذه التخوفات بيده هو حيث سيؤدي ذلك إلى قيامهم بتنفيذ جميع هذه الأعمال وهم سعداء بذلك.

والقائد الأفضل هو الذي يستطيع أن يخلق في أعضاء فريقه حاجات وتخوّفات جديدة ومتجددة، تجعلهم يستمرون في تنفيذ تلك الأعمال وهم أكثر سعادة.

أما القائد الأفضل على الإطلاق، فهو القائد الذي يضيف إلى ما ذكر تنمية وتطوير أعضاء فريقة على المستوى الذهني، من خلال تحسين نسبة ذكائهم وزيادة تحصيلهم، وكذلك إشاعة روح المحبة والمشاعر الإنسانية بينهم، بالإضافة إلى بث روح الأخلاق والعادات والتقاليد والمسؤولية الاجتماعية والوطنية بينهم، بحيث يصلون إلى مرحلة تنفيذ الأعمال الموكلة إليهم بالحاجة إلى الحد الأدنى من الرقابة والتوجيه.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND