إعلام

آخر مقالات إعلام



نورة الكعبي
نورة الكعبي
وزير الثقافة وتنمية المعرفة في الحكومة الاتحادية للإمارات ال..

رغم أن الكثير منّا ولدوا في عصر الثورة الصناعية وشهدوا ظهور العديد من الاختراعات التي غيّرت وجه العالم، فمع بزوغ فجر عصر التكنولوجيا الرقمية التي أصبحت المعيار الجديد الذي غيّر وجهة البشر ونظرتهم إلى الأشياء أصبحنا نعيش تحولاً كبيراً ومختلفاً عن كل ما سبق. فعلى سبيل المثال نجد أن الغالبية العظمى من الشركات- بما فيها تلك العاملة في قطاعي الإعلام والترفيه- تضع نصب أعينها عند التخطيط ووضع الميزانيات كيف يمكنها الوصول إلى العملاء من خلال استخدام الوسائل الرقمية المتصلة بشبكة الإنترنت لإدراكها أن الغالبية العظمى من الناس باتت على اتصال دائم بالإنترنت وفي كل مكان لا سيما بعد الانتشار المتزايد للهواتف الذكية.

وتظهر دراسة قامت بها شركة Accenture، بأن بداية هذا العام ستشهد تحوّل معظم نفقات أقسام تكنولوجيا المعلومات إلى دوائر التسويق في أغلب الشركات، وهذا مؤشر على تنامي التأثير الذي يفرضه التطور الرقمي على المهن الأخرى. ومن الطبيعي أن يترتب على ذلك زيادة الطلب على الموظفين من أصحاب المهارات والمعارف الرقمية. فعلى سبيل المثال، ثمة العديد من الأبحاث التي تجري في اتجاه اعتماد التطبيقات لتلبية احتياجات المستهلك ومحاولة الابتعاد قدر الإمكان عن المواقع الألكترونية الرقمية الذي كان طوال عقد من الزمن هو أداة التواصل مع جميع المؤسسات تقريباً في القطاعين العام والخاص، فمن شأن التطبيقات جذب الأفراد بفضل مزايا الخصوصية التي تتمتع بها، وجعل العلامات التجارية أقرب إلى عملائها. لكن هذا لا يعني الاستغناء عن المواقع الإلكترونية التقليدية وإنما يؤشر إلى زيادة الرغبة في تطوير التطبيقات من قبل الشركات والمستهلكين على حد سواء، وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى ازدياد الطلب على العاملين في مجال البرمجة التقنية.

في صناعة الإعلام، يحمل التحول إلى النظام الرقمي تحديات محددة، وأهمها الربح المادي، أي كيف يمكن للشركات كسب المال من وراء ابتكار المحتوى أو عبر المنصات التي يتم إنشاؤها لتكون مشروعاً منتجاً يدرّ المال فعلى سبيل المثال، استخدمت وكالات الأنباء التكنولوجيا الرقمية لتحقيق عوائد مادية من خلال إدراكها لحاجة الجمهور للخبر وبحثه عن المعلومة من خلال الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية. لذلك أعتقد أن تطوير منهجية العمل في هذا المجال واستثمار التطور التقني هو أمر جيد يؤدي إلى تحقيق التوازن بين الحاجة إلى الحصول على الأخبار والعائدات التجارية. وهنا لا بد من تسليط الضوء على نقطة مهمة ألا وهي أن الشركات في ظل العصر الرقمي باتت بحاجة إلى أكثر من مجرد مبرمجين محترفين، بل أصبحت تحتاج إلى مبرمجين يتمتعون بالعقلية التجارية، بإمكانهم تحويل أفكارهم إلى منصات رقمية وتطبيقات تخلق فرص عمل جديدة وتعود بالأرباح على المستثمرين. لكن في ظل زيادة استخدام الهواتف المتحركة قد يكون جني الأرباح أمراً أصعب بكثير، لذلك أعتقد أننا سنشهد زيادة الطلب على توظيف الأشخاص الذين يتمتعون بمهارات في تخطيط استراتيجية الأعمال وإدارة العمليات التطويرية وذلك لمساعدة الشركات في تحقيق الربح المنتظر.

لقد أحدثت شركة Netflix المتخصصة بمشاهدة الأفلام عن طريق الإنترنت، قفزة كبيرة في إمكانية تطويع التكنولوجيا الرقمية لخدمة الأهداف التجارية، وتساءل الكثيرون عن مدى تأثير ذلك على صناعة السينما برمتها، وبطبيعة الحال فإنه ثمة لاعبون جدد سيستثمرون هذا الوضع، وخاصة مطوري الأجهزة الذكية التي لا بد وأن تتماشى مع كل ما هو جديد في السوق. لقد بدأت شركة Netflix ممارسة أعمالها في دولة الإمارات مؤخراً إلى جانب 130 دولة أخرى، بغية تحدي النموذج التقليدي في توزيع الأعمال التلفزيونية والسينمائية، وأدرك القائمون على الشركة بأن هذا الأمر يبدو ممكناً في ظل تزايد استخدام التكنولوجيا الرقمية في الحياة اليومية، حيث تبلغ نسبة الأسر التي تستخدم الإنترنت داخل المنازل 50 بالمائة على مستوى العالم، وتصل هذه النسبة إلى 80 بالمائة في أوروبا. ولكن رغم كل ذلك تبقى صناعة الأفلام محتفظة بتقاليدها، فلا بد من وجود مبدع الموسيقى التصويرية ، واختصاصي التجميل الذي يشرف على المظهر العام للشخصيات، والقانوني المشرف على عقود العمل ، والإعلامي المشرف على الترويج وتسويق العمل المراد انتاجه، وغيرها من العناصر الفنية، وهي متطلبات لا يمكن أن تعوضها التقنيات الرقمية ، لذلك ستكون المهارات غير الرقمية مطلوبة على الدوام لتحويل الأفكار الإبداعية إلى منتجات ذات محتوى متميز، حتى لو كانت مخصصة للتداول الإلكتروني. فلكل صناعة سلسلة من المتطلبات والاحتياجات التي تحدد ماهية نجاحها واستمرارها، ويساهم التنوع الموجود في صناعة الإعلام والترفيه إلى تنويع المحتوى وبالتالي تعدد فرص العمل المتاحة.

في المحصلة، لا بد من التسليم بأن العصر الرقمي الذي نعيش فيه يتطلب وجود مهارات وفرص عمل جديدة لم تكن متداولة أو معروفة في السابق، لكن ذلك لا يعني تراجع الأدوار الأخرى، فالمهارات الرقمية لا يمكنها وحدها أن تصنع فيلماً أو أن تؤلف أغنية أو أن تخطّ كتاباً، لذلك فنحن بحاجة إلى أشخاص من جميع التخصصات للمساهمة في تطوير صناعة الإعلام والترفيه.

ختاماً، أود أن أقول أن صناعة الإعلام والترفيه متغيرة تبعاً لمتطلبات العصر والتطور التقني وهي صناعة تواكب المستجدات وتستفيد من تطويعها لجذب الجمهور، لذلك لا بد للعاملين في هذا القطاع أن يكونوا متيقظين دائماً لكل ما هو جديد وأن يسخّروا نقاط القوة التي تتمتع بها الصناعة الإعلامية لتحقيق أقصى فائدة من التطورات التكنولوجية الحديثة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND