تجارة واستثمار

آخر مقالات تجارة واستثمار



طلال ملك
طلال ملك
رائد أعمال ومستشار في مجالات الحوكمة، والذكاء والتأثير الاست..

تخيّل مصباح البلازما، الذي أبدعه نيكولا تيسلا، العالم الذي إستقرأ المستقبل. نواة المصباح هي كرة مفردة، تمثّل التقارب (Convergence). والشحنات الكهربائية الصادرة من الكرة وإليها تمثّل الزعزعة (Disruption). وعند تكبير هذه الشحنات يتبيّن أنها غير متماثلة -أي أنها مستقلة في الاتجاه ومختلفة في الحجم- ما يمثّل التباعد (Divergence).

إنّ التغيير التحوّلي (Transformational Change)، وهو حصيلة الانتقال من التباعد فالزعزعة فالتقارب، يؤثّر في عالمنا ووظائفنا ومعيشتنا وحياتنا. ويشير كلاوس شواب من المنتدى الاقتصادي العالمي إلى زمننا على أنه عصر الثورة الصناعية الرابعة، بينما يسميه إريك شميدت وجارد كوهين من شركة غوغل آيدياز Google Ideas (التي أصبحت الآن جيغسو Jigsaw) "العصر الرقمي الجديد." وبالتالي فإن تسخير الزعزعة هو التحدي الرئيسي في يومنا هذا.

وإدراك حالات الزعزعة هو الخطوة الأولى. وفي الحقيقة، فإن التشبيه الأنسب لإعطاء مثالٍ عن الزعزعة يمكن أن يُطلق عليه اسم "الفيل الأسود الطائر".

الفيل الأسود الطائر عبارة عن مزيجٍ بين "الفيل الموجود في الغرفة" (وهو كناية عن مشكلة تحاشى الجميع معالجتها رغم وضوحها)، و"البجعة السوداء" (وهي كناية عن أمر بعيد الاحتمال وغير متوقع وتكون له عواقب هائلة)، و"التمساح الطائر" (وهو كناية عن حدثٍ مستبعد إلى درجة أن احتمال حدوثه شبه معدوم).

ووفقاً للخبير في الابتكار أليك روس فإنّ الفيل الأسود الطائر هذا يمكن أن يتمثل في الانتشار العالمي لواحدة من صناعات المستقبل، وهي السيارات الكهربائية ذاتية القيادة. الجمع بين ثلاثية الحقائق التالية يجعل هذه حالة الفيل الأسود الطائر ممكنة.

الحقيقة الأولى: تتمتع شركة غوغل بخبرةٍ في رسم الخرائط العالمية، وشركة آبل رائدةٌ في تكنولوجيا الهواتف المحمولة، وكلتاهما تسعيان لصناعة سياراتٍ ذاتية القيادة.

الحقيقة الثانية: شركة تيسلا موتورز التي يديرها المخترع الريادي إلتون ماسك تقوم حالياً بصناعة سياراتٍ كهربائية ذات مدى كهربائي يبلغ 320 كم، مع وجود خططٍ لمضاعفة هذه المسافة.

الحقيقة الثالثة: أكثر الوظائف شيوعاً في الولايات المتحدة على مستوى الولايات هي قيادة الشاحنات. ومع استبدال النفط بالطاقة الكهربائية، والاستغناء عن السائقين بصورةٍ كاملة، فإن أثر ذلك على الاقتصاد العالمي يمكن أن يكون مدمّراً للغاية. أو ربما يكون التأثير عَرَضياً، مثلما حدث في مشكلة العام 2000. حيث أنّ المجهول هو ما يجعل الاختلاف مثيراً للقلق.

والمثال الآخر حول الزعزعة يتعلّق بأحد سلوكيات الحضارة التي نقوم بها منذ ستة آلاف سنة: ألا وهي الكتابة.

فمع اتساع انتشار استخدام لوحات المفاتيح، أليس من الممكن أننا نشهد، وبل نساهم، بموت الكتابة اليدوية؟ فنلندا التي تتصدّر دائماً التصنيف العالمي للتعليم، سوف تُلغي الكتابة اليدوية تدريجياً عام 2016 لصالح مهارات الطباعة على لوحة المفاتيح في مدارسها. وفي حين أنّ البريطانيين البالغين العاديين لم يكتبوا بالقلم منذ أكثر من شهر، فإن واحداً من عشرة مراهقين في بريطانيا لا يملك قلماً من الأساس.

وبما أن التعريف الدقيق لمحو الأمية هو القدرة على القراءة والكتابة. فهل يحتاج ذلك التعريف الآن إلى التعديل ليصبح القدرة على القراءة والطباعة؟

وبينما تلفت نماذج التباعد النظر بشكل أكبر، كبروز سيئيّ الذكر "داعش" و"دونالد ترامب،" إلا أن نماذج الزعزعة (وهي مملة لكنها غير عادية)، هي التي ستؤدي إلى آثارٍ بعيدة المدى عالمياً.

التكنولوجياً هي أكثر الأدوات إثارةً للزعزعة، حيث أنها تهدِم وتكُبر في آنٍ واحد، ولا ينجو منها سوى من هم أكثر تنافسيةً وابتكاراً ومرونةً. وشركة بلاك بيري هي مثال حي لنتيجة الزعزعة في القرن 21.

ففي العقد الأول من الألفينيات، كانت هواتف بلاك بيري هي الهواتف الذكية الأكثر انتشاراً في العالم. وقد أحدثت ثورةً في مجال اتصالات الأعمال بفضل تشفير رسائل البريد الإلكتروني، وتصميمها المتين، ولوحة المفاتيح القوية، وتطبيق التراسل الآمن بلاك بيري مسنجر BBM. وفي عام 2007، كان أكثر من ثلث الهواتف الذكية التي يتم شراؤها في الولايات المتحدة من أجهزة بلاك بيري، وقُدّرت قيمة شركتها الأم بـ 40 مليار دولار.

وفي العقد الثاني من الألفينيات، واجهت الميزات الرئيسية لبلاك بيري تحدياتٍ من شركاتٍ مثل آبل وسامسونغ اللتان قامتا بالاستيلاء على مكانتها كأيقونةٍ للهواتف الذكية. وحلَّ عصر الهواتف ذات الوسائط المتعددة والشاشات الكبيرة التي تعمل باللمس، وأنظمة التشغيل المنافسة مثل نظاميّ أندرويد وآي أو إس (iOS)، وحلَّ تطبيق واتس أب محل برنامج بي بي إم (BBM.)

وفي عام 2013، كانت بلاك بيري على استعدادٍ لبيع نفسها مقابل 4.7 مليار دولار، أي حوالي عُشر قيمتها المقدّرة عام 2007. وفي المقابل، اشترت فيسبوك عام 2014 تطبيق واتس أب مقابل 19.3 مليار دولار. لكن من الواضح وجود حاجة واضحة لأجهزة بلاك بيري حتى الآن، والرئيس الأميركي باراك أوباما هو أشهر زبائنها.

وبينما أدى موقع لينكدإن إلى إحداث أكبر زعزعة في صناعة توظيف المهارات، فإن صناعة الاستشارات تجاوزت الآن حافة الزعزعة. فمجموعة مونيتور غروب (Monitor Group) التي شارك في تأسيسها خبير الأعمال في هارفارد مايكل بورتر أعلنت إفلاسها عام 2012، واستحوذت عليها فيما بعد شركة ديلويت (Deloitte)، بينما استحوذت شركة بي دابليو سي (PwC) على شركة بوز آند كو (Booz & Co) عام 2014. وقد قال المدير التنفيذي في شركة ماكينزي غلوبال (McKinsey’s Global) دومينيك بارتون إن ما يصل إلى 40% من الأعمال التي ستقوم بها الشركة خلال ثلاث سنوات سوف يختلف اختلافاً تامّاً عمّا تقوم به الآن.

أمّا التقارب، في المقابل، فيقوم على تفاؤل متجذر في الواقع.

كان عالم الاقتصاد جيفري ساكس قد تحدث قبل عقدٍ من الزمن عن "عصر التقارب"، الذي أصبح الآن "عصر التنمية المستدامة"، بناءً على الأهداف العالمية التي وضعتها الأمم المتحدة لعام 2030. وللتغلب على الانحرافات المشابهة لانحراف داعش، وصف الدبلوماسي المخضرم هنري كيسنجر كيف يمكن المساعدة في تحقيق نظامٍ عالمي جديد من خلال توازن القوّة بين وجهات النظر المختلفة حول الحوكمة العالمية.

وسوف يشهد العام 2017 نصيبه العادل من الأحداث التي إما سوف تُعيق أيّ تصوّرٍ للتقارب أو تعيد تأكيده. أما في العام القادم، ستتضمن هذه الأحداث التاريخية تعيين أمينٍ عامٍ جديد للأمم المتحدة، وانتخاب رئيسٍ جديد للولايات المتحدة، واحتمال تولّي قادة جدد الحكومة في كلٍّ من فرنسا وألمانيا وإيران، وإجراء استفتاءٍ على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك فإن أفضل تدابير التقارب الحقيقي تكمن على المدى الطويل، وينبغي أن تركّز -كما هو حال الأهداف العالمية- على القضاء على الفقر، واحترام الإنسانية من خلال العدالة، وإنقاذ كوكبنا.

والطريقة التي نقود بها قوى الزعزعة ونغتنمها سوف تحدّد في نهاية المطاف مدى نجاحنا في الوصول إلى غايات التقارب في يومنا هذا، وفي عصر التنمية المستدامة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND