تجارة واستثمار

آخر مقالات تجارة واستثمار

تبني برامج تقشفية في موازناتها العامة



الاقتصادي – خاص:

غيّر انخفاض العائدات النفطية ملامح الساحة المالية في دول المنطقة، ونبهت إلى مخاطر الاعتماد المفرط على سلعة تصديرية واحدة، ما جعل من تنويع دول الخليج مواردها الاقتصادية والعمل على رفع معدلات نمو قطاعاتها الاقتصادية غير النفطية، أمراً ملحاً.

وعليه، اتجهت اقتصادات معظم دول "مجلس التعاون الخليجي" نحو نموذج اقتصادي متنوع الموارد يقوده القطاع الخاص، بعيداً عن الاعتماد التقليدي على العائدات النفطية والإنفاق الحكومي.

ولاحظ تقرير "مجموعة اندوسويس" لإدارة الثروات التابعة لمجموعة "كريدي أغريكول"، انتشاراً واسعاً في أوساط حكومات دول "مجلس التعاون الخليجي" للدعوة الى الإبتكار.

برامج تنموية.. وتخطيط مبكر لوداع آخر قطرة نفط

وبدأت جميع الحكومات الخليجية طريقها نحو اتخاذ إصلاحات اقتصادية غير مسبوقة تتضمن تنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، ولكن تطبيق مثل تلك الإصلاحات الصعبة يحتاج لمزيد من الوقت، وجني ثمارها ربما يستغرق عدة عقود.

وتعتزم السعودية، صاحبة أكبر اقتصاد خليجي إعلان خطة شاملة لإعداد المملكة لعصر ما بعد النفط في 25 أبريل (نيسان) الجاري، تشمل عدة برامج تنموية واقتصادية واجتماعية، كما صرح ولي ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، ونقلته  "بلومبيرغ".

وكشفت الإمارات في يناير (كانون الثاني) عن خطتها لعصر ما بعد النفط، التي من شأنها تنويع الاقتصاد الوطني، وتحقيق توازن بين قطاعاته وبما يضمن استدامته للأجيال القادمة، وأعلن ولي عهد أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد ال نهيان خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، أن الدولة بدأت استعداداتها المبكرة لـ"وداع آخر قطرة نفط" في هذا البلد الذي يتجه استراتيجياً نحو مصادر الطاقة المتجددة بخطة كبرى تناهز قيمتها 82 مليار دولار.

وذكر خبير الاقتصاد السعودي، عبدالواحد الحميد لوكالة "الأناضول"، أن فكرة اقتصاد ما بعد النفط مطروحة خليجياً منذ عقود، ولكن لم يتم اتخاذ خطوات جادة سوى خلال الأشهر الأخيرة فقط نتيجة تزايد الضغوط على الموازنات العامة.

وسجلت بعض دول الخليج عجزاً في موازناتها لأول مرة، وبعضها لجأ للاقتراض علاوة على السحب من الاحتياطيات الدولية، وهو ما دفعها إلي تبني برامج تقشفية في موازناتها العامة عبر خفض الإنفاق وإصلاح منظومة دعم الوقود، وتنفيذ سياسات اقتصادية مثل، برامج الخصخصة، وتحرير بعض القطاعات، وفتحها أمام المستثمرين المحليين والأجانب.

وأضاف الحميد "الخطوات الأولى تم اتخاذها مدعومة بإرادة سياسية، ومن المتوقع مواصلة العمل من أجل تنويع مصادر الدخل لضمان الاستدامة في النمو الاقتصادي".

نجاحات سعودية وإماراتية

ويعد الاقتصاد الإماراتي الأكثر تنوعاً لناحية مصادر الدخل بين دول "مجلس التعاون الخليجي"، ويساهم النفط بـ30% من اقتصاد الإمارات، بينما كانت تمثل 90% في سبعينات القرن الماضي، وكانت الإمارات أول دولة خليجية تتخذ في يونيو (حزيران) الماضي قراراً بتحرير أسعار الوقود.

ودخلت المملكة، مرحلة التنويع الاقتصادي منذ نحو عقدين مستفيدة من قاعدة استثمارية صناعية بحجم 150 مليار دولار، فيما اتخذت مطلع هذا العام تدابير غير مسبوقة لخفض الدعم عن المشتقات النفطية، منها تعديل أسعار الطاقة المحلية، وتعرفة استهلاك الكهرباء.

ونوه الخبير الاقتصادي، بأن السعودية تتجه لزيادة حجم صندوقها السيادي، والدخول في استثمارات تصل لتريليوني دولار كخطوة جيدة نحو اقتصاد ما بعد النفط.

وتعتزم المملكة الإعلان عن أكبر تحول في السياسة الاقتصادية خلال عشرة أعوام، يتضمن بيع حصص في شركات حكومية كبرى، مثل "أرامكو"، وفتح الاستثمارات لتطوير الأصول غير المستغلة، كالحيازات الكبيرة من الأراضي والثروات في قطاع التعدين، فضلاً عن تحويل أجزاء من منظومة الرعاية الصحية الحكومية إلى شركات تجارية.

وأكد ولي ولي العهد وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان، أن حزمة الإصلاحات الجديدة التي تعتزم السعودية تنفيذها ستوفر على الأقل 100 مليار دولار سنوياً بحلول 2020، وستضاعف المداخيل غير النفطية للسعودية بثلاث مرات.

وكشفت الإمارات عن سياستها لمرحلة ما بعد النفط، وأطلقت عليها "السياسة العليا للعلوم والتكنولوجيا والابتكار"، التي تتضمن 100 مبادرة في القطاعات الصحية والتعليمية والطاقة والنقل والمياه والتكنولوجيا، بعيداً عن النفط، كما تهدف لمضاعفة الإنفاق على البحث العلمي 3 مرات حتى 2021، وطرح استثمارات بقيمة 300 مليار درهم، بحسب صحيفة "الإمارات اليوم".

ورأى أستاذ الاقتصاد بـ"جامعة الملك سعود" عاصم طاهر عرب، أن تفاقم أزمة أسعار النفط يستدعي وضع خطط عملية لمرحلة ما بعد النفط في الخليج، ومن الواضح أن الفترة الراهنة تتسم برؤية اقتصادية طويلة الأجل.

وأوضح أن قطاعات الصناعة والسياحة والتجزئة والطيران، تعتبر أحد أهم الركائز الهامة لدول الخليج للاعتماد عليها في مرحلة اقتصاد ما بعد النفط.

تطوير مؤسسات شاملة

بدوره، اعتبر الخبير الاقتصادي الكويتي عدنان الدليمي، أن تخلي دول الخليج عن الاعتماد على الخام، وتهيئة اقتصادها لعصر ما بعد النفط لن يكون بالأمر اليسير، ويتطلب المزيد من الوقت خصوصاً وأن هذه الدول اعتمدت على النفط بنسب ربما تتجاوز الـ80% من اقتصادياتها.

وتعد الكويت الأكثر اعتماداً بين دول مجلس التعاون على القطاع النفطي، ويشكل نحو 85% من إجمالي الناتج المحلي، فيما شكلت الإيرادات النفطية ما يفوق 83% من إجمالي إيرادات السعودية.

وتعتمد قطر على 70% من الإيرادات المالية جراء بيع النفط والغاز، وفي البحرين وسلطنة عمان تصل العوائد النفطية إلى نحو 25% من الناتج المحلي في الأولى و50% لدى الثانية.

وتحتاج دول الخليج إلى مراجعة فعلية لبناء اقتصادات لا يشكل النفط فيه عمودها الرئيسي، كما كان الحال على مدار العقود الماضية، من وجهة نظر الدليمي.

وطالب الخبير الاقتصادي الكويتي، الحكومات الخليجية بضرورة زيادة استثمارات القطاعين الخاص والأجنبي في قطاعات لا ترتبط بالطاقة مثل الصناعة، والنقل، والخدمات المالية، والصحة، والتعليم، والسياحة المرتبطة بنشاطات الأعمال.

وتساءل الخبير الاقتصادي العالمي والأكاديمي بـ"جامعة شيكاغو"، جيمس روبنسون، عن مدى نجاح دول "مجلس التعاون الخليجي" في وضع قرارات صحيحة لتطوير مؤسسات شاملة حتى تنوع اقتصادها، مشيراً إلى تجارب دول مثل أستراليا التي تعتمد على الموارد الوطنية كالذهب، والفحم، وبعض المصادر المتنوعة الأخرى، إضافة إلى استثمارها في مواطنيها من خلال تعليمهم، وخلق مجتمع قائم على المساواة بقدرات مجتمعية عالية.

وحسب رأي رئيس برنامج اقتصاد المعرفة بـ"معهد الدوحة للدراسات العليا"، يوسف داود، فإن دول الخليج لا تزال تعتمد بشكل كبير على العائدات النفطية، ولكن السعودية ودبي حققتا نجاحات كبيرة في تنوع القاعدة الإنتاجية.

وتخطط الإمارات وقطر لوضع الضرائب لزيادة العائدات غير النفطية، عبر سياسات مالية جديدة لتحقيق موازنة الحكومة.

التعلم من الماضي

وقال محافظ "البنك المركزي" التونسي السابق، مصطفي نابلي: "خلال الأعوام الأخيرة تعلمت معظم الدول النفطية من الماضي، وأصبحت تسعى لتقليل آثار تقلبات العائدات النفطية على ميزانياتها، ولا زال النمو مرتبطاً بشكل كبير على عائدات النفط ولكن بشكل أقل من العقود الماضية".

ولفت إلى أن الهند استطاعت مواجهة أزمة مالية خلال 1991، وأصلحت السوق ووسعت الاقتصاد، وما كان لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الهندي أن يحدث دون هذه الأزمة، ومثال آخر، هو تركيا التي عانت من سلسلة أزمات في 1999 و2000، وعليها وجد المسؤولون سياسات جديدة لإصلاح الاقتصاد.

الاستثمار في المواطن

ورأى رئيس لجنة الخبراء الاقتصاديين بـ"البنك الدولي"، شانتايانان ديفاراجان، أنه لا يمكن الإدراك بدقة توجه الاقتصاد بعد ثلاثين عاماً، مضيفاً "بمعنى آخر هذا لا يعني أنه عليك أن تخلق صناعة بتروكيماوية أو الكترونية في الوقت الحالي، ولكن تحتاج إلى أن تؤهل شعبك من حيث التعليم، في الحقيقة يجب الاستثمار في تعليم الجيل القادم لأنهم وحدهم من يستطيع أن يقرر كيف يمكنهم الاستثمار، نحن لا ندري ما هو المنتج الذي سيكون مهماً بعد 30 عاماً، ومثال على ذلك لم نكن نعلم أن الانترنت سيكون سلعة رئيسية قبل ثلاثين عاماً".

والإيجابيات الواضحة لانخفاض أسعار النفط هي أن الدول الخليجية بدأت في اصلاحات لم يكن من المتوقع القيام بها منذ وقت طويل، مثل إصلاحات بدائل الطاقة، وهذه ميزة ستجعل الاقتصاد أكثر قوة وفاعلية.

وينظر مسؤولون خليجيون لتدني أسعار النفط بعين التفاؤل، معتبرين أنها فرصة لدول المنطقة لإدخال إصلاحات اقتصادية ومالية.

واتخذت الإمارات أول إصلاح كبير لنظام تسعير الوقود خليجياً، حيث قامت برفع الدعم عن المنتجات النفطية، فيما قررت البحرين، التي تصدر كمية صغيرة من النفط، زيادة أسعار الوقود بأكثر من 50% بعد أن خفضت الدعم على الكهرباء.

وبدأت الكويت ببيع الديزل والكيروسين بسعر السوق في بداية 2015، وأكد أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح اتجاه بلاده لوقف دعم مواد أساسية كالوقود والمياه والكهرباء، ورفع أسعارها لمواجهة انخفاض أسعار النفط.

واتخذت السعودية، أول مصدر للنفط في العالم، تدابير غير مسبوقة لخفض الدعم عن مشتقات النفط.

يذكر أن "صندوق النقد الدولي" توقع وصول عجز الموازنات الحكومية لدول الخليج إلى 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2015، وأن يتراجع إلى 4% بحلول 2016 بعد اتخاذ إجراءات الترشيد.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND