تنمية

آخر مقالات تنمية



بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت البدايات الواضحة لمفهوم إدارة المشاريع على مستوى العالم، وفي المنطقة العربية أخذ هذا الفكر يتطوّر في منطقة الخليج العربي أولاً بسبب الثورة العمرانية، وفي سورية بدأ يرى النور منذ سنوات قليلة تركّزت في السنتين الماضيتين، ليظهر مصطلح إدارة المشاريع لدى الشركات السورية الخاصة ولتتسابق نحو تطبيقه مع الشركات الحكومية ومؤسساتها كأحد المجالات الجديدة لضبط الإدارة وخططها وتحديداً عبر ضبط معيار الوقت.

المقصود بإدارة المشاريع كما يرى الشريك المؤسّس بشركة فنشر للاستشارات وتطوير الأعمال ماهر الخضراء: إن لكل شركة هدفاً معيناً يجب أن يكون مرتبطاً بزمن معين، حيث تُستغل الموارد المتاحة لدي ضمن الوقت المحدّد، وإدارة المشاريع هي محاولة توازن بين هذه الضوابط الثلاثة مجال العمل وحجمه والوقت والموارد المتاحة للوصول للنتيجة المطلوبة.

فإدارة المشاريع لا تضمن نجاح المشروع لكنها ترفع من فرص نجاح المشروع، ويقول الخضراء: أنا لا أستطيع أن أضمن المستقبل 100%، ولكن بينما يكون النجاح عبارة عن صدفة أو أن أقدمه ضمن خطة عمل مستقبلية ترفع من فرص النجاح لأي مشروع.

ومن المهم اتباع الخطوات الصحيحة للمشروع، فكثير من الأحيان تبدأ الشركات بتطبيق مشاريعها قبل اكتمال الدراسة المستقبلية وبعد تنفيذ جزء من المشروع تُفاجأ الشركة بأن فكرة المشروع غير مكتملة أو أنها غير مناسبة للهدف المطلوب، ورغم ذلك تحسّن الوضع في سورية، إذ بدأ عدد من الأشخاص بترجمة أبحاث ودراسات أولية في إدارة المشاريع ليفهم الناس هذه اللغة. يقول المدير التنفيذي لإدارة المشاريع وتخطيط الأعمال بمجموعة الغبرة حسام ويس: الجيد أننا وصلنا لمرحلة لا بأس بها خلال سنوات قليلة، وارتفعت نسبة المتكلمين بإدارة المشاريع بعد أن كان عددهم قليلاً جداً، إضافة لترجمة برامج أولية في إدارة المشاريع لتدريسها للمبتدئين، والذي ساعد على ذلك الأشخاص الذين تلقّوا دراستهم خارج البلاد فهؤلاء يملكون الخبرة والقدرة على تنفيذ المشاريع بمستوى أعلى.

الوعي بأهمية إدارة المشاريع

ينقص إدارة المشاريع في سورية اتباع الأسس الصحيحة لإدارة المشاريع مهما كان حجمها سواء كانت تتبع لمؤسسات صغيرة أو متوسطة أو كبيرة، وهذا ما أجمع عليه الخبراء في إدارة المشاريع. تقول معاون خبير التدريب والمسؤول الأول عن البحث الإحصائي وسام مشهور: ينقص إدارة المشاريع اتباع الخطوات الصحيحة بدءاً من التعريف بالمشروع وأهدافه وموارده إلى التخطيط له والتنفيذ والتدقيق وتسليم الوثائق. بينما يرى الخضراء أن ما ينقص إدارة المشاريع هو التوعية بأهمية الوقت، وهذا ما يوافقه عليه حسام ويس ويضيف: أيضاً ينقصنا الدعم للدورات التدريبية والدعم للمدير المسؤول عن إدارة المشروع، وتدريب الإدارة نفسها.

توفير الهدر

"كلما قلّلت احتمالات المفاجأة في المستقبل قلّلت من الهدر" هذا ما يؤكّده ماهر الخضراء لمعالجة الهدر الذي يحدث في إدارة المشاريع من حيث الوقت والمال، ويتابع: الهدر يكون إما من قلّة التخطيط أو ضعف الإدارة، ومدير المشروع هو المسؤول الأكبر عن توفير الهدر بمهاراته الإدارية خاصة الهدر بالوقت فعندما يكون لدي عمال وأدفع لهم رواتب لكنهم لا يعملون، هنا أكون مساهماً بهدر الوقت وجهد العمال والمال بالتالي الهدر بإدارة المشروع.

بينما يرى حسام ويس أن الدعم الحكومي أو الخاص سبب توفير الهدر يقول: يجب أن يكون هناك جهة تدعم هذا الموضوع وألا يكون همها الربح، إضافة إلى أن الشركات يجب أن تفكّر بإدارة المشاريع كحل.

وتؤكّد الخبيرة وسام مشهور أن الالتزام بعناصر الهدف والوقت والتكلفة والجودة يضمن توفير الهدر في تنفيذ أي مشروع.

دورات تدريبية

في السنتين الماضيتين وكدليل على تطوّر مفهوم إدارة المشاريع في سورية قامت العديد من الدورات التدريبية في عدة محافظات منها حلب، دير الزور، إدلب، دمشق، والتقت مجلة الاقتصادي بطلاب الدورة التي أقامتها غرفة تجارة دمشق، إذ لاحظنا تنوّع الشركات المشاركة، تقول رهف اسعيد من شركة يوني فارما للأدوية: دراستي للتجارة والاقتصاد تتطلب أن أعرف الكثير عن إدارة المشاريع، إضافة إلى محاولة الشركة تطوير مشاريعها عن طريق إخضاعنا لدورات تدريبية في هذا المجال.

أما ميساء الطحان من شركة أجهزة فحص فني للسيارات تقول: منذ فترة قصيرة أصبح لدينا قسم خاص لإدارة المشاريع خاصة بعد أن تعاملنا مع شركات أجنبية ورأينا مدى أهمية هذا الموضوع، فشعرت الشركة بضرورة مواكبة هذه الشركات، ولو أن أصحاب الشركات يدركون مدى أهمية إدارة المشاريع لكان هناك توفير واختصار للوقت والميزانية بفضل هذه السياسة.

يسار كبور من شركة كبور للصناعة والتجارة أحد المتدرّبين أيضاً يقول: هذه الدورة التدريبية جديدة ومفيدة جداً لكن الوقت غير كافٍ، إضافة إلى أن غرفة التجارة الوحيدة التي قامت بها فيجب أن يكون هناك معاهد تساعد على نشر هذه الثقافة.

العقلية القديمة لا تتقبّل هذه الثقافة

يتابع يسار بقوله: يجب أن يكون لكل قسم في الشركة قسم مختص بإدارة المشاريع لأنه موضوع مهم جداً، ولكن العقلية القديمة في الشركات لا تتقبل أن تدفع ميزانية على هكذا قسم رغم أنه يوفّر الوقت والمال. وهذا ما أكدته المدرّبة وسام مشهور بقولها: أي شركة يجب أن تعمل بطريقة إدارة المشاريع وبرنامج

لـ"Project Manager" لأنه يساعد على التنظيم ويضبط العمليات رغم أن أغلب الشركات لا تطبّقه وإنما تعتبره كتطبيق للمشروع ذاته، فهم مازالوا لا يدركون أهمية إدارة المشاريع في الضبط وتحليل الموارد المالية والبشرية وجدولة المهام.

تعاني الكثير من الشركات السورية من مشكلات إدارية لأنها تمارس العملية الإدارية بالتقليد، هذا مايراه الأستاذ في كلية التجارة والاقتصاد محمد الجاسم ويقول: الشركات الخاصة وأغلبها عائلية تتم إدارتها من قِبل المالك، وبالتالي عمليات تحديد الأهداف والتخطيط يبقى شأناً عائلياً، ويسود التقليد في العمل، فلا يؤمن أصحاب الشركة بضرورة وضع مصاريف زائدة على قسم لإدارة المشاريع متجاهلين ما يمكن أن يوفره هذا القسم من هدر للوقت والمال والجهد.

عقلية

في سورية مفهوم إدارة المشاريع لم يُوظّف بشكل صحيح ففكرة مدير المشروع ليست قائمة بالشكل الصحيح، يقول المهندس الاستشاري حسام ويس: المشكلة أن المدير المسؤول هو مدير المشروع أي صاحب المصنع نفسه وهذا غير صحيح لأنه من الممكن أن يكون هناك شخص أنسب، ولكننا لا نتيح هذه الفرصة والحرية لشخص آخر ليدير المشروع، وذلك بسبب عدم اقتناع الشركات بعد بفكرة إدارة المشاريع وإنما الإدارة مركزية أي من قبل صاحبها.

ويرى ماهر الخضراء أن عقلية "الحجي" مازالت هي المسيطرة معظم الأحيان في سورية ويقول: مازالت فكرة "ابن السوق يفهم أكثر من المتعلم" راسخة في الذهن لدى الكثيرين، طبعاً أنا لا أستطيع القول إنه غير ناجح لأنه يربح ويحقّق هدفه، ولكن هل هو نجح لأن ممارساته الإدارية صحيحة أم لأن هذه الممارسات الصحيحة كانت ضمن ظروف معينة.

سابقاً لم يكن هناك شركات ضخمة منافسة، لكن الفترة الماضية شهدت دخول شركات عديدة ساهمت باستفاقة الشركات الداخلية في سورية خاصة شركات الصناعات الغذائية التي شهدت منافسة من المنتجات السعودية والتركية، وهنا أتى ابن الحجي – وغالباً ما يكون متعلّماً في الخارج – ليلعب الدور في الاهتمام بإدارة المشاريع لمعرفته بفائدتها لتطوير شركته، فالبيئة التنافسية العالية ساعدت في تطوير مفهوم إدارة المشاريع رغم عقلية الحجي المسيطرة.

من يطبّق إدارة المشاريع؟

يعتبر ماهر الخضراء دخول سيرتيل و MTN إلى البلد مرحلة محورية في سورية، بما خلقتاه من بيئة تنافسية عالية، إضافة لتغييرهما موازين الرواتب وموازين الإدارة ما خلق حركة للاهتمام بإدارة المشاريع، ويتابع: سيرتيل و MTN الرواد بإدارة المشاريع، وهم يقومون بتمويل الدورات لرفع نسبة الحاصلين على هذه الشهادة، والفكرة هي محاولة كسب الجيل الجديد من أبناء الحجي. وسيرتيل و MTN يملكون مكاتب خاصة لهذا الغرض تسمّى مكاتب إدارة المشاريع.

ويوجد شركات اهتمت بهذا الموضوع وصمّمت قسم خاص بإدارة المشاريع يقول حسام ويس: هناك شركات أسّست هذا النظام لديها وبدأت بفتح أقسام خاصة لإدارة المشاريع وتؤهّل وتدرّب مديروها على ذلك ومنها شركة إم جي جي "مجموعة الغبرة" وشركة كتاكيت.

هناك بعض المؤسسات الحكومية التي بدأت بالاهتمام بإدارة المشاريع كمؤسسة الإسكان العسكرية، لكن المشكلة أن الدعم ما يزال محدوداً خاصة أن أجور الدورات مرتفع فدورة المحترف تصل إلى 900 أو 1000 دولار رغم أن هذا السعر متفق عليه عالمياً.

تخصّصية العمل

استطلعت الاقتصادي آراء بعض رجال الأعمال في موضوع إدارة المشاريع، تقول عضو مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق مروة الأيتوني: كل الشركات يجب أن تتجه لهذا الموضوع خاصة عند وجود منافسات كبيرة، لكن رغم ذلك لم تعطَ بعد إدارة المشاريع حقها في سورية، والحقيقة يجب أن تعاد دراسة المشروع ذاته في كل مؤسسة لتوفير الهدر الذي يحدث خاصة في القطاع العام، لأن هذا القطاع يتبع نموذجاً منذ الستينيات والصناعات تحتاج لإعادة الصياغة والشكل وإعادة النظر من الجميع من العامل إلى المكنة إلى المكان لتصبح إدارة المشروع ناجحة.

ويقول رجل الأعمال بشير معاني: نتبع في شركتنا أسلوب إدارة المشاريع لما له من أهمية في تطوير الموارد وتنفيذ المشاريع بفرص نجاح أكبر.

في حين يرى المدير العام لهيئة تنمية وترويج الصادرات حسام يوسف أن معظم الشركات لدينا تُدار بشكل عائلي ولا تدار بشكل إداري احترافي، ويتابع: أما بالنسبة للشركات الأجنبية نلاحظ دائماً وجود مدير لقسم إدارة المشاريع، أما لدينا غالباً ما يكون هو نفسه المالك أي ليس هناك تخصّصية في العمل.

لكن هناك من رجال الأعمال من يترك مجالاً للمختصين في إدارة المشاريع. يقول المدير العام لشركة طارق بن زياد العالمية زياد الرهونجي: أُنهي عملي الساعة الثانية ظهراً وأذهب مع أصدقائي للعب الطاولة لأنني أفوّض صلاحياتي للمختصين ضمن الشركة.

لكل شركة هيكليتها ونظامها في إدارة المشاريع يقول رجل الأعمال نبيل الجاجة: الإدارة اليوم تُعدّ السبب الأكبر في نجاح الشركة، والإدارة يجب ألا تكون متعلقة بالمالك، فالإدارة يجب أن تنتقل إلى أشخاص خارجيين.

ويتابع: ليس في كل الأحيان يُعطى الإشراف على المشاريع للغير، وإنما على حسب وضع الشركة، فإذا كانت الشركة مؤهّلة من المالكين على الإدارة فلا يمنع ذلك إدارتهم للمشاريع لأنهم أقدر على مصلحتها، أما إذا كانوا غير مؤهّلين فيجب إعطاؤها للمختصين.

ماهي شهادتك؟

تُعدّ شهادة "مدير مشروع محترف" من أكثر الشهادات التي يتطلع إليها مسؤولو المشاريع حالياً، وتعتبر هذه الشهادة من الشهادات المتعارف عليها دولياً في أنحاء العالم، إذ تحظى باهتمام جميع الشركات والمكاتب الاستشارية والمقاولين ومديري المشاريع، وفي سورية بدأ عدد الحاصلين على شهادة محترف بإدارة المشاريع بالازدياد لأنه كما يقول ماهر الخضراء: إذا كنت أملك مؤهلات عالية ولا أملك الشهادة التي تثبت هذه المؤهلات فلن تخاطر أي شركة بتجربتي، فلا شك أن هذه الشهادة تزيد من الفرص التوظيفية لدي بشركات أفضل ورواتب أعلى.

ويتابع: أيضاً يجب ألا أقلّل من أهمية حصولي على شهادة محترف بإدارة المشاريع بأني أصبحت من بين 400-500 ألف شخص فقط في العالم يحملون هذه الشهادة ومن بين 30 شخصاً يحملونها في سورية، بالتالي الحصول عليها ليس بالأمر السهل.

 


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND