منوعات

آخر مقالات منوعات



لعل أوّلها وأكثرها التصاقاً بطبيعة العمل هو حجم هذه المؤسسة، هل هي مؤسسة صغيرة دون الـ 25 موظفاً؟ أم متوسطة من 50 – 100 موظف؟ أم كبيرة يفوق عدد موظفيها الـ 100؟ إذ إن تحديد عدد الموظفين في المؤسسة عامل مهم جداً في تحديد معايير اختيارهم ومعايير تسريحهم.

 

وإذا كانت النتيجة النهائية لما يريده ربّ العمل هو أن تسير مصالحه على قدمٍ وساق، إلا أن المطلوب دائماً أن يتوافق ذلك مع راحة البال أثناء أداء العمل، وهو الذي يتأتّى بشكل رئيسي من توافر بيئة داخلية مريحة ومنسجمة، وهنا يبرز العامل الثاني الذي يحكم معايير التوظيف والتسريح، وهو الطابع الشخصي للعمل في مؤسسات القطاع الخاص.

إلا أن هذا العامل يعود من جديد ليرتبط بحجم المؤسسة، ففي المؤسسات الصغيرة، المطلوب أداء جيد وانسجام بين ربّ العمل والموظف، فهناك مساحة مكانية صغيرة وعدد ساعات عمل تفوق الـ 10 ساعات، وبالتالي ما لم يتوافر هذا الانسجام سيتعب الطرفان.

وفي المؤسسات المتوسطة، يكون المطلوب توافر الانسجام بين الإداريين على أقل تقدير، الذين يكونون على علاقة مباشرة بربّ العمل.

أما عندما يصبح الحديث عن مؤسسات صناعية ضخمة، فإن عمل الموظف هو ما يحّدد بقاءه، فهنا لا توجد علاقة مباشرة بين ربّ العمل والعاملين الموجودين في مؤسسته، وبالتالي ما يهم ربّ العمل هو ناتج هذا الموظف لا شخصه.

ونظراً للطبيعة الشخصانية التي تحكم أداء مؤسسات القطاع الخاص، كان لأصحاب هذه المؤسسات آراء مختلفة في تحديد معايير التوظيف ومعايير التسريح في مؤسساتهم.

 

اللوحة المائلة

لأنه محبٌّ للقراءة، وشغوفٌ بكل ما هو جديد، وطموحٌ ليعرف كل شيء عن اختصاصه، وشيء من كل شيء عما هو ليس من اختصاصه، كان لرجل الأعمال زياد الرهونجي أسلوبه الخاصّ في انتقاء موظفيه، وفي تحديد الشريحة الإنسانية التي ينتمون إليها.

وهو في سبيل الوصول إلى ذلك، يخضعهم لتجربة اللوحة المائلة، يقول الرهونجي: "مباشرة عند دخول المتقدم إلى مكتبي، أبدأ في سؤاله عن سيرته الذاتية، وأثناء حديثي معه أطلب منه أن يعدّل اللوحة المائلة المعلّقة على أحد جدران مكتبي، إذا قام وعدّل اللوحة بلا مبالاة، وأتمّ حديثه معي بلا اكتراث، فهو شخص قشري ((ظاهري)) غير دقيق وقليل الاهتمام".

"أما إذا طلب إيقاف الحديث الدائر، وعدّل اللوحة، ثم تراجع خطوتين حتى يتأكد من صلاحية الوضع الجديد للوحة، فهو شخص مهتم ودقيق ويحب التركيز في عمله".

ويضيف الرهونجي: "أما إذا اقترح تغيير مكان اللوحة إلى حائط آخر لتناسقها مع ألوانه أو لأن الشمس حينها ستنعكس جمالياً عليها أو لأي سببٍ كان، فهو إنسان مبدع وشخصية قيادية أعمل جاهداً على التمسّك بها".

 

زواج كاثوليكي

يصف الصناعي محمود مهنا العلاقة بينه وبين موظفيه بالزواج الكاثوليكي، فـ "عندما يدخل إلى مؤسسة مهنا أي موظف ليس من السهل أبداً أن أتخلّى عنه".

ويحدّد مهنا معايير انتقائه لموظفيه بـ "الشهادات التي يحملها، وخبرته السابقة في المجال الذي سيعمل به، وأدائه أثناء العمل، إضافة إلى أن يكون شخص قابل للتدريب والتطوير"، ويبيّن معايير استبعاده للشخص بـ "سوء الأمانة، وقلّة الاهتمام، إضافة إلى إضاعة الوقت". ويعتبر مهنا أن "موظفي القسم الإداري في المؤسسة هم أهم جزء فيها، فهم واجهتها، يمثلّونها، ويعملون تحت اسمها".

ولا يكتفي مهنا بالقدرات التي يتمتع بها موظفيه فقط، بل يعمل على تدريبهم باستمرار لتحقيق كفاءة أعلى، ويقول: "كل ثلاثة أشهر هناك كورسات تدريبية لكل موظف حسب اختصاصه، فهناك كورسات لقسم المبيعات وأخرى لقسم الإدارة وأخرى للأقسام الفنية".

 

لا مكان للمشاعر الشخصية

أهم صفة يجب أن يتمتع بها من يسعى إلى التوظيف عند الصناعي أيمن برنجكجي أن "يجيد استخدام عقله"، ورغم أن "الخبرة عامل مهم في انتقاء الموظف، إلا أنها ليست العامل الحاسم".

يعتمد برنجكجي بشكل رئيسي على مقابلة التوظيف في اختيار طاقم العمل، و"المقابلة لا تقتصر على مرحلة واحدة، بل هناك أكثر من مقابلة يخضع لها الشخص حتى يتم قبوله، ولا يتم إجراء المقابلة عن طريق مجموعة واحدة، بل عدة مجموعات".

ويعتبر برنجكجي أن "الطاقم الإداري له صفات يجب أن يتمتع بها، وليس من الضروري أن تتوافر في الطاقم التقني، كتوافر المظهر اللائق، واللباقة في الحديث والتعامل، والشهادات الضرورية في مجال العمل".

أما عن المشاعر الشخصية، فلا مكان لها في انتقاء الموظفين عند برنجكجي، "لا أدخل مشاعري الشخصية في اختيار الموظفين، ولديّ الكثير من الموظفين لا أحبهم، ولكنهم جيدون في أداء عملهم لذلك أبقي عليهم".

ويضيف برنجكجي: إن "المؤسسة التي أديرها فيها أكثر من 300 موظف، ولدي الكثير منهم لا أعرفهم ولا أعرف أي شيء عنهم".

ليس من السهولة أن يتخلّى برنجكجي عن موظفيه، ويقول: "لابد أن يرتكب الموظف أخطاءً كبيرة تضر المؤسسة مادياً ومعنوياً حتى يصار إلى فصله، لا أن يتم فصله عند أول خطأ، ومن الممكن أيضاً أن يتم نقله من مكان إلى آخر كإجراء آخر غير الفصل".

 

بعيداً عن التعصّب

يلجأ الصناعي بشير معاني إلى الصحف الإعلانية ومكاتب التوظيف بهدف الوصول إلى موظفين كفؤ لمعمله، إذ "يقوم المتقدم أولاً بملء استمارة ثم أجري مقابلة شخصية معه، أستطيع من خلالها أن أحدّد توجهه، فإذا كان توجّهه مادي أنصحه، لأن الإخلاص بالعمل أهم من المادة، وهي التي تطرح البركة بالمال".

ولابد من توافر شروط لا غنى عنها قبل خضوع هذا المتقدّم لملء الاستمارة وإجراء المقابلة، فمعاني يصر على "أن يكون طالب العمل غير مدخّن، وغير مدخّن لا يعني أن يمتنع عن التدخين أثناء أدائه العمل، بل أن يكون غير مدخّن من الأساس، وأن يكون سلوكه لبقاً، وفطناً، ومهذباً، ونظيفاً، وأنيقاً، إضافة إلى أمور أخرى لها صلة بطبيعة العمل".

يُخضع معاني موظفيه لفترة تجريبية تمتد لشهرٍ واحد، وعلى أساس نتائج هذا الشهر يُحدّد المرتب، "الأجر لا يرتبط عندي بالشهادة بل بالإخلاص في العمل".

لم يسبق لمعاني أن طلب من أحد موظفيه التخلّي عن العمل بعد مضي فترة التجربة، "لأن الانتقاء قائم على أسس صحيحة منذ البداية".

 

الكيمياء المشتركة

انطلاقاً من خبرته في مجالاتٍ اقتصادية متنوعة، يميّز رجل الأعمال محمد الحلاق في عملية اختيار الموظفين تبعاً لكلّ مجال، "عندما كنت أعمل في المجال الصناعي، كنت أهتم لأداء الشخص وحرفيته، دون أن يهمّني الانسجام معه، لأنه سيتعامل مهنياً مع الآلة التي أمامه، وعندما كنت أعمل في مجال السياحة بامتلاكي مطعماً، كان لديّ من الموظفين نوعان، موظفون يتعاملون مع الزبائن، وآخرون عملهم مهني بحت، في المطبخ لم أكن اهتم للانسجام بيني وبين العاملين فيه، ما كان يهمني وقتها حسن أدائهم والنكهة التي يقدّمونها في مأكولاتهم ونظافة أطباقهم، أما الموظفين الذين سيكونون على احتكاكٍ مع الزبائن، فكنت أهتم لأن يكون هناك انسجام معهم، لأنه إن لم يكن هناك انسجام، لن يكونوا قادرين على الانسجام مع الزبون، وفي التجارة تضيق الحلقة أكثر، لأن الاحتكاك سيصبح مباشراً مع كل الموظفين، وبالتالي تصبح معايير انتقاء الموظف أكثر قسوة، حيث تلعب الراحة والانسجام دوراً كبيراً في اختياره".

إضافة إلى الكيمياء المنسجمة بين ربّ العمل والموظف، والتي لابد من توافرها في الشخص حتى يقبل الحلاق توظيفه، هناك عدّة معايير أخرى تتصل بـ "اللباقة، منطق الحديث، الأمانة، الخبرة، الأداء، وعلو الهمة.. وغيرها" ويؤكّد الحلاق أولاً وأخيراً، يريد ربّ العمل أن يسير عمله على قدمٍ وساق، ولكن هذا لابد له من أن يتوافق مع الراحة أثناء أداء العمل.

ويتفق حلاق مع غيره من رجال الأعمال، بأنه "ليس من السهولة الحصول على موظف تتوافر فيه المعايير التي يطلبها ربّ العمل، وبالتالي ليس من السهل عليّ أن أقول لأحد العاملين عندي: انتهت مهمتك".

 

رحلة طويلة

ليس من السهل اختيار الموظف، وليس من السهل تسريحه، هذه النتيجة التي يقف أمامها أي ربّ عمل في مؤسسات القطاع الخاص السورية، والتي أستخلصها من رحلة طويلة أختبر من خلالها أهمية وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

 

 


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND