تعليم وشباب

آخر مقالات تعليم وشباب



وفيق سعيد الرجل المعروف بالنسبة للسورين باسمه الكامل والذي يشمل اسم عائلته ووالده: وفيق رضا سعيد، هو أحد أهم المغتربين السوريين الذين يستقرون في بريطانيا.

بالنسبة للجيل الأقدم يعرفه كابن رضا سعيد، والذي هو المؤسّس والرئيس الأول لجامعة دمشق.

جيل آخر يعرفه كأحد رجال الأعمال الأغنياء والمحسنين وذوي النفوذ في أوروبا، بينما الجيل الأصغر فيعرفه كمؤسّس لمِنَح دراسية مهمة تستقطب العشرات والمئآت من الطلاب، تلك المِنَح التي تقدّمها مؤسسة كريم رضا سعيد يستفيد منها الطلاب السوريون في جامعات بريطانيا.

وفيق سعيد هو في الواقع كل ماسبق التعريف به من قبل، وهو اليوم يتحدث لمجلة "الاقتصادي" عن مشواره كرجل أعمال وتجربته المليئة بالعمل والعِبَر.  

 

 السوريون يعرفونك كابن رضا سعيد، الرجل الذي يحظى باحترام كبير، والذي ارتبط اسمه بجامعة دمشق كمؤسّس لها، فكيف تشعر كابن لهذا الرجل؟

 لقد كنت صغيراً عندما رحل والدي عن هذه الدنيا، لكن والدتي كانت دائماً تتحدث لنا عنه وعن إنجازاته التي خلّدت اسمه بالنسبة لنا كمثل أعلى.

لقد كان واحداً من أبناء البلد الذين أكملوا تعليمهم في الخارج، وعادوا إلى بلدهم ولديهم الطموح لبناء سورية الحديثة.

لقد كانت تجربة والدي بعد الحرب العالمية الأولى والانسحاب العثماني من سورية ولبنان، فقد اتجه والدي ـ وقد كان جرّاحاً شاباً ـ إلى إنشاء كلية للطب في سورية وتمّ تعيينه كأول عميد لهذه الكلية.

لاحقاً وفي العام 1920، عندما تولّى الملك فيصل حكم سورية لفترة وجيزة، عيّن والدي في منصب رئيس بلدية دمشق ليتعامل مع الأوبئة والأمراض التي كانت متفشّية وتهدد حياة الناس في تلك الفترة، وفي عام 1925 أصبح وزيراً للتعليم ونجح في إطلاق شهادة البكالوريا السورية، والتي لاقت اعترافاً من مختلف الجامعات العالمية، رغم المعارضة القوية للمندوب السامي الفرنسي آنذاك، وهذا الأمر لم يكن مستغرباً، لأنّ الفرنسيين يومها أرادوا التحكّم بالبكالوريا السورية باعتبارها المدخل إلى الجامعات.  

خلال مسيرة حياته كان والدي يؤمن بأن التعليم يشكّل عاملاً حيوياً في تطوير سورية، والسعي نحو استقلالها والانطلاق في مستقبل مزدهر لها.

ولذا فقد كان هدفه على المدى البعيد تأسيس جامعة سورية، وأن تكون بسوية عالية ومتوفّرة للراغبين في التعليم العالي من جميع فئات المجتمع، وليس فقط للقادرين على الدراسة في الخارج.

إذاً، ومن خلال كلية الطب التي أنشأها في دمشق، وبالتعاون مع فريق من الأطباء والأكاديميين المتميزين كالصديق منيف العائدي وزهرة ونظمي القباني وشوكت الشاتي وفارس الخوري، فقد أسّس في عام 1926 الجامعة السورية وألحق بها كليات أخرى لتولد جامعة دمشق.

وبالطبع أنا فخور أن أكون ابن هذا الرجل، وخاصة بتصميمه وإصراره على التعليم وتطويره واستحداث الجامعة، لأنني أعتبره رائداً ومثلاً للرجل الذي يناضل في سبيل تحقيق مايعتبره مفيداً لسورية، ولاسيما أن الانتداب الفرنسي كان ضد أحداث جامعة في دمشق بدعوى وجود جامعتين في بيروت، غير أن الحقيقة كانت أن الفرنسيين كانوا يتخوّفون من وجود جامعة في دمشق تدرّس اللغة العربية قد يولّد الوطنية ويعززها، ولذا فلم تكن مهمته سهلة، ولكنّه حققها بفضل عزيمته وتصميمه، "وهي الصفة التي أتمنى أن أكون قد ورثتها عنه"، وهكذا تابعت جامعة دمشق لتكون مركزاً للعلم والتميّز في المنطقة، وهي تفتخر بأن كل قادة سورية، ومنهم الرئيس بشار الأسد بالطبع، وكذلك الأكاديميون والأطباء والمهندسون المتميزون، كلّهم تخرّجوا في هذه الجامعة العريقة والتي لاتزال مستمرة في تخريج الكوادر.

 

 ماهو شعورك شخصياً تجاه هذه الجامعة التي منحتك مؤخّراً شهادة دكتوراه فخرية؟

 بالطبع أنا أشعر بانتماء كبير لهذه الجامعة، وخاصة أن والدي كان من خلال عمله بل من خلال حياته مرتبطاً بشكل كبير بهذه الجامعة.

وقد درس شقيقي وشقيقتي وكذلك أبناء أشقائي في هذه الجامعة، ولذا فلدينا ارتباط عائلي وتاريخي بهذه الجامعة، وأنا أشعر بالانتماء لهذه المؤسسة التعليمية، ولذا فقد عملت على المبادرة وتقديم مساهمة صغيرة من خلال دعم الدكتور هاني مرتضى الرئيس السابق للجامعة والدكتور وائل معلا الرئيس الحالي لها، من خلال مساعدة هذه المؤسّسة التعليمية بعدّة طرق، كان منها المساهمة في تجديد المبنى التاريخي الجميل  لهذه الجامعة والتي أعادتها لروح البدايات في القرن العشرين.

وتحوّل المبنى القديم للمشفى الوطني إلى قاعة حديثة للمؤتمرات، والعمل جارٍ حتى الآن على تحديث الأبنية القديمة المتبقية من جامعة دمشق.

وطموحي بالنسبة للجامعة هو أبعد من ذلك، إذ إنني أعمل حالياً على المساهمة في ربط هذه الجامعة مع جامعة أوكسفورد في بريطانيا ومدرسة سعيد التجارية المرتبطة بها.

وهذا المشروع هو قريب من قلبي، لأنني مهتم بتدريب روّاد الأعمال في المستقبل والمديرين وأصحاب المشاريع الصناعية حتى يستطيعوا متابعة تعليمهم ومشاريعهم في أي مكان في العالم.

وماذكرتموه عن شهادة الدكتوراه الفخرية التي منحتني إياها الجامعة، فإنني أعتبرها من أكثر اللحظات فخراً واعتزازاً في حياتي، ولقد كنت أتمنى أن يكون والدي حاضراً في هذا الاحتفال، ليكون سعيداً بثمار جهده.

شعار مؤسسة سعيد يهدف لإحداث تغيير إيجابي ومستمر في منطقة الشرق الأوسط، فهل حقّقتم هذا الهدف بعد ثلاثين عاماً، وهل أنتم راضون عمّا تمّ إنجازه، وما تصوّركم للمستقبل وخاصة بالنسبة لسورية؟

مؤسّسة كريم رضا سعيد التي تأسّست في عام 1982 أصبحت اليوم مؤسسة سعيد، وكما أشرتم فإن هدف هذه المؤسسة هو المساهمة في جلب التغيير الإيجابي والمستمر والدائم للشباب والأطفال في منطقة الشرق الأوسط، وهذا مانعمل عليه من خلال عدد من البرامج التعليمية، ودعم التطوير ومساعدة الأطفال المتضرّرين.

 فمؤسستنا ليست سياسية ولا طائفية، وهذا ما أفتخر به، كوني تشرّبت هذه العقيدة من بلدي سورية كثقافة وقناعة، وإنني هنا أقتبس من حديث السيدة أسماء الأسد لصحيفة "صندي تايمز" اللندنية:" بالنسبة لي، أن تكون سورياً هو أن تكون جزءاً من الشارع المستقيم في دمشق القديمة والشوارع المقدّسة الأخرى، وأن تكون جزءاً من الآرامية، وعندما يصلّي الرئيس في جامع أمية، فإنّه يصلّي بجانب القديس يوحنا المعمدان، مثل هذه الوحدة والتآلف لايمكن أن تجدها في أي مكان آخر من العالم".

وأنا من خلال هذا الاقتباس أريد ان أدلّل على أن ثقافة السوري وتاريخه ممتزجان بالإصالة التي تنتمي إلى فجر الحضارة العربية والإسلامية التي نفتخر بها.

وبالعودة إلى مؤسسة سعيد فإنّ البرنامج التعليمي يأتي في مقدمة الأولويات عندنا، لأن المساهمة في تعزيز التعليم والتميّز فيه هو عامل مهم في التطوير، وهذا ماتساهم فيه المنح التي تقدمها مؤسستنا للطلاب على المستوى الجامعي والدراسات العليا، أنا فخور بالخريجين والعلماء الذين دعمتهم المؤسسة.

وقد شملت هذه المِنَح المئات من المتميّزين الذين يساهمون في دعم مجتمعاتهم وتقدّمها، كما دعمت برامجنا الآلاف من الأطفال المتضرّرين والمحتاجين بما ساهم في مساعدتهم، وعلى سبيل المثال فقد قدّم برنامج دعم المعوقين في سورية نجاحاً في مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة في سورية، وخاصة نحن نتلقّى تشجيعاً في ذلك من قبل السلطات السورية للقيام بهذا الدور.

  ورؤيتي بالنسبة لهذه المؤسسة، هو أن تكمل برامجها وأن توسّع نشاطاتها من حيث النوعية والدول التي تشملها، مع بقاء التركيز على دول منطقة الشرق الأوسط وسورية تحديداً.

 كيف ترى مسيرة عملية الإصلاح الاقتصادي في سورية والقائمة منذ نحو تسع سنوات، ولاسيما أنك ساهمت في الاستثمار المصرفي في أحد المصارف الخاصة؟

 أنا من أكثر المؤمنين بالاقتصاد الحرّ، ومع ذلك فالأمر ليس موضة رائجة هذه الأيام أن تتبع هذا الاقتصاد المفتوح في الوقت الذي تسعى بعض الدول الغربية إلى تأميم بنوكها، وهكذا فإن برنامج التحرير الاقتصادي الذي اختارته سورية هو مثير للاهتمام، وأنا أريد أن أذكّر هؤلاء المستعجلين لرؤية نتائج التغيير، أن الليرة السورية وقبل فترة غير بعيدة كان لها ثلاثة أسعار للتصريف في سوق العملات، فقد كان تصريف العملة مقيّداً ولم تكن ثمة مصارف خاصة، كما كان الاستيراد مضبوطاً بقرارات شديدة.

وقد يقول البعض إنّ سورية تسير على التطوير المتسارع ولكننا نريد تطبيقاً للإصلاح على الأرض، وفي هذا السياق فإنّ الأهم هو التأكيد على أنّ الحكومة السورية ملتزمة بالكامل على السير في طريق تحرير الاقتصاد، ولدي تقدير عال لنائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية عبد الله الدردري والذي يعمل على خطط تسير بشكل جيد وفاعل.

والقطاع الخاص يأخذ دوره في هذا الانفتاح الذي تشهده سورية، وهذا ماشجّعني على أن أكون من المساهمين الأساسيين في بنك الشرق الذي حصل مؤخّراً على الترخيص الرسمي في سورية.

ومن القطاعات التي أرى انها تستحق اهتماماً أكثر ولديها الفرصة لتبرز كقطاع منافس على مستوى عالمي هو السياحة، وفي كل مرّة أزور فيها سورية مع ضيوف بريطانيين، فإنّهم يقفون متفاجئين أمام جمال المشهد السياحي الجذّاب في سورية،والغنى الذي تزخر به المناطق التراثية والتاريخية، إضافة إلى كرم وضيافة الشعب السوري.

وأنا على يقين أنّ صناعة السياحة في سورية قادمة على اتساع وانتشار، ويُفترض أن تكون في قمة أولويات الاهتمام ومصدراً للثراء بالنسبة للاقتصاد السوري.

 

من خلال عملكم في مدرسة سعيد التجارية ومشاركتكم لجامعة أوكسفورد كيف تنظرون إلى انتشار الجامعات الخاصة في سورية، هل يمكن أن تهدّد جامعة دمشق؟

أولاً أتساءل ماهو الأهم بالنسبة لسورية، بتقديري إن الأهم هو الوصول إلى جودة عالية من التعليم، وأعتقد أن أجيالنا القادمة من الشباب تستحق أن يكون تعليمها في قمة أولوياتنا، وهذا ماتهتم به الحكومات الغربية من خلال تخصيص الميزانية الكبرى للتعليم، وأنا لست ضد الجامعات الخاصة طالما أنها تقدّم مستوىً نوعياً من التعليم، وهو ماسيعطي طلابنا خيارات متنوعة وتنافسية، ولكنني قلق جداً على مصير جامعة دمشق والجامعات الحكومية بشكل عام من خلال المنافسة الشديدة من الجامعات الخاصة، وخاصة المموّلة من دول الخليج، والتي لديها القدرات المالية على تزويد جامعاتها بالإمكانات المادية لتجهيزها، ولجذب أساتذة الجامعات الحكومية الذين بدؤوا يتسرّبون من الجامعات الحكومية التي تقدّم لهم رواتب لاتستطيع الجامعات الرسمية أن تقدمها في ظل محدودية الرواتب للموظف الحكومي.

وهذه مشكلة جدّية وملحّة من وجهة نظري  تتطلب إجراءات جديدة، منها أن يكون لها القدرة على اتخاذ قرارات بالاعتماد على بعض الهبات من بعض المتبرّعين، وأن يكون لديها المرونة أكبر حيث تتمتع بالظروف التنافسية نفسها التي لدى القطاع الخاص.

 على مدى سنوات أحاط باسمكم جدل في الإعلام الغربي حول صفقة اليمامة للطيران بين بريطانيا والسعودية وقد تناولته وسائل الإعلام العربية، ماذا تقولون حول هذه القضية؟

 لم يكن ثمة أي جدل حول دوري في مشروع اليمامة، وماحصل هو أنّ بعض وسائل الإعلام أثارت مثل هذا الجدل، ولم يكن هنالك أي أسرار في هذا الموضوع، فلدي مودّة كبيرة لبريطانيا وتقدير كبير لرئيسة الوزراء الأسبق مارجريت تاتشر.

وقد سألتني حكومتها آنذاك أن أشير عليها لمساعدتهم في تأمين عقد اليمامة، وهو من أكبر عقود الشراء في تاريخ بريطانيا، وكان هذا بسبب علاقاتي الطيبة ومعرفتي الواسعة مع المملكة العربية السعودية، وقد كنت مقتنعاً أنّ هذا العقد هو من أهم العقود الاستراتيجية بالنسبة للبلدين بريطانيا والسعودية، فالسعودية بحاجة للتقنيات الجديدة كما أنها بحاجة للدعم البريطاني في مجال الطيران، وتحتاج بريطانيا لدعم صناعة الطيران لديها وخلق الآلاف من الوظائف من خلال هذه الصفقة.

وأنا فخور جداً بالدور البسيط الذي لعبته في مساعدة رئيسة الوزراء تاتشر، وإتمام صفقة اليمامة التي أطلق عليها "صفقة القرن" بالنسبة لبريطانيا، ولكنني حزين لأنّ بعض وسائل الإعلام لم تنظر إليها من هذا الجانب.

 تم اختياركم كأحد 65 أغنى شخصاً في بريطانيا في عام 2007 من خلال تصنيف صحيفة "صن دي تايمز" بثروة مقدّرة بألف مليون دولار، وقد وصفكم السفير السوري في بريطانيا سامي الخيمي بأنكم أحد القلّة الأغنياء في العالم، والذين لديهم قلب من ذهب ولايتردّدون في مساعدة الآخرين ممن هم في حاجة، فهل من تغيير أحدثته فيكم الثروة؟

لا أثق بكل ماتكتبه وتتبنّاه الصحف ومنها قائمة مجلة "صندي تايمز" للأغنياء، ولا أظن أنّ الثروة قد غيّرتني، فالمال بالنسبة لي لم يكن هدفاً ولا أولوية، بل هو وسيلة للنهاية.

ومع المال تأتي المسؤولية فهو سلاح ذو حدين، فإذا استخدم المال بشكل صحيح فإنّه يحسّن حياة الشخص ومَنْ حوله، وإذا أساء استعماله يمكن أن يفسد ويسيء للآخرين من حوله.

 بالعودة إلى عملك هل لديك أي ندم على أي من الأعمال التي قمت بها، وإن كان ذلك فماهو؟

 الندم الوحيد الذي لدي، هو أنني وخلافاً لما كان عليه والدي كنت مضطراً أن أبني حياتي ومهنتي في الخارج، ومن المؤسف أن جيلي كان مضطراً للهجرة بسبب ظروف كانت سائدة أيامها، وقد كان لدينا الكثير لنقدمه لسورية، وخلال عملي منذ السبعينات وحتى اليوم بنيت المدارس والمستشفيات والطرق والمكاتب والبيوت، وأملي الوحيد هو أن أكون بنيتها في سورية، هذا هو ندمي الأكبر.

 


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND