حكومي

آخر مقالات حكومي



 

ثمّة شيء غامض ما زال قائماً، يختصر العلاقة غير الواضحة التي تربط رجال الأعمال بالحكومة. فالحكومة التي تستقبل رجال أعمال من عرب وأجانب، ويحضر وزراؤها بعض نشاطات هؤلاء المستثمرين، ما زالت تنظر من ثقب الباب إلى رجل الأعمال المحلي، وتفتح في الوقت عينه أبواب الاقتصاد والاستثمار على مصاريعها أمام المستثمرين الآخرين، ليس لأن مزمار الحي لا يُطرب، بل لأن الحكومة في معظم الأحايين لا تصغي السمع لرجال أعمالها.

علاقة ناجحة

استطاع بعض رجال الأعمال المحليين أن يعيدوا زمن الفتوحات الاقتصادية بعد أن ولّت أزمات الفتوحات والمعجزات، إذ طلبت الخطة الخمسية العاشرة منهم التشاركية، وأن يكونوا شركاء رئيسيين في عملية التنمية دون عقود موثّقة أو صكوك قانونية تتيح لهم العمل الاقتصادي في بيئة تمكينية غير ناضجة لغاية الآن. ويمتلك هؤلاء الذين يمكن وصفهم برجالات الاقتصاد السوري المنشآت والشركات ويعملون ضمن قطاعات عدّة وبأحجام أعمال كبيرة. وبناء على ذلك، وغيره من قبيل عنشاطهم الاقتصادي مع بلدان أخرى وتنشيطهم للعلاقات الاقتصادية، مُنحوا أوسمة استحقاق وشهادات تقدير تكريماً لجهودهم.

فرنسا التي منحت رجل الأعمال فاروق جود وسام الاستحقاق والجدارة عام 2007، قال سفيرها في دمشق ميشيل دوكلو عن سبب منح جود هذا الوسام: إن نشاط وديناميكية مجموعة جود في المجالات الصناعية المختلفة والمتمثلة بجدارة الإدارة لدى رجل الأعمال فاروق جود وإخوته، قد أثار اهتمام فرنسا بشكل كبير وكان العامل الأساسي في تقليده هذا الوسام.

وعدّ جود منحه هذا الوسام الرفيع أنه يأتي من دولة صديقة ومن منطلق القناعة لبناء مزيد من العلاقات الناجحة اقتصادياً.

تطوير الاقتصاد

تكريم رجال الأعمال السوريين في الخارج ظاهرة مثيرة للاهتمام في أسبابها ونتائجها، يقول رجل الأعمال صائب نحاس: قامت بعض الدول الأوروبية بمبادرة تكريم عدد من رجال الأعمال السوريين بسبب دورهم الاقتصادي.

حصل نحاس على عدّة أوسمة: منها وسام الشرف الألماني الاتحادي من الدرجة الأولى، ووسام تكريم من السنغال بعد أن عمل سفيراً فخرياً لهم في سورية لمدة 15 عاماً، ومنحته النمسا وساماً قال عنه نحاس: بعد النجاح الذي أدّيناه في مجموعة نحاس كوكيل للطيران النمساوية منذ عام 1967، وما عزّز ذلك الإدارة الناجحة لتسهيل عمل الخطوط النمساوية وخاصة في الأزمات، كما حصل في الحرب الأهلية اللبنانية، إذ استطعنا مساعدة الطيران النمساوية في تحويل طيرانها من بيروت إلى دمشق خلال 24 ساعة دون الحاجة إلى إلغاء أي رحلة.

ومنحه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وسام جوقة الشرف من رتبة فارس، وكرّمته البرازيل بوسام، ومنحه رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي "منتدى دافوس" كلاوس شواب وسام تكريم كأحد أول مؤسّسي المنتدى عام 1971.

يقول نحاس: هذه العيّنات من التكريم الذي حصلت عليه مع زملاء آخرين من رجال الأعمال السوريين هي نماذج من التكريم تحرص عليه الكثير من دول العالم، كمبادرة لتقوية أواصر العلاقات الاقتصادية مع الأفراد والشركات، التي تساهم بشكل أو بآخر بتنمية وتطوير الاقتصاد في هذه الدول وغيرها.

بصمة واضحة

تبدو الدول الأوروبية أكثر اهتماماً من غيرها في تكريم رجال الأعمال السوريين، فأوروبا هي الشريك الاقتصادي الرئيس لسورية، ورغم توجّه الأنظار الاقتصادية السورية شرقاً، ما زالت دول الاتحاد الأوروبي تشكّل بوابة اقتصادية وسوقاً مفتوحة بالنسبة لسورية، إضافة إلى بروز عالم الجغرافيا وأهميته. وهناك رجال أعمال سوريون وضعوا بصمتهم على العلاقة الاقتصادية السورية ـ الأوروبية، بفضل نشاطهم ورغبتهم في تعزيز التعاون.

في إيطاليا، حيث افتتح في ميلانو مركز لتنشيط وتسهيل ورعاية العمل التجاري السوري، كرّمت منذ فترة رجل الأعمال السوري أديب الفاضل، ومنحته وسام الاستحقاق برتبة فارس، وعدّ الفاضل هذا الوسام بأنه يكتسب أهميته من عمق الروابط الإنسانية والحضارية والاقتصادية، كما منحت دولة تشيكيا وسام الشرف التشيكي لرجل الأعمال عمر كركور، ومنحت هنغاريا رجل الأعمال بسام غراوي وسام الاستحقاق، ومنحت فرنسا وسام جوقة الشرف من رتبة فارس لرجل الأعمال صفا جانودي.

الصديق العزيز

يبدو أن فرنسا من أكثر الدول تكريماً لرجال الأعمال السوريين، واللافت أن الميزان التجاري بين سورية وفرنسا ترجّح كفته لمصلحة سورية، ما يشير إلى أن الدول تنظر بطريقة مغايرة عما هو متوقّع أثناء تكريمها لرجال الأعمال، فالقضية لا يمكن حصرها في حجم تسويق منتجات تلك الدولة بقدر ما هي مؤطّرة في حجم التعاون الاقتصادي، ومنحت فرنسا وسام الشرف برتبة آمر وهي أعلى رتبة في جوقة الشرف الفرنسية لرجل الأعمال عثمان العائدي، ووصف المستشار الأعلى لجوقة الشرف جان بيير كليش رجل الأعمال العائدي أثناء تقليده الوسام: بالصديق العزيز، مضيفاً: هذا الوسام تعبير لجهودكم في ترسيخ العلاقات الاقتصادية مع سورية ودول عربية أخرى، وردّ العائدي قائلاً: أشعر بالفخر حين تناديني فرنسا بالصديق.

وبدأت دول أخرى كان لها موقف من رجال الأعمال والقطاع الخاص بتغيير أسلوب إدارتها الاقتصادية من خلال استقطاب رجال الأعمال، وروسيا التي عاشت لمدة 73 عاماً في نهج اشتراكي سيطرت فيه الحكومة على اقتصاد الدولة، غدت أكثر انفتاحاً وكرّمت بعض رجال الأعمال الأجانب وهو ما لم يكن سائداً قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، إذ منحت أكاديمية الدفاع والأمن والقانون الروسية وسام بطرس الأكبر من الدرجة الأولى إلى رجل الأعمال السوري حسان محمود، وهو وسام يمنح عادة للرؤساء والشخصيات المهمّة عالمياً، وقالت الأكاديمية إنها منحت هذا الوسام لمحمود نظراً لجهوده في توطيد العلاقات بين روسيا وسورية.

تبويس اللحى

هذه الأوسمة التي نالها رجال الأعمال السوريون، هي تكريم خارجي، لم تقدّمه تلك الدول عن عبث. فاستقطاب رجال أعمال كبار إضافة لمستثمرين مهمّين يحتاج أكثر من افتتاح نافذة واحدة لهم في هيئة الاستثمار، أو تصنيف رجال الأعمال حسب أرقام تكليفهم الضريبي وتقديم "فنجان قهوة"  لهم مع كرسي يستريحون عليه ريثما يسدّدون الضرائب المفروضة عليهم، ويوجد في سورية ثلاثة آلاف مكلّف ضريبي يعدّون من كبار المكلّفين، أو كما فعل محافظ حمص إياد غزال وقدّم تسهيلات معيّنة لكبار رجال الأعمال المتبرّعين من أجل مشاريع خدمية تخصّ المحافظة. هذه بلا شك مبادرات إيجابية، لكن البون شاسع ما بينها وبين التكريم الذي حصل عليه بعض رجال الأعمال السوريين في الخارج. وعلّق رجل الأعمال زياد الرهونجي على ما يفعله رجال الأعمال: أنجزنا كثيراً لاسم سورية ولم يزرنا أي وزير. وكان الرهونجي يتحدث عاتباً على الطريقة التي تتعاطى بها الحكومة مع قطاع الأعمال. وهناك بعض التصرفات التي تجعل رجال الأعمال حذرين جداًَ تجاه تعاونهم مع الحكومة، ونذكر على سبيل المثال أن الصناعي غسان كريّم اعترض أمام وزير المال محمد الحسين في غرفة تجارة دمشق قبل أعوام على طريقة رجال الاستعلام الضريبي عندما دخلوا منشأة صناعية يملكها، وردّ الحسين بقوله: "امسحها بذقني".

ويكاد يحدث الشيء ذاته تماماً وبخطورة أكبر في قطاع الصناعات النسيجية اليوم، إذ سرّبت مصادر حكومية معلومات عن صناعي سوري مهم في قطاع النسيج وحمّلته مسؤولية ما يحدث من خسائر لهذا القطاع وإغراقه للسوق المحلية.

جهة متخصّصة

استقبل رئيس الجمهورية بشار الأسد مؤسّسي شركتي الشام وسورية القابضتين، كما أنه التقى اتحاد غرف الصناعة بعد تأسيسه، وحضر جزءاً من فعاليات المؤتمر الصناعي الأول، وقدّم دعماً للصناعيين في المؤتمر الصناعي الثاني. هذه الإشارات لم تُستثمر بشكل أمثل، بل ما زالت الحكومة تنظر من زاوية مواربة لرجال الأعمال رغم كل ذلك، وإن كان بعض الوزراء يفتحون أبوابهم لبعض رجال الأعمال فهذا نتيجة لعلاقات شخصية وجهود خاصة وليست ضمن إطار المؤسّساتية.

وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل قالت لـ "الاقتصادي": إن وزارتها تعمل على إحداث جائزة للشركة الأكثر تميّزاً في نشاطها الاجتماعي.

ويقترح رجل الأعمال صائب نحاس: أن تهتم الحكومة بهذه المسألة وأن تكون لديها جهة متخصّصة بهذا النوع من التكريم، ويمكن أن تتبع لوزارة الخارجية أو الاقتصاد أو لكليهما، وأن توضع شروط ومعايير مناسبة لأن مثل هذه المبادرات تعبّر عن تقدير معنوي للمساهمين في تقديم أعمال ملفتة في قطاع الاقتصاد وتصبّ في مصلحة البلد وتقدّم له قيمة مضافة.

رئيس فخري

في ظل هذه الغفلة عن تكريم رجال الأعمال، بدأ قطاع الأعمال يسلك طرقاً أحادية ويقوم رجاله بتكريم المميّزين في بعض القطاعات. اتحاد غرف التجارة السوري كرّم رئيسه السابق راتب الشلاح بأن يكون رئيساً فخرياً مدى الحياة للاتحاد، وكانت غرفة صناعة دمشق وريفها كرّمت رئيسها الفخري يحيى الهندي وثلاثة مصدّرين هم: محمد سعيد الحافظ، بشار غريواتي، ومأمون الأكرمي، وثمانية صناعيين هم: رياض التاجي، محمود عنزروتي، أحمد سمحا، محمد جمعة الهبشة، محمد عدنان معتوق، مازن دعبول، خالد وتار، غسان الكسم، بشار حتاحت. وفي بادرة لافتة كرّمت الجمعية السورية لروّاد الأعمال الشباب SYEA الشلاح ومنحته وسام الريادة، وهو أسمى تقدير تقدّمه الجمعية، وذلك لإسهامات الشلاح المتميزة في الاقتصاد السوري.

لفتة التكريم

يبني التكريم بالنسبة لرجل الأعمال علاقة ثقة، ويوطّد علاقة التعاون مع الحكومة، وبدأت الحكومة ببعض الخطوات، إذ عيّنت رجال أعمال في مجالس إدارات الشركات والهيئات العامة، كما أنها عيّنت الشلاح رئيساً لمجلس إدارة سوق دمشق للأوراق المالية، وهي خطوات أولية في الطريق الصحيح، فرجال الأعمال لا يطلبون صكوك غفران، إنما يرنو بعضهم إلى لفتة تكريم عن جهود بذلوها من أجل الاقتصاد السوري.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND