تنمية

آخر مقالات تنمية



أكبر تحدٍّ تواجهه التنمية في المنطقة هو عدم قدرة دولها على المحافظة على رأس مالها البشري، خاصة بعد أن تقلّصت فاعلية الانتماءات الوطنية لصالح الانتماء للإنسانية والانتماء للأمل بتحقيق ازدهار اقتصادي واجتماعي وعلمي. سأتناول الموضوع بتقسيمه إلى أربعة عناوين رئيسية، الفرصة، الخيار، الريادة، المستقبل.

الفرصة

مرّ العالم بتحولات عديدة، التحوّل الحالي يرجع بجذوره إلى انهيار المعسكر الاشتراكي وهيمنة الولايات المتحدة على العالم. نقطة العلاّم الأولى هي حدوث كارثة 11 أيلول، وفي عهد رئاسة أميركية عدوانية وتعسفية أساءت حتى لرعاة البقر باتهامهم أنها منهم. اتجهت أنظار العالم كله ليس إلى السعودية حيث خرج أبطال المسرحية، وإنما إلى الشرق: سورية ولبنان وفلسطين والأردن والعراق ـ العالم الحقيقي الذي يستطيع أي إنسان ـ إن بحث وتمعّن ـ أن يرجع بأصله إليه. وبالاعتماد على خبرة جيلي والأجيال التي صنعت تاريخنا الحديث فإني أقول بأسف إن اهتمام الدول العظمى عادة لا يتجلّى بازدهار أو سلام، إنما يتجلّى بما يشبه ما يجري في العراق ولبنان وفلسطين وفرض الحصار على سورية وتهديد الأردن بفتح ملفات مغلقة، وفي الوقت ذاته الذي حمل هذا الاهتمام نتائج سلبية كثيرة، فقد حمل أيضاً محاولة لفهم الشرق المعقّد المغرق في العراقة، والمساهم الأكبر في الحضارة الإنسانية.

نقطة العلاّم الثانية هي أن هذا العالم القديم أصبح أناسه حديثين، ليس بحكم جدّهم واجتهادهم، وإنما بحكم أمرين: العولمة والتكنولوجيا. وبدأت هوية الإنسان "وخاصة الشباب الناشئ اليوم" تختصر إلى عناصر ثلاثة: نفسه "اسمه وعقله"، ورقم جوّاله، وبريده الإلكتروني، وهي عناصر منقولة، تذهب معه أينما أخذته رحلة البحث عن الازدهار. إذاً فلدينا في الشرق شباب "معولَم"، تغزوه مصادر المعلومات قبل أن يغزوها، في أراضٍ غنية بالفرص رغم التحديات، وإلى جانبها أراض جديدة نسبية في نادي الازدهار والإسهام الحضاري، يخرج من جوفها ذهب أسود.

هنا تأتي نقطة العلاّم الثالثة، المتمثلة بالفوائض المالية غير المسبوقة في تاريخ البشرية. دعونا نشير اليوم إلى ما حدث في الماضي من تحولات وثورات. الثورة الزراعية في بداية القرن الثامن عشر. الثورة الصناعية في نهاية القرن الثامن عشر. "كهربة" الإنسانية وإضاءة أول مصباح تجاري في نهاية القرن التاسع عشر. ومن ثم ثورة الحروب واستباحة الدماء في القرن العشرين.

تلتها ثورة المعلومات والمعلوماتية والأمن الوقائي. وإن سألنا: ماذا سيطلق أولادنا وأحفادنا على تحولات هذه الأيام من بدايات القرن الواحد والعشرين، أعتقد أن ثورة الثروة ستكون وصفاً مناسباً.

إذاً، فلدينا إنسنا "معولم"، اتخذ أمثلة وعِبراً له في الشخصيات والأحداث التي صنعت حضارات الازدهار الاقتصادي في الغرب، وقد نشأ وتعلّم في أرض ملأى بالفرص. أكسبته العولمة والتكنولوجيا هويّات أخرى تنافس هويته الوطنية. هذا الإنسان سيركن لخيار من ثلاثة: أن يأتي بالعالم إلى أرضه، أو أن يترك أرضه إلى العالم، أو أن يبقى في أرضه وينسى العالم ولا يترك للجيل من بعده إلا العبر "وربما الحسرات. وفي كل الاحتمالات ما يحدث اليوم يشكّل فرصة: إما لنا وإم الغيرنا.

 

الخيار

إذاً، يقف شاب أو شابة كل يوم أمام مفترق طرق: إما أن أغادر فأنجو، وأما أن أستسلم فأضمُر، وإما أن أتحدّى فأنمو. إن كان معظم الشباب سيأخذون الطريق الأول أو الثاني "المغادرة أو الاستسلام"، فلن تستفيد بلادنا من أي فرصة، وستصب الثروات العقلية للإنسان السوري "نسبة لأرض سورية الطبيعية" ـ الذي تراكمت في نفسه حضارات الإنسانية كلها ـ في بلاد أخرى وصلها من مخرج النجاة. وستصب الثروات المالية الذكية "وليس العقارية البليدة أو الخدمية الآلية" في بلاد تحتضنها فتنميها وتخرجها من إمكانياتها المحدودة إلى فضاءات جديدة قد تذهب بالإنسانية إلى عصر جديد، لن يكون دورنا فيه إلا ما هو دورنا اليوم في عصر تخلّف العرب كأمة عن ركب الحضارة الإنسانية. العولمة مع التكنولوجيا تولّد أزمة هوية للمجتمعات، وبالتالي فأولئك المغادرون لن يكونوا مغتربين لهم ما للمغتربين من ارتباط بالأرض ورغبة بالعودة، بقدر ما لديهم من اعتزاز بها ـ بالحد الأقصى ـ كأرض أخرجت للعالم الحضارات كلها، وانتماء للمكان الذي يحقق لهم النمو والازدهار. أما المستسلمون القانعون فهم من بين بين: فلا هم ينتنمون لهنا ولا لهناك، وهم يعيشون على الهامش حتى ولو كانوا في موقع قرار، ويستهيبون الدنيا بسبب ضعفهم، ويسببون تآكل البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بشكل كلي وجزئي. أما من بقي ليتحدى وينمو فهو ينتمي إلى عالم واحد هويته مزيج من هويتين ولسان حاله يقول: أنا إنسان سوري يفخر بأنه سوري عربي، وأنا إنسان عالمي لا يترك شيئاً إلا أفضل مما استلمه، يبني الحاضر والمستقبل ولا يزيده الفشل إلا تصميماً. ذلك الشاب المتحدي سيسعى للنمو: لزيادة علمه، ولزيادة إنتاجه، ولزيادة عوائده المالية بما يضمن له حياة أفضل، ولأولاده تعليماً أفضل، ولعائلته رعاية صحية أفضل، ولوالديه العيش الكريم بعد السعي الطويل، إلى ما هنالك.

مثل ذلك التحدي على مستوى الفرد سيجعل من الفرصة الواحدة فرصاً عديدة ونموّاً مستداماً، ولكن الخير يبقى محصوراً بمحيط ذلك الإنسان الذي اختار أن يتحدى. ولا يمكن أن يعمّ الخير ويتعمق أثره إلا بالتنمية، وهي الجهد الذي تقوم به القيادات صاحبة الرؤية في الحكومات وفي القطاع الخاص وفي القطاع المدني، لمساعدة عدد أكبر من الأفراد ليتخذوا الخيار الثالث: التحدي. ولأجل ذلك فإن تلك القيادات تسعى لزيادة العناصر المتاحة والمستخدمة، ولرفع كفاءتها الإنتاجية، وإجراء التطوير اللازم في التعليم المدرسي والجامعي، إضافة إلى العادات الاجتماعية وغير ذلك ما يساعد على تنظيم الإنتاج وتوزيع عناصره بين القطاعات المختلفة. تلك هي التنمية. فتراكم نتائج تحدي الأفراد يضاعف الفرص مرات ومرات، فيصبح النجاح هو القاعدة وليس الاستثناء، ويصبح النمو معجزة لا يمكن حسابها أو تقديرها برقم أو معادلة، وسيفيض الخير على من حولنا وعلى العالم ازدهاراً وعلماً وعملاً وفكراً.

 

الريادة

مَن يتحدى لا ينتظر النتيجة اليوم. لكنه يؤمن بالبدايات وبالإصرار والمثابرة وبالسير نحو الهدف دون أن تثنيه المصاعب وبتصحيح المسيرة عند اللزوم، ويؤمن بأن الأمور بخواتيمها. مَن يتحدى لا يؤمن بجعجعة الأقوال، بل يؤمن أن أصغر فعل هو أكبر من أكبر قول. إنه يؤمن بنفسه وبقدرته على التغيير وفتح الآفاق ورفع الأسقف، ليس نفسه فقط إنما لمن هم حوله من عائلة وأصدقاء وزملاء عمل ومواطنين. من يتحدى هو رائد الأعمال، الذي يرى الفرصة فيحوّلها إلى فكرة، ويحوّل الفكرة إلى واقع. وإذا كانت الدول تسعى للاكتفاء الذاتي الزراعي أو الصناعي خاصة بالمواد الأساسية في السابق، فإن الاكتفاء الذاتي اليوم يتجسّد في صنع أكبر عدد من الأفراد المكتفين ذاتياً في اقتصاد سليم يعتمد على المبادرات الخاصة من روّاد الأعمال تعمل ضمن إطار عام تحدده إمكانات البلد وميزاتها التفضيلية واحتياجاتها. من هنا يظهر ما يشترك به روّاد الأعمال من مميزات مع القادة.

فهم أشخاص تحركهم الحاجة لتحقيق الإنجاز، ورغبة شديدة في ترك أثر إيجابي يبقى بعدهم، ويدفعهم طموحهم إلى البناء وصنع الازدهار وامتلاك المستقبل.

الروّاد قادرون على أخذ زمام المبادرة، وهم يفكرون بإيجابية، ولديهم رؤية شاملة، لا تشكل العقبات إلا تفاصيل فيها يجب العمل على تجاوزها.

روّاد الأعمال هم أناس مبدعون ومنشئون للموارد ومكتشفون للفرص، وإضافة لصنع ازدهار أعمالهم فإنهم يصنعون نجاح زبائن ومورّدين، ويحركون العناصر الرأس مالية وعناصر الإنتاج، مثل المال والعقار والموارد البشرية وبراءات الاختراع والتكنولوجيا لخلق سلع وخدمات جديدة. إن هذه الروح الريادية هي التي تحمل في ثنياتها رياح التغيير التي تحمل التحديث والتطوير لإشباع الاحتياجات البشرية بما يناسب العصر الجديد والسرعة ووسائل الاتصال والأهم: المنافسة. كما يساعد رائد الأعمال على تطوير المزيد من الصناعات، خاصة في المناطق الريفية والمناطق التي لم تتمكن من الاستفادة من التقنيات الحديثة، والنواحي الفقيرة التي لم تصل إليها تأثيرات العولمة التمكينية، ما يشجع على صنع القيمة المضافة في المواد الأولية المتوافرة ووضعها بشكل منتجات نهائية للاستهلاك المحلي أو لتصديرها. إن التحرر والاستقلال من الاعتماد على الغير لتأمين المعيشة "سواء كان الغير حكومة أم والداً أو قريباً أو صديقاً" يلهم رواد الأعمال ويعزز من قوتهم وإمكانياتهم لتحقيق إنجازات عظيمة، فيكونوا بذلك أنموذجاً للنجاح يعزز الانتماء لوطن فيه الازدهار فلا يحمل المواطن "المعولم" عناصر انتمائه، ولتقليل هجرة المواهب بتوفير مناخ محلي جديد لريادة الأعمال وتأسيس المشروعات. وطالما أن هناك المزيد من أولئك الذين يغادرون أو يستسلمون لولاقع لكي يبقوا في وطنهم ويتحدوا، فلا يحرموا بلادهم من الانتماء الذي يعوق غيابه التنمية.

 

المستقبل

المستقبل مسؤولية ليس لأجلنا فقط إنما لأجل الأجيال من بعدنا. مستقبلنا الذي نسعى إليه سيكون لهم ماضياً، وإن تركنا لهم ما يستطيعون البناء عليه فلن يكون عليهم التغنّي بالأمجاد التي حدثت منذ مئات السنين. الروّاد الاجتماعيون وأنتم منهم، وروّاد الأعمال الشباب والكثير منهم هنا في هذا المساء الدمشقي الجميل، هم أناس أتقنوا فن البداية بل واقترفوا فعل البداية. وما يحدث في سورية اليوم قد يكون افتحة لأن تقود بلدنا التجربة الأولى عالمياً لهيكل تنظيمي جديد يصبح "قطاعاً رابعاً" بعد القطاع الأول وهو الحكومة، والقطع الثاني وهو مجتمع الأعمال، والقطاع الثالث وهو المجتمع المدني.

أما القطاع الرابع فهو ما يحدث اليوم من تشاركية في ثلاثية الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، ومركز المؤتمرات هذا هو أحد نتائجه المميزة. قد تجوز تسمية ذلك القطاع المعتمد كلياً على الريادة والمبادرة "قطاع المصالح المشتركة"، وفيه الشركات التي تحقق بنود المسؤولية الاجتماعية، ومؤسسات المجتمع المدني القادرة على تحقيق الاستدامة، ومؤسسات أخرى تعتمد طرق العمل الإدارية والاقتصادية قد ينشأ لها صيغ جديدة تراوح بين المصالح الخاصة والمصالح العامة، وغير ذلك من الصيغ التي تحتاج لبحث ودراسة. سيكون لهذا القطاع دور القيادة في إدارة عملية إعادة بناء منظومة القيم التي تضم فيما تضم البنود التي يتضمنها الميثاق العالمي للأمم التحدة، والتي تضع أسس النهضة وحفظ الأمن الاجتماعي وبعث النمو والتنمية ودفع الناس بوعي ومسؤولية نحو الخيار الثالث: التحدي. على كل، بقطاع رابع أم غير ذلك.

فإن الأمور بخواتيمها. ولكن لا خواتيم دون بدايات. ولا بداية دون جرأة، فقد قرنت الهيبة بالخيبة. لدينا اليوم فرصة حقيقية بحكم تحوّلات عالمية لا فضل لنا في حدوثها، وعلينا أن نغتنم الفرصة لنقوم بالخيار الصحيح ونعتمد ريادة الأعمال والريادة الاجتماعية كأساس للتنمية وعماد لامتلاك المستقبل. الريادة هي فن البداية، والريادي هو مَن يرى بذرة فقط ولكنه يرسم شجرة، وفي الشجرة الحياة والأوكسجين والخضرة والزهرة والثمرة، وفيها البذار الأخرى التي ستنتج بذاراً أخرى، في كل بذرة بداية لشجرة جديدة.

ألقيت هذه الكلمة في افتتاح إطلاق برنامج الميثاق العالمي للأمم المتحدة في مركز رضا سعيد للمؤتمرات، في 7 تموز 2008.

 


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND