حكومي

آخر مقالات حكومي

أبوظبي بعدسة ماتياز أبيتز



الاقتصادي – خاص

تزامناً مع بداية عهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، دخلت إمارة أبوظبي في مرحلة غير مسبوقة من النمو الاقتصادي والاجتماعي. واستخدمت الإمارة إنتاجها الكبير من البترول لبناء مدينة عصرية فيها فرص للعمل والازدهار والنمو. فاستثمرت الإمارة في إنشاء بنية تحتية تضاهي الأفضل في العالم، وحفظت الفوائض في صناديق استثمارية أصبحت مع مرور الزمن من الأكبر دولياً.

تواجه إمارة أبوظبي اليوم انخفاضاً في أسعار البترول، ولكنّها ليست المرّة الأولى. إلا أن أبوظبي تبدو جاهزة أكثر من أي وقت مضى على مواجهة هذه الفترة والخروج منها أقوى وأكثر صلابة وأكثر تنوعاً من الناحية الاقتصادية. لا شك أن هناك الكثير من التحديات، ولا بدّ أنه هناك أمور يمكن تحسينها وإصلاحها. إلا أنه من المفيد الإشارة إلى مكامن القوة، وإلى الفرص التي سنطرح هنا سبع نقاط يجب أخذها بالحسبان عند القيام بالتوقعات حول مستقبل أبوظبي خاصة في مرحلة ما بعد النفط.

1- أبوظبي حافظت على الثروة

بنيت أبوظبي من الصفر، وتحولت خلال عقود قليلة إلى مدينة عصرية فيها طرقات وجسور وبنى تحتية متميزة، بالإضافة إلى خدمات الكهرباء والماء، وصولاً إلى توليد الكهرباء بالطاقة النووية. وتنبهت أبوظبي مبكراً إلى ضرورة عدم تبديد الثروة، واستخدام الفوائض لضمان المستقبل، واتباع سياسات اقتصادية محافظة ومسؤولة. وخلال الأعوام أنشأت أبوظبي عدّة صناديق استثمارية منها جهاز أبوظبي للاستثمار، ومجلس أبوظبي للاستثمار، وشركة مبادلة للتنمية، وشركة الاستثمارات البترولية الدولية. مجموع استثمارات هذه الصناديق يضعها في مقدمة الصناديق السيادية في العالم، ويكاد يتجاوز الثروات السيادية في دول الخليج العربي مجتمعة. إن هذا الانجاز هو ثمرة 50 عاماً من التخطيط الاستراتيجي، وما رؤية أبوظبي 2030 وخطة أبوظبي التي أطلقت حديثاً إلا استمرار لهذا التخطيط.

2- أبوظبي نوّعت اقتصادها

البترول كان نقطة إنطلاق وليست نقطة نهاية، ورؤية الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي ورئيس المجلس التنفيذي تتضمن تحويل أبوظبي إلى قبلة للمستثمرين ورجال الأعمال، ومركز رئيسي للخدمات المالية والصناعة والنقل والرعاية الصحية والسياحة. وشركة نفط أبوظبي (أدنوك) على أهميتها إلا أنها ليست الوحيدة بل هي في مقدمة شركات ومؤسسات تنمو بسرعة. طيران الاتحاد على سبيل المثال أصبح أحد أكبر مشتري الطائرات في العالم، ونقل أكثر من 17 مليون راكب عام 2015. مطار أبوظبي الجديد والذي سيفتتح عام 2017 يعد من أكبر مشاريع المطارات في العالم، وسيعزز من موقع الإمارة كمحور للنقل العالمي لحوالي 45 مليون مسافر سنوياً. وهناك سلسلة من المناطق الحرّة التي أثبتت جدواها ومنها المنطقة الإعلامية في أبوظبي التي احتضنت إنتاجات ضخمة لهوليوود ومحطة سي إن إن ومجلة هارفارد بزنس ريفيو العربية، ومنها منطقة سوق أبوظبي المالي العالمي، ومدينة خليفة الصناعية، ومدينة مصدر، وغيرها. يضاف إلى ذلك الشركات العملاقة مثل شركة صناعات، وشركة الدار العقارية، ومجموعة اتصالات.

3- أبوظبي استثمرت في التعليم

أدركت أبوظبي منذ البداية أن الثروة الحقيقية هي البشر، وأعطت أولوية قصوية للنهوض بالتعليم، واستثمرت في المدارس والجامعات لبناء مهارات وقدرات المواطنين والمقيمين من أجل أن يساهموا بفاعلية في النمو والتنمية، وأن يتحولوا إلى أفراد مكتفين ذاتياً قادرين على الانتاج والمساهمة الفاعلة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. بين الاستثمار الحكومي المحلي والاتحادي والاستثمار الخاص أسس في الإمارة جامعات عديدة كجامعة الإمارات، وجامعة أبوظبي، وكليات التقنية العليا، وجامعة خليفة، وجامعة باريس السوريون أبوظبي، وجامعة نيويورك أبوظبي، ومعهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة العين للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة زايد، وغيرها. تسعى أبوظبي لأن يكون مجتمعها قائمًا على الإبداع، ومُنتجًا للمعرفة. ونمت جاذبية أبوظبي كمركز هام للطلبة من مختلف أنحاء العالم، حيث توفر الإمارة بيئة تعليمية فريدة، تمزج بين الثقافات والجنسيات المختلفة.

4- أبوظبي بَنَت سمعة عالمية

سعت أبوظبي خلال العقود الماضية لتصبح مدينة ذات بعد عالمي يتجاوز أهميتها المحلية والاقليمية. ويظهر ذلك جزئيا في مساهمات أبوظبي في الاقتصاد العالمي من خلال استثماراتها السيادية، ويظهر أيضاً في استثمارها بتنمية الدول العربية القريبة والبعيدة من خلال صندوق أبوظبي للتنمية، الذي ساهم بإنشاء مدن كمدينة الشيخ زايد في مصر وسد مروي في السودان وتطوير شبكة الطرق والحديد في المغرب، ومشاريع أخرى في لبنان وسورية والباكستان وغيرها. كما كانت بالإضافة إلى ريادتها في الأعمال الخيرية حول العالم من الصين إلى أفريقيا، ومن اليونان إلى الولايات المتحدة. في نيويورك يقام ماراثون زايد الخيري سنوياً والذي يخصص ريعه لأمراض الكلى، وفي هيوستن افتتح مبنى الشيخ زايد لأبحاث السرطان، وفي الباكستان مستشفى الشيخة فاطمة بنت مبارك، وفي المغرب مركز الشيخة فاطمة لعلاج سرطانات الثدي والرحم والمبيض، وغيرها.

5- أبوظبي أصبحت نقطة جذب دولية

غير أن طيران الاتحاد ومطار أبوظبي يجعلان الإمارة نقطة عبور لعدد هائل من الناس، فإن أبوظبي استثمرت في مشاريع رؤيوية ثقافية وحضارية ترتبط بمؤسسات عالمية. خلال 2017 سيفتتح متحف غوغينهايم أبوظبي، ومتحف اللوفر أبوظبي، ومتحف زايد الوطني، بالإضافة إلى مشاريع سياحية تكرس جاذبية أبوظبي بشكل استثنائي مثل ممشى السعديات، ومدينة الألعاب مع وارنر براذرز. وهناك مشاربع أخرى قائمة مثل حلبة ياس، وعالم فيراري، وياس مول، وغيرها. كما توفر أبوظبي نوعية حياة من الأكثر جودة في العالم عن طريق التطويرات العقارية في جزيرة الريم وجزيرة المارية وجزيرة ياس وجزيرة السعديات وغيرها. كما أن أبوظبي تجذب الساعين لرعاية صحية ذات جودة عالية، وأصبح فيها عدد من المستشفيات المتميزة على رأسها مستشفى كليفلاند كلينيك أبوظبي. كما يقام في أبوظبي أحداثاً دولية كالقمة العالمية لطاقة المستقبل، ومعرض النفط والغاز، والقمة العالمية لصناعة الطيران، ومهرجانات ولقاءات ومؤتمرات دولية عديدة. ما زال هناك الكثير أمام أبوظبي لتقوم به تجاه تعزيز موقعها، لكنّها على المسار الصحيح.

6- أبوظبي تحفّز الريادة والنمو

لم تستند أبوظبي إلى ثروتها النفطية، بل سعت إلى تشجيع المبادرات الريادية وتسهل أعمال الشركات والمؤسسات الخاصة. وقد أدى ذلك إلى نموّ أعمال واستثمارات القطاع الخاص في القطاعات الصناعية والخدمية والعقارية وغيرها. وانعكس ذلك على الأعمال المصرفية التي نمت بشكل كبير جعل أبوظبي تضم بعضاً من أكبر البنوك في المنطقة مثل بنك أبوظبي الوطني وبنك الخليج الأول وبنك أبوظبي التجاري. وتنبهت أبوظبي بسرعة لضرورة تمكين الشباب وتعزيز الابتكار فأطلقت صندوق خليفة لتنمية المشروعات، واحتضنت المبادرات الريادية ومسرعات الأعمال مثل فلات-6-لابز، ومؤسسة الإمارات للشباب، ولجنة أبوظبي لتطوير التكنولوجيا. كما أن بعض استثمارات أبوظبي ركزت على قطاع الابتكار مثل فيرجين غلاكتيك التي ستنظم رحلات إلى الفضاء، وسيارة تيسلا الكهربائية. انفتاح أبوظبي وصدقيتها ورؤيتها لبناء هوية وطنية حضارية متميزة عزّز من موثوقيتها بالنسبة للمستثمرين والشركات من حول العالم، بالإضافة إلى الفرص الاستثمارية الهائلة التي توفرها في قطاعات عديدة.

7- حكمة سياسية وقيادة شابّة

تساهم أبوظبي بشكل فاعل في تعزيز النموذج الاتحادي الوحيد في العالم العربي، وهو الإمارات العربية المتحدة، وتعتبر رافداً أساسيا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في كل الإمارات الشقيقة، مما أنتج إزدهاراً اتحادياً قوياً، وتكاملاً اقتصادياً استثنائياً مع إماراتها الشقيقة. أبوظبي ودبيّ سوية تعتبران توأماً في خلق ثقافة الازدهار والانفتاح على العالم وتحقيق نموذج نهضوي واسع الأثر. كما أن لأبوظبي دوراً قيادياً في مجلس التعاون الخليجي كجزء من الإمارات العربية المتحدة، وفي المنظومات الدولية الأخرى. وتعتبر سياساتها محافظة ومعززة للاستقرار، وتدعم الاعتدال والوسطية والتسامح مما يجعلها مساهماً إيجابياً على المستوى الدولي. وتتميز أبوظبي على المستوى المحلي بقيادة قوية متمرسة ومتماسكة، وتتولى فيها قيادات شابة من المواطنين قيادة مؤسساتها الرئيسية، كما يبرز فيها دور المرأة حيث كانت للشيخة فاطمة بنت مبارك دوراً هاماً في تعزيز دور المرأة في العقود السابقة.

هل لديك رأي حول مستقبل أبوظبي ما بعد البترول؟ نرجو مشاركته معنا في التعليقات.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND