آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات

عرَّفت جمعية البدانة الأميركية السمنة بأنها وباء عالمي



حياة قائد
حياة قائد
صحفية وكاتبة وفنانة تشكيلية يمنية. تنشر مقالاتها باللغة ا..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

معظم الأشخاص البدناء الذين عرفتهم في حياتي لطفاء جداً، ولهذا فهم يستحقون أن أهتم بهم، ومن أجلهم أكتب هذا المقال خاصة وأن معظم سكان الكرة الأرضية معرضون لخطر البدانة، فللأسف لا يبدو أن أكثرنا اليوم يتمتعون بوزن لائق صحياً، والوضع يسوء يوماً بعد يوم. هذا لا يعني، أعزائي البدناء، أن أصحاب الأجساد الرشيقة الذين يسخرون دائماً من "مقدماتكم ومؤخراتكم" المترهلة قد يصبحون بدناء بين عشية وضحاها، لكنه على الأقل يجعلكم تشعرون بلذة  الشماتة عندما تعرفون أن محافظتهم على رشاقة أوزانهم لم تعد أمراً سهلاً في هذا  العصر، وستغدو أصعب مع مرور الوقت ربما.

 وبما أن النظام الغذائي هو جزء من ثقافة أي بلد، فإن رواج نظام غذائي ضار وغير صحي يمثل حضارة مغايرة في سلوكياتها الغذائية ويعتمد في جزء كبير منه على المعلبات والوجبات السريعة في المطاعم والمقاهي، وهو أمر له أثره الواضح في الثقافة العامة، وله دور كبير في التأثير على عادات الطعام وما يرافقها من سلوكيات اجتماعية أخرى ضمن الأسرة أو المجتمع ككل. ولعل المفارقة المؤلمة في الدول النامية الفقيرة هي أن يترافق سوء التغذية المؤدي للبدانة مع سوء التغذية المؤدي للنحافة المخيفة والقاتلة أحياناً. حيث يمكن تفسير إصابة بعض سكان الدول الفقيرة بالبدانة بكونهم ينتمون لطبقة أكثر استرخاء وأقل كدحاً ويتبعون النظام الغذائي الأمريكي الذي صار اليوم نظاماً غذائياً عالمياً ، وهو نظام يعتمد في تكوينه على السعرات المرتفعة من النشويات والسكريات والدهون التي تتوفر بكثرة في الوجبات السريعة والطعام المعلب.

سبب انتشار العادات الغذائية السيئة يعود غالباً إلى كثافة الإعلانات المغرية التي يدفع لأجلها تجار المنتجات الغذائية مبالغ طائلة، ففي أمريكا الشمالية مثلاً، فإن ما نسبته 70% من مجموع النفقات التي تخصصها الشركات الغذائية للإعلانات يتم إنفاقها على ترويج الحلويات، و السكاكر، والوجبات الخفيفة، والكحول، والمشروبات الغازية، مقابل إنفاق ما نسبته 2.2% فقط على إعلانات تتعلق بالخضروات أو الفواكه أوالحبوب والبقوليات، وهذا الطوفان القاهر من الإعلانات التجارية لصالح الأغذية الضارة هو ما يفسر عدم القدرة على الصمود أمام تلك الأغذية، مما يفضي بالمستهلكين إلى الاستسلام، وشراء ما يتم عرضه لهم بكثافة، وبأكثر وأحدث الأساليب إغراء، ولهذا من المحتمل أن تشعر بالعذاب النفسي وأنت تقرأ إعلان "الكولا والبطاطا المقلية مجاناً" على واجهات المطاعم السريعة، ومن المحتمل جداً أن تنهار في لحظة ضعف وتتهور بشراء وجبة برغر دسمة وتتناولها بمتعة لايعكر صفوها تأنيب الضمير.

المخيف هو أن احصائيات معدلات السمنة حول العالم تشير إلى أننا في طريقنا إلى أن نكون عالماً كامل الدسم تتكدس فيه الشحوم، وترتفع فيه نسبة أمراض القلب والتهابات المفاصل والسكر والضغط، فكلنا نعرف أن تناول  الحلويات والسكر والمأكولات الدسمة بكثرة يقود للبدانة والأمراض، وتناولها بشكل مفرط يقود للعالم الآخر طبعاً! مع ذلك فإن معظم الناس اليوم يتناولون طعاماً سيئاً لا تقل خطورته أبداً عن التدخين، حتى أن سبعة من الأسباب العشرة الأولى للوفاة في الولايات المتحدة تعد مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالطعام، أي أن البعض ينتحر انتحاراً تدريجياً بطيئاً بتناوله لغذاء سيء  طافح بالسكريات والدهون المشبعة. نمط الحياة المهنية السريع الذي خلقته العولمة الاقتصادية هو الذي جعل الناس مضطرين لتناول الطعام السريع خارج بيوتهم، يأكلون وجبات دسمة على عجل فلا يشعرون بالشبع ويحتاجون دائماً للمزيد. حتى إدمان العمل يسبب الإرهاق الشديد والكسل ومن ثم الاعتكاف لفترات طويلة أمام شاشات التلفاز والحواسيب الشخصية أو الشعور بإكتئاب يحاول البعض الهروب منه بالأكل.

وقد عرَّفت جمعية البدانة الأمريكية البدانة بأنها "وباء عالمي" ينتقل من خلال العولمة التي روجت للنظام الغذائي الأمريكي، أو على الأقل من خلال التقدم والعصرنة الناجمين عن التجارة الحرة، كما قامت منظمة الصحة العالمية بتعريف هذه الظاهرة الغذائية المقلقة وأطلقت عليها اسم "البدانة العالمية"، وفي احصائية قامت بها المنظمة عام 2014 نقرأ حقائق صادمة عن أن أكثر من 1.6 بليون بالغ يعانون من زيادة الوزن (نعم بليون، وليس مليون، فتأمل!)، وأن أكثر من 600 مليون بالغ يعانون من مرض البدانة المفرطة، (1) كما أن خمس دول عربية (قطر، الكويت، ليبيا، مصر، السعودية) وردت- للأسف- في قائمة الدول الأكثر بدانة حول العالم حسب تقرير أوردته صحيفة واشنطن بوست. (2)

المحزن هو أن هذه الكارثة الكاملة الدسم سريعة الإنتشار على نحو متزايد، ولم يسلم منها حتى الأطفال في أولى سنوات حياتهم على هذا الكوكب البائس،  فهناك ما يزيد عن 41 طفلاً حول العالم تحت سن 5 سنوات يعانون من الوزن الزائد و مرض البدانة المفرطة. لأجل ذلك، وأنا أختم هذا المقال، أتمنى أن نتوقف قليلاً ونفكر سويةً: ماذا لو أن كل أم مهووسة بملء بطون أطفالها بكل شيء قابل للأكل حاولت ملء عقولهم بكمية مشابهة من المعرفة والعلم؟ بالطبع سيكون هذا العالم أجمل بكثير، أليس كذلك؟ لكن لسوء حظنا أن الكثير من الأمهات في عصرنا هذا لايفرقن بين تغذية طفل بشكل جيد، وتغذية مصارع السومو!

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND