آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



الاقتصادي – آراء وخبرات:

ينتقد العديدون النظام الرأسمالي بعد الأزمة المالية العالمية، ويشيرون إلى مكامن الضعف فيه. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي، وانضمام الصين الشيوعية العملاقة – بعدد سكانها وحجم استهلاكها وقوتها الإنتاجية التصديرية – إلى تغليب ثقافة حرية رأس المال والمنافسة الاقتصادية على سياسات الحصر والمنع والتقييد الساعية دون نجاح نحو فرض العدالة الاجتماعية، فإن حدوث الأزمة قد نزل برداً وسلاماً على صدور الذين كادوا أن يغلبوا على أمرهم ويرضخوا على مضض لعولمة الرأسمالية. ولا شك في أن الهنات والمشكلات في هذا النظام أدّت إلى تراكم الأخطاء وتتاليها، بشكل أطاح بالوفرة الاقتصادية التي حقّقها العالم خلال العقد الماضي.

وفي الوقت الذي يعيد به العالم حساباته، تقف سورية على مفترق طرق بعد عقد من الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي اتخذ من "اقتصاد السوق الاجتماعي" نبراساً له. ولعل أكثر ما حقّقه الإصلاح هو فتْحُ الباب واسعاً أمام المبادرة الفردية، وهي اللبنة الأساسية في النظام الرأسمالي، حيث إن نجاح الجماعة هو في تراكم نجاحات الأفراد، والازدهار لا يتحقق إلا بوجود مساحة للأفراد والشركات لتحقيق فائض اقتصادي مالي يُعاد استثماره في النمو والتنمية لينعكس خيراً على الجماعة. فإذا أخذنا لعبة كرة القدم مثالاً، فإن قوّة الفريق فيها من قوّة أفراده وتخصّص كل واحد منهم. أما الحَكَم "ومثله الحكومة" فلا يحتكر الملعب لنفسه ولا يلعب مع اللاعبين، إنما يدير اللعبة وفق قواعد صارمة يستوي فيها الكبير مع الصغير، المبتدئ مع المخضرم، فيكون الملعب متساوياً للجميع، فلا يفوز فريق على الآخر بسبب مخالفات، مثل دفع لاعب لآخر أو عرقلته أو الوقوف في وجهه، ولا بقدرته على التسلّل واختلاس الأهداف، أو خرق قواعد اللعبة باستخدام الخُبث بدل الكفاءة والتدريب المستمر وبناء الفريق المتكامل. كما أن الحَكَم يراقب ويعاقب على السلوك غير الرياضي من عدوانية أو قلّة تهذيب، ويحذّر ببطاقة صفراء ليعطي فرصة قبل أن يطرد بالبطاقة الحمراء، ولكنه لا يعاقب الفريق كله وإنما اللاعب الفرد.

المبادرة الفردية هي محرّك رئيسي للنمو الاقتصادي والاجتماعي، وخلق فرص عمل جديدة، واستنهاض التغيير في المجتمع بتحدّي العادات والتقاليد والموروثات البائدة التي ما عادت تناسب متطلّبات العصر وتحدّياته. ولكن للأسف، ما زالت المبادرة الفردية في بلدنا تتعرّض للتهكّم ولردود الفعل السلبية وللتشكيك، سواء من الحكومة تجاه القطاع الخاص أم من أفراد القطاع الخاص تجاه بعضهم، أو من المواطنين تجاه الحكومة، وهكذا دواليك. فالمبادرة الفردية تعتمد على مبدأ "الفردية" (individualism)، وهي فكرة كانت حتى بدء الإصلاح الديني في أوروبا تثير سخط الناس وغضبهم ابتداء من أفلاطون الذي رفضها لتعارضها مع مثالية "الجمهورية". إلا أن هذه المشاعر كان فيها بعض الدلالة إلى ضعف التطوّر في المجتمع. فالمجتمعات البدائية البسيطة لا تعتمد على تقسيم العمل والتخصّص فيه، وبالتالي لم تجد مشكلة في أنّ أشخاصها متشابهون في الشخصية والأفكار والميول والاتجاهات. وعلى الفرد أن يعمل لمصلحة الجماعة، ومَنْ عَمِل لمصلحته الخاصة وتغلّبت عليه النزعة الفردية، عوقب اجتماعياً ودينياً من قبل مجتمعه بتهمة الأنانية وحب الذات.

كي لا يُساء فهمي، فإني لا أميل إلى تغليب مصلحة الفرد على مصلحة المجتمع، ولا أروّج للعمل الفردي دون عمل الجماعة، إلا أن قيمة الفرد تُستمد منه أولاً ثم من الجماعة. ولذلك علينا رفض محاصرة المجتمع للفرد بنمطية ذهنية وثوابت فكرية وهمية ومحظورات لا تحصى. ولكي نكون صادقين مع أنفسنا دون أن نلقي بالملامة على الغير، فالإشكالية ليست سياسية، بل اجتماعية يتداخل فيها الإرث الثقافي مع الإرث الاقتصادي مع الإرث السياسي. مجتمعاتنا العربية مسكونة بفكرة الجماعة الواحدة، التي لها نمط واحد، وتقليد واحد، وقيمة واحدة، وفكر واحد. هذا هو إرث القبيلة الذي لا يليق بسورية، وريثة حضارات العالم ومنبع تنوّعه، والناظرة إلى المستقبل بثقة القائد لا بانجراف التابع. إرث القبيلة أدّى وسيزيد من التراجع الحضاري المؤلم على المستوى الثقافي لحركة الإبداع والعلم والأدب والفن، والتفاعل مع حضارات الآخرين وتجدّد الأجيال. لم تنهض إمبراطورية في التاريخ إلا عندما تخلّت عن فكر القبيلة، ولم تسقط إلا عندما عادت إليه. ولنا في تاريخنا عِظة، سواء في الدولة الأموية أم في الإمبراطورية العثمانية أو في عدم قدرتنا على القيام منذ استقلال دولنا العربية من استبداد الاستعمار والانتداب. الاختلاف يعطي للوطن فرصة لانتقاء الأفضل من الخيارات المتعدّدة، ينتج عنها تنوّع مبدع يُبعد أخطار الاحتقان الداخلي، لأنه مبني على حق الفرد في الاختيار وعدم الإقصاء.

بغياب الاستقلالية الفردية نفتقد لإحدى البنى الأساسية للإبداع والابتكار، ونخنق روح المواطنة في الفرد ونحدّ من قدرته على المشاركة في صنع القرار. ومن البديهي أن الإبهام في حقوق الفرد يؤدّي إلى إبهام في مسؤولياته. سورية اليوم مختلفة عما كانت عليه منذ عشر سنوات مضت. الإصلاح الساعي للتنمية وتحقيق الإزدهار لا يمكن أن يتم دون إنماء روح المواطنة، وهذه الروح يجب أن يتحلّى بها المسؤول قبل المواطن. والمواطنة تبقى شعاراً وحبراً على ورق إن لم يشترك المواطن الفرد باتخاذ القرار، ليس عن طريق المشاركة في الحكومة والمجالس التمثيلية من برلمان أو نقابات أو غيرها، إنما بأن يكون كما يريد أن يكون دون أن يحكمه الارتياب العصابي من محيطه ومجتمعه، فيخشى بطش الأصدقاء قبل الغرباء، والمثقّفين قبل الجاهلين، ويخضع لسقف التصوّرات النمطية الضحل ليصل إلى حدٍّ من الضيق لا يستطيع معه الحركة لا يميناً ولا شمالاً، وفي ذلك من طبائع الاستبداد ما يتجاوز ما ذكره الكواكبي في كتابه.

سيصلح النظام الرأسمالي مساره ليس لصلاحه أو حسن نوايا أهله، بل لأن كفاءات أفراده النابعة من المنافسة والطموح والسعي نحو التميّز، ستأتي بالتغيير عن طريق الأفكار الجديدة من مراكز الأبحاث والجامعات والشركات والدوائر الحكومية، ولن يخش على نفسه من أن يعطي هؤلاء الأفراد المواطنين مساحة كافية للمبادرة والمناورة اللازمة لصنع ذلك التغيير، لأنه قائم أساساً على ما قاله الفيلسوف اليوناني هرقليطس: كلّ شيء يتغير إلا التغيير نفسه.

هذه المقالة مهداة إلى روح المجدّد مأمون الطباع، الذي جسّد في حياته فكر التعدّدية ورفض النمطية، وآمن بأن نهضة الوطن أساسها المواطن المتحرّر من قيوده.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND