إعلام

آخر مقالات إعلام



كتب عبدالسلام هيكل

كنت أناقش مع صديق من المثقفين الشهر الماضي أنّ أكبر مؤسسة في المجتمع المدني في سورية وأكثرها تأثيراً هي خطبة الجمعة. وصلاة الجمعة ليست فقط مناسبة دينية تتكرر كل أسبوع، أو فرضاً يجب الالتزام به وحسب، ولو كان المقصود منها ذلك فقط لما كانت تختلف عن فروض الصلاة الأخرى. والخطبة لدى أغلب المذاهب هي شرط من شروط صحة صلاة الجمعة. بكل الأحوال ذلك نقاش آخر لا يصب في اختصاص "الاقتصادي." إلا أنني بعد ذلك النقاش سألت نفسي: لو كنت خطيبا لصلاة الجمعة، ماذا كنت لأقول في عصر التحول الاقتصادي؟

أعمل مع زملائي من خلال الجمعية السورية لرواد الأعمال الشباب في مجال تحفيز ريادة الأعمال (تأسيس المشروعات) ، ونواجه بشكل مستمر شباناً في مقتبل العمر يائسين بائسين معتمدين على الله والحكومة وعلى أوهام مستحيلة بأن "الحظ" الذي حالف غيرهم سيحالفهم يوماً ما وإلا فلا حول ولاقوة إلا بالله. وخلال السنوات الماضية التقيت بأناس عديدين استفدت منهم بالاطلاع على آيات وأحاديث وقصص من الصحابة تبيّن فضل العمل في الإسلام، وأعتقد أنه من المناسب العمل على ترويج تلك الأحاديث عبر خطب الجمعة لتصل إلى أولئك الشباب وإلى أهاليهم الذين يشجعونهم غالباً على تحاشي العمل في القطاع الخاص أو المغامرة بتأسيس مشروع صغير والالتفات عوضاً عن ذلك إلى الحكومة وطلب وظيفة فيها. وأذكر مرة أن خطيب أحد مساجد دمشق اتصل بي بعد أن تابع لقاء تلفزيونياً حول الريادة أن النبي التاجر قد شجع فقيراً على تأسيس عمل (بمصطلحات اليوم) بدل السؤال وزوده بالوسائل. وكانت الرواية أن رجل من الأنصار جاء إلى النبي يطلب منه مالاً فقال النبي: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى، كساء نلبس بعضه ونبسط بعضه، وكوب نشرب فيه الماء، فطلب النبي منه إحضار هذين الشيئين. فأخذهما رسول الله بيده، وقال: من يشتريهما؟ فعرض رجلاً شراءهما بدرهم. فقال الرسول: من يزيد على درهم؟ فقال آخر: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما للأنصاري، وقال له: اشترِ بأحدهما طعامًا لأهلك، واشتر بالآخر قدّوماً،  فأتني به. فأتاه به، فشدّ فيه النبي عودًا بيده ثم قال له: اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا. فذهب الرجل يحتطب ثم يبيع، وعاد للنبي وقد كسب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال رسول الله: هذا خير لك من أن تجيء المسألة (طلب المساعدة) علامة سوداء في وجهك يوم القيامة لا تمحيها إلا النار.

إذن فالمؤمن المسلم مكلف بحمل رسالة ومسؤوليته أن يعمر الأرض بالعمل الصالح، ومن عمله يحصل على المال الذي ينفقه على بيته ونفسه ويسهم ببعضه في عمل الخير ومشروعات تفيد أبناء بلده، ومن ذلك المال تخرج زكاته ويؤدي واجباته الدينية كلها. والعمل الصالح مع الإيمان هو شرط دخول الجنة، وليس الإيمان لوحده والاكتفاء بالدعاء والابتهال: "من يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا". وضمّن رسول الله بين الأصناف من أمّته الذين لا يستجاب لهم دعاؤهم: "رجل يدعو على والديه … ورجل يقعد في بيته ويقول: ربّ ارزقني، ولا يخرج ولا يطلب الرزق، فيقول الله عز وجل له: عبدي، ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة، فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتّباع أمري … وأنت غير معذور عندي." وهناك عدة روايات لأحاديث بصيغ مختلفة، كل تصبّ في خانة مساواة العمل بالعبادة، شرط أن تكون النيّة لله تعالى. فمن يعمل في أي حقل، سواء في الطب أو الهندسة أو التجارة أو التدريس أو الزراعة فله أجر العمل وثوابه. وقد رُوي عن الرسول أن: "العبادة عشرة أجزاء تسعة أجزاء في طلب الحلال"، وأن "الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله"، فطلب الرزق الحلال فريضة وجهاد مثلما وجه رسول الله أن "طلب الحلال فريضة بعد الفريضة." وفي رواية شبيهة أن رسول الله كان إذا نظر إلى الرجل فأعجبه سأل أصحابه: هل له حرفة؟ فإن قالوا: لا، قال: سقط من عيني، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: "لأن المؤمن إذا لم تكن له حرفة يعيش بدينه. إن الله تعالى يحب العبد المؤمن المحترف."

وفي محاضرة حول الدلالات الرقمية في القرآن الكريم حدثت في حلب منذ عامين وعدت اليوم إلى ملخصّها، ذكر الباحث أن كلمة العمل ومشتقاتها قد وردت في القرآن أكثر من 360 مرة، وفي آية استخدمها السلف مراراً وتكراراً لبيان فضل العمل يقول الله تعالى: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون،" وفي آية أخرى نرى أن العبادات لا تغني عن العمل: " فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله." وسيعود العمل الصالح على المؤمن المسلم بفوائد عديدة تنعكس أيضاً على محيطه وبلده وازدهار الأمّة بشكل عام، فهو سيُشبع حاجاته النفسية من احترام وتقدير وإثبات الذات واطمئنان نفسي، وسيوفّر المتطلبات المادية من غذاء وبيت وسيارة وغيرها من اللوازم الضرورية وبعض الحاجات الثانوية، وقد وعد الله سبحانه وتعالى عباده بقوله: "إنّا لا نُضيع أجر من أحسن عملاً." ويساهم العمل في التنمية الاقتصادية وخلق روح جديدة فيه والحفاظ على الأمن الاجتماعي برفع السوية الاجتماعية للناس وتخفيف البطالة وخلق فرص العمل وتقليل الجرائم والسّرقات، بالإضافة إلى البناء الحضاري للأجيال القادمة بدءاً من بناء الشباب وإعدادهم إعداداً متكاملاً ومتوازناً كي يكونوا بمستوى البناء والتحدّي الحضاري، والمنافسة الحضارية بين الأمم والشعوب. يقول تعالى:

"ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون". والصلاح هو صلاح العلم والعمل والسلوك والأخلاق والبناء الحضاري. وأوّل ضرورات البناء الحضاري هو التقدم الاقتصادي سواء في مجال الأعمال أو الصناعة أو التجارة أو الأبحاث والتكنولوجيا، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بتوظيف عقول الشباب، واستثمار قدراتهم ومواهبهم، والاهتمام الخاص بالمتفوقين منهم، وتشجيع روح الإبداع والابتكار والاختراع والاكتشاف، وتحفيزهم على المغامرة المحسوبة لتأسيس المشروعات. وعدا عن ذلك فإننا سنكون عندما نقف بين يدي الخالق كما لا يريد أحد أن يكون، فالإيمان لا يكتمل إلا بالعمل، والإنسان لا يفوز بالدنيا والآخرة إلا بإيمان يحييه العمل وعمل يغذيه الإيمان. "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات". إن لم نفتح الجبهات اليوم واسعة ضدّ التخلف والتقاعس والتواكل والكسل واليأس فسنكون من الخاسرين رغم الدعوات الصريحة التي أتتنا من الله ورسوله لتهدنا إلى الصراط المستقيم فلا نكون من المغضوب عليهم. "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحيكم".

وللحديث تتمة…


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND