إعلام

آخر مقالات إعلام



كتب عبدالسلام هيكل:

بنى أرسطو طاليس نظرية الفضيلة لديه بشكل رئيسي على مدى تأثير الشخصيات القدوة على المجتمع.

ويعتقد الفيلسوف اليوناني "وهو تلاميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر" أن الإنسان يتعلم أن يكون فاضلاً بأن يقلّد تصرفات الأشخاص الفاضلين.

وباستمرار التقليد يصبح الإنسان فاضلاً بسبب الاعتياد الذي نشأ لديه. ورأى أرسطو أن واجب كل مواطن أن يكن قدوة حسنة، وينطبق هذا بشكل خاص على الشخصيات العامة والمعروفة لأنه غالباً ما يكون العيون عليهم. وبالتالي فعلى تلك الشخصيات أن تكون قدوة في عملها وحياتها، بل ويضعهم أرسطو أمام مسؤولية جدية عليهم تحمّلها. هؤلاء الشخصيات هم الفارس الموجودفي كل منا، والذي نسعى أن نكونه.

والتمثّل بالقدوة يبدأ منذ الطفولة، فأول ما يقتدي الطفل بوالديه، فهما له الأعلم والأقوى باعتبارهما يجيبان على أسئلته ويحميانه من العالم الخارجي الذي يجهله. وفي بداية سن المراهقة، يبدأ الإنسان بالشعور بأن الوالدين بإمكانهما أن يخطئا كذلك فيبحث في عقله الباطن عن قدوة جديدة يتعلق بها غالباً ما تكون من الشخصيات العامة الرياضية أو الفنية، وفي مرحلة النضوج تكون الشخصية مهنية أو سياسية أو فكرية أو من حقل الأعمال.

وفي الكثير من الحالات يأتي الإلهام من الأجداد أو الأقارب و الزمأو الزملاء الذين كانوا قدوة في شخصيتهم وإنجازاتهم. وفي حالات أخرى، يتمثل الإنسان شخصية روائية أو درامية أو ملحمية. ومن الملفت جداً الدراسات التي أظهرت أن غالبية الأشخاص الذين نجحوا وتحولوا إلى قدوة كانوا قد اقتدوا بأشخاص آخرين اعتبروهم مثلاً أعلى وسعوا للسير على منوالهم اكتساب مثل ما لديه من مؤهلات، وكلّما كانت القدوة حائزة على مؤهلات أكبر، كانت قوة الدفع نحو الإنجاز والنجاح أكبر. وكلما كثر الشخصيات التي توصف بالعظيمة في مجتمع معين أو في ثقافة معينة، كلما أنتج ذلك المجتمع شخصيات عظيمة أخرى. فالقدوة أو الفارس أو البطل لهم أثر كبير في تكوين شخصية الإنسان منذ صغره وفي التغييرات الكثيرة التي تحصل عليها في المراحل العمرية المختلفة.

وفي الزمن الرديء وأوقات الشدة ومرحلة التغيير تفتقد القدوة. وللأسف فالمجتمعات التي تتقهقر اقتصادياً وفكرياً واجتماعياً تندر فيها الشخصيات القدوة، ولا يعود أهل المرء وأقاربه وأصدقاؤه قادرين على القيام بدور القدوة لأنهم لم يحققوا إنجازات تلهم من حولهم، فيسعى للاقتداء بأمثلة تجعله يعيش ولو في مخيلته حياة أفضل. وعندما يسود تلك المجتمعات الرأي الواحد والإعلام الواحد مثل غالبية دول العالم الثالث تصبح القدوة على قلتها غائبة "أو مغيّبة" كذلك. والنجاحات الفردية إن لم يروّج لها الإعلام فلا سبيل لعامة الناس للاطلاع عليها واتخاذ أصحابها قدوة والتأثر بهم. وبسبب الفساد والإفساد العامين في تلك المجتمعات، وضعف الشفافية وزيادة التعتيم يصبح أغلب الناجحين في شبهة. فللنجاح في تلك المجتمعات أساليب تنافي ما يجب أن تكون عليه القدوة بشكل عام. فأول صفات القدوة هو اقتران القول والعمل، فلا تناقض بين منطقها وسلوكها. وأن تكون ثابتة على المبادئ فهي ليست مزاجية أو موسمية تتبدل حسب الزمان والمكان والمقام.

وأن تكون كذلك تتصرّف بوحي من ثقتها بنفسها وإيمانها، وعلى سجيتها دون تصنّع ولا تكلّف ولا تمثيل. ولا بد لها من أن تعمل بما تأمر به، تنتهي عما تنهى عنه. والقدوة غير معصومة عن الخطأ، لكنها تسارع إلى الاعتراف به ومعالجته وتفاديه، وبذلك تكون قدوة حتى في صراحتها وشفافيتها، وفي سعيها إلى تصحيح ما تقع به من أخطاء.

وسورية تعاني اليوم من غياب القدوة على جميع المستويات وخاصة في المجالس التمثيلية. وقد استوى في مجتمعنا الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وما عدنا قادرين على تمييز الغث من السمين، بل وخلطنا الصالح بالطالح. وأدى غياب القدوة بالاشتراك مع أسباب أخرى لا مجال لذكرها إلى انهيار منظومة القيم السورية، وسواد مقاييس مثل "معك قرش بتسوى قرش" أو لا يهم ماذا تعرف، المهم من تعرف؟

وبغياب الشخصيات المرجعية، هل يمكن أن نفكر سوية بمن هم قدوة جيل الشباب اليوم؟ أين هو الطبيب القدوة؟ أو المهندس؟ أو الأستاذ؟ أو النقابي؟ أو الوزير؟ أو النائب؟ أين هو التاجر القدوة؟ أو الصناعي؟ أو رجل الأعمال؟ أين هو العصامي القدوة؟ أين هو الشاب القدوة؟ أي هي الشركة القدوة؟ أين هو الرياضي القدوة؟ أين هو الفنان القدوة؟

أين هو من يشكل قدوة صالحة في سورية؟ لا شك أن هناك أشخاص عديدون تنطبق عليهم صفات القدوة الصالحة إلا أن تأثيرهم محدود لبضعة أشخاص من مخالطيهم. وليس من المفيد أن تطغى قدوة فوق قدوة ما يؤدي إلى غلبة لون واحد يعيق التقدم، مثل أن يغلب رجل الدين بزهدهم وتعففهم عن الدنيا وطريقة حياتهم كقدوة دون غيرهم. إلا أن النهضة المرجوة تحتاج وعياً إعلامياً بالقدوة ما يزيد من تأثيرها الملهم ويسرع من عملية إنتاج فرسان آخرين يلهمون النجاح والصبر والعمل الدؤوب والإخلاص والأمانة وغير ذلك من صفات تفتقدها عملية الإصلاح. والخطة الخمسية العاشرة التي تعد بأن "تشيل الزير من البير" لن تساعدها حالة غياب القدوة والمرجعية في سورية، والتي يحل مكانها ما تصوره قنوات الغزو الفضائي المستعربة من ابتذال وميوعة وبطون مكشوفة وأجسام مهتزة، أو النجاحات التي يروج لها فرسان "الحلم الأميركي" وأبطال نهضة دبي. وغياب الفرسان الحقيقيين إعلامياً يسهل أن نتمثل من الدين مظاهره "كالحجاب أو اللحية"، أو من المسؤولية المنصب، وهكذا دواليك.

في حديث مع صديق لي حول ما هو كائن وما يجب أن يكون قال لي بحدة: يا أخي خلّصنا، فقد انتهى عصر الفرسان. ربما تبدو هذه العبارة درامية زيادة عن اللزوم، إلا أنني لا ألوم صديقي عليها وعلى ما أراه تشاؤماً يعرقل السير إلى الأمام، فهو قال ما قاله بسبب غياب القدوة، غياب الفارس في مجتمعنا فعلاً، ولا بد لسورية أن تعود إلى ما كانت عليه في أواسط القرن الماضي، فتقدم نماذج قدوة حقيقية ـ أبطال وفرسان حقيقيون ـ بعيداً عن المهلّلين والمهرجين والفاسدين وأولئك الباحثين عن المادة فقط. ولا بد أن يستعيد المجتمع رشده وعقله وأهدافه الكبرى، بتخطيط من الحكومة ومؤسسات المجتمع الأهلي وغرف التجارة والصناعة، وبدعم من الإعلام، فالأسرة وحدها لن تستطيع أن تقوم بدوها بمعزل من هؤلاء جميعاً. وأقول بتفاؤل وإيمان كبيرين: لا يا صديقي. ففي بلدنا، لم يبدأ عصر الفرسان بعد لينتهي.

 


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND