إعلام

آخر مقالات إعلام



كتب عبدالسلام هيكل

محمد بن عبد الله في غار حراء – يأتيه الملك جبريل – "اقرأ" يقول له، ويجيب رسول الله: ما أنا بقارئ. فيكررها مرة ثانية "اقرأ"، ويجيب الرسول: ما أنا بقارئ – فيقول له الملك: "اقرأ باسم ربك الذي خلق × خلق الإنسان من علق × اقرأ وربك الأكرم × الذي علم بالقلم × علم الإنسان ما لم يعلم." وكان ذلك أول الوحي. تلك الأمة التي تبدي من ظواهر الدين كل ما نراه حولنا، كيف تغيب عنها معاني تلك القصة التي غيرت مجرى التاريخ؟ وكيف تنسى أن ديانتها التي يدين بها نحو الملياري إنسان حول العالم والتي أنتجت ثقافة وأسلوب حياة قد ابتدأت بأمر إلهي من كلمة واحدة هي اقرأ؟

تسأل ويجيبون بأن الاستثمار أجدى في القنوات الفضائية الموسيقية، بالرغم من أنها تقدّم للأطفال والشباب أمثلة مشوّهة عن النجاح في الحياة وتروّج لمظاهر يحاول الغرب المتحرر التخلّص منها اليوم والعودة للقيم الإنسانية الحقيقية. نعم، الاستثمار فيها قد يكون أجدى اليوم بعائد مالي مباشرة، طالما أنه المنتج المعروض يلعب على الغرائز ويوظّف العواطف ويحوّل شباناً وصباياً في مقتبل عمرهم إلى نجوم يقتدى بهم، يملؤون الفراغ النفسي والعقلي والروحي لدى الجيل التائه بين داعية "مودرن" يدرّ له منتجه الديني المتلفز الملايين سنوياً، وصوت آخر يقول له: إن سبب التخلّف هو الالتزام بالدين وما فيه من تعليمات تعرقل المسيرة للأمام، فالاستثمار الذي سيعود علينا بالمال اليوم، بماذا سيعود علينا غداً عندما تتحوّل تلك المدخلات إلى مخرجات بشكل إنسان نأمل منه الإصلاح فنجده يزيد الطين بلة؟

ينافس الكتاب اليوم العديد من الوسائل الأخرى، ومنها التلفزيون والسينما والإنترنت وغيرها الكثير، كما يعاني من تقلص عدد القراء عالمياً بسبب انشغالهم بتأمين متطلبات الحياة التي تزداد كل يوم. ويعاني الكتاب الورقي تحديداً من الهجمة الشرسة للوسائل الإلكترونية، التي أدت بالناشرين لاعتماد الكتاب الإلكتروني، والكتاب المسموع، على سبيل المثال. لكن أزمة الكتاب العالمي لا تشبه بأي شكل من الأشكال أزمة الكتاب العربي. فالأولى تشكي من تناقص عدد القراء، والثانية تشكي من انعدامهم. الأولى تحاول أن تستعيد القرّاء بإغرائهم بكل الوسائل التسويقية وأساليب الترويج والجذب الحديثة، والثانية تلوم الناس لأنهم لا يقرؤون دون أن تنظر إلى مشكلاتها. الأولى أزمة لصناعة كبرى تستثمر ملايين الدولارات لكي تصنع من الكتّاب نجوماً وأعلاماً يصبحون جاذبين للقرّاء، والثانية أزمة هوية ومفهوم لدكاكين يديرها مثقفون يساومون مثقفين آخرين على نتاجهم الفكري وينظرون للترويج كإساءة لقيمة الثقافة والأدب وكلاهما قيمة أبقى من المال.

وطالما أن الرأي السائد هو كذلك، فإن الثقافة هي فعلاً قيمة أبقى وإنما في عقول أصحابها ومنتجيها، علم ضائع لا ينتفع به.

أزمة الكتاب تبدأ من عدم وجود المضمون الذي يبحث الناس عنه. تقول إحصاءات معارض الكتاب إن أغلب المبيعات هي للكتب الدينية. الكتب التي فيها الوعظ والإرشاد بما يتفق مع الاتجاه العام للمجتمع تلقى رواجاً وتنفق، بينما تكسد الكتب الأخرى. هناك ثقة بالكتب الدينينة مستمدة من الثقة برجال الدين، تؤدي إلى أن هناك من يريد اقتناء الكتاب لقراءته والاستفادة منه ولتعزيز هويته وانتمائه سواء فكرياً أم ظاهرياً. أما الكتب الأخرى فتنقصها الثقة. والكاتب الذي استطاع انتزاع ثقة الناس حوّلهم إلى قرّاء له، مثل محمد الماغوط ونزار قباني وسعد الله ونوس وعبد السلام العجيلي وغيرهم.

مبيعاتهم أقل من كتّاب بمثل حجمهم في الغرب بسبب أن بعض كتبهم لم تتواجد في السوق لأسباب متنوعة، وبسبب ضعف الترويج الإعلامي لهم بشكل يجذب الناس على قراءتهم، وبسبب أن دور النشر التي أنتجت كتبهم كان أغلبها مقيماً خارج سورية. لكن مبيعات أولئك الكتّاب الذين احترموا عقل القارئ، وقدّموا له ما يفش قلبه ليس بالنقد وحسب، بل بمعالجة الواقع الذي يعيشونه كل يوم وملامسة أحاسيسهم ومشاعرهم ومشاركتهم بهمومهم ومشكلاتهم. أولئك فهموا الواقع وعاشوه واستطاعوا التغلّب على كل تلك المخاوف التي تكبّل الأيدي، بل وعلى الرقيب الداخلي المتحفّز دائماً والذي يحوّل القلم في داخل أصحاب الفكر إلى مقص.

هذه دعوة للشركات الكبرى أن تفكر بالاستثمار في صناعة النشر كقطاع اقتصادي بحت، وفي إنتاج الكتاب تحديداً، وقد تجد في أزمة السير التي نعيشها فرصة تحوّل الكتاب المسموع المسجّل على أقراص إلى منتج رائج، وفي ازدياد استخدام التكنولوجيا والهاتف النقّال والإنترنت فرصة لإنتاج ثقافة إلكترونية يحتاجها الجيل الجديد بل ويطلبها من مصادر أجنبية. الاستثمار الحقيقي في هذا المجال سيفضي إلى نشوء ظروف وقواعد وأعراف جديدة، وإلى الإلزام القانوني بحقوق الملكية الفكرية، وإعادة التقدير لمهنة الكتابة وللكتّاب المتميزين. إن النظر إلى الثقافة كمنتج اقتصادي هو ما سيساعد في خلق العادات التي نحاول تحفيزها دون جدوى، ومحاولة تنزيه الثقافة عن هذا الأمر سيؤدي إلى تراجعها أمام منتجات أخرى أسهل منالاً وأكثر انتشاراً مثل المسلسلات والأفلام والأغاني وغيرها. خلال فترة قصيرة أصبحت أمسيات الموسيقا الكلاسيكية في سورية منتجاً ثقافياً مرغوباً، وكذلك أمسيات المسرح والندوات والمعارض، وهذا ما نلمسه في النشاطات المتميزة لدمشق عاصمة الثقافة العربية. أما الكتاب فقد تراجع، والكلمة فقدت سلطتها بعدما أساء لسلطتها الكثيرون، وحدّت من سلطتها ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية. رفض مجلس النواب السوري عام 1954 فصل الدبلوماسي الشاعر نزار قباني إثر نشر ديوانه "خبز وحشيسش وقمر"، يقابله طرد أدونيس من اتحاد الكتاب العرب عام 1995، وكأننا في غنى عمّن هم مثله طالما أن مجتمعنا يغصّ بهم. أما الفرصة الجديدة التي يجب فهم مضامينها واستغلالها فتتمثل بالتكريم الذي حصل عله العديد من المبدعين خلال الأعوام الأخيرة الماضية أو الذي عرض عليهم، وهذه السياسة الجديدة المعلنة تبنّاها البعث على الأقل نظرياً خلال مؤتمره السابق رؤية متجددة وفكراً يتسع للجميع. هذا المثال وحده لا يلخّص وإنما يشير، وهذه المقالة ليست لترسم كل الصورة إنما لتبادر بفتح نقاش اقتصادي لا فلسفي لمواجهة أزمة الكتاب التي حوّلتنا من أمة "اقرأ" إلى أمة "ما أنا بقارئ". الأزمة هي أزمة منتج. فإن كنا قد التفتنا لجودة وترويج منتجاتنا الصناعية والدرامية والخدمية لكي نسوّقها للخارج، فحري بنا أن نلتفت لجودة وترويج منتجنا الثقافي الآن، وأن نتوقف عن إيهام أنفسنا بمسؤولية القارئ لأنه لا يقرأ ما نمليه عليه باعتبار أننا أدرى بمصلحته.

لعلّه الوقت الذي ندخل فيه مبادئ اقتصاد السوق إلى قطاع الثقافة لنخرج من دوامة الجهل.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND