إعلام

آخر مقالات إعلام



كتب عبدالسلام هيكل

في منطقة بوسطن الكبرى "عاصمة ولاية ماستشوستس الأميركية" هناك أكثر من 100 جامعة.

جامعة بوسطن لوحدها تعتبر رابع أكبر موظِف في المدينة. هارفارد تقع هناك كذلك في بلدة كامبريدج التابعة لبوسطن، ومعها معهد ماستشوستس التقني MIT، وجامعة تفتس Tufts، وجامعة نورثيستيرن Northeastern. ذكرتُ الجامعات الأخيرة تحديداً لانها جامعات أبحاث، ولها شجرة عالمية تجعل الطامحين من أنحاء العالم توّاقين للانتساب إليها كطلاب أو أساتذة أو باحثين.

والسؤال الرائج في سورية اليوم، هو كيف نربط الجامعات بسوق العمل؟ بعض الجواب أسوقه من إحصائيات قرأتها عن جامعة MIT الشهيرة بريادة خرّيجيها من جميع الأقسام، فخرّيجوها أسّسوا نحو 4000 شركة، تزداد كل عام بنحو 150 شركة، وتوظف ما مجموعه 1.1 مليون شخص، وتدرّ سنوياً عوائد بقيمة تزيد عن 232 مليار دولار أميركي، لو اجتمعت هذه الشركات لتؤسس دولة لأصبح اقتصادها الرابع والعشرين على مستوى العالم من حيث حجمه، أما هارفارد، فقد تأسّست عام 1936. ولعل الأهم من دلالات عراقة الجامعة أن نعلم أن الولايات المتحدة الأميركية نفسها لم تؤسّس كدولة وتحصل على استقلالها إلا في عام 1776، أي بعد 140 سنة من تأسيس هارفارد، علماً أن 75 من الحائزين على جائزة نوبل لهم علاقة بهارفارد بشكل أو بآخر، و19 منهم يدرسون فيها.

لعل ما أريد أن أختم به حول الجامعات الأميركية دون إطالة هو أنها جامعات غير ربحية. تموّل تلك الجامعات من أقساط طلابها وعوائد مشروعاتها ومن عوائد استثمار الوقف العائد لها والذي ينمو كل عام، الأرقام التي سترد مذهلة ولكنها حقيقية. فالوقف العائد لهارفارد هو الأكبر وقدره 34 مليار دولار، أما MIT فوقفها 9 مليارات دولار، أما جامعة بوسطن فمليارا دولار. وفي الولايات المتحدة هناك أكثر من 70 جامعة تتجاوز قيمة وقف كل منها المليار دولار أميركي. هذه الأوقاف بدأت كتبرعات، وما زالت تتلقى ملايين الدولارات كتبرعات كل عام، وإن كان جزء من التدريس يموّل من الأقساط فإن الأبحاث لا يمكن تمويلها دون وجود الوقف واستمرار تدفق التبرعات. ويحذو حذو الجامعات الأميركية، تلك الجامعات التي أسّسها العدو الإسرائيلي على أرض فلسطين المحتلة حتى قبل عام 1948، ومنها من يضم في مجلس أمنائه ألبرت أينشتاين وسيغموند فرويد، وبعضها ما يصنف مع الجامعات المئة الأفضل في العالم.

أما في تركيا، فهناك أكثر من 120 جامعة، وقد سمح القانون للمؤسسات الخيرية الخاصة بتأسيس جامعات ووقف أموال لها. وعلى سبيل المثال، تبرعت عائلة سابانشي بمبلغ 262 مليون دولار لتأسيس جامعة سابانشي في أسطنبول عام 1996، ومن ثم وقفت لها مبلغ 110 ملايين دولارلتمويلها المستقبلي. وفي أمر له دلالات سواء على الرابط والانتماء أم على مستوى الرواتب، فقد تبرع نحو 140 من موظفي تلك الجامعة بما مجموعه 450.000 دولار أميركي خلال خمس سنوات، أي بمعدل 600 دولار للموظف بالسنة.

وصديقتنا الأخرى إيران، فيها 54 جامعة حكومية و42 كلية أخرى للطب و289 جامعة خاصة، فمثلاً في جامعة شاباهار الدولية لديها فروع لجامعات بريطانية عريقة مثل كلية لندن للاقتصاد والسياسة LSE ورويال هولواي التابعة لجامعة لندن، وهذه الجامعات تضع إيران في المرتبة الأولى عالمياً في حجم نمو الأبحاث المنشورة سنوياً وتليها في ذلك الصين. وفي العلوم والتكنولوجيا، تعتبر إيران نفسها من اللاعبين الثلاثة الأوائل في آسيا، واضعة نفسها في مصاف اليابان وتركيا.

وفي قطر، أسست العائة الحاكمة مدينة قطر للتعليم والتي أصبحت تضم فرعاً لجامعة كارنجي ميلون الأميركية العريقة، وكلية للدبلوماسية تتبع لجامعة جورجتاون، وجامعة تكساس إي آند إم، وجامعة كورنيل الطبية، وجامعة فرجينيا كومونويلث للآداب والعلوم. وفي السعودية، ستنطلق في 2009 جامعة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا، وهي جامعة للأبحاث أيضاً بوقف قدره 10 مليارات دولار، وقد تم تعيين العالم السوري الدكتور فواز العلبي ليكون الرئيس الأكاديمي المؤسس للجامعة. وفي رسالة قبوله للمنصب قال الدكتور العلبي: "لقد ولدت ونشأت في العالم العربي – في سورية ولبنان والسعودية، ولكني لم أحلم يوماً أني سأستطيع أن أوفي تلك الثقافة التي ساعدتني في سنواتي الأولى حقها. الآن أعتقد أننا سنبني مركز إشعاع للبحث العلمي ليكون على مستوى الجامعات العالمية في الاستجابة لمتطلبات – بل وأحلام – العالم كله".

وفي الوقت الذي تتربع فيه جامعتان ماليزيتان وجامعة جنوب أفريقية في مواقع تتقدم على كبريات الجامعات ذات الشهرة العالمية في القائمة الدولية لأفضل 200 جامعة، فإننا للأسف لا نجد أي جامعة عربية بالرغم من أن جامعة القرويين في المغرب "أسست عام 859" وجامعة الأزهر في مصر "975" هما أقدم جامعتين ما زالتا عاملتين في العالم. تراجعت أغلب الجامعات العربية ومنها جامعة دمشق العريقة بحكم ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية، وبسبب زيادة الضغط عليها وعدم قدرة الحكومات على تخصيص الموارد المالية الكافية لها، ما حولها إلى مؤسسات استيعاب كمي وليس إلى مؤسسات استيعاب نوعي.

أما الجامعات الخاصة فأغلبها تهدف للربح مما قد يعيق اهتمامها بالأبحاث والمعايير الأكاديمية. لا أقول هذا لأحبط بل لألفت النظر فقط، ولا بد من أن أشجع الجامعات الخاصة السورية وهي في أول الطريق وخاصة من أثبت منها ريادة وجدية مثل جامعة القلمون ومعهد إدارة الأعمال هبا. هذا ما ذهب إليه العدو والصديق والبين بين في قضية التعليم العالي، وهو نفسه ما ذهب إليه أجدادنا عندما أسّسوا الجامعة السورية ابتداءً من معهد الطب عام 1903 والتي ورثتها جامعة دمشق.

نعم، لحظة تأمل واحدة تكفي.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND