إعلام

آخر مقالات إعلام



كتب عبدالسلام هيكل

كتبت أكثر من مرة عن تمرينات التفاؤل الصباحية، وكنت أروّج ضاحكاً أن لهذه التدريبات أثراً اقتصادياً مهماً قد يصبح مكوّناً ذي شأن لو تم حسابه في الخطة الخمسية العاشرة. وبالرغم من أن هذه التمرينات تفشل أحياناً عندما تزداد الضغوط أو تتراكم، فقد ساعدتني في أن أشحن نفسي بطاقة من "السعادة" تساعد على التفاعل الإيجابي مع التحديات اليومية.

وهذا الرأي الشخصي للغاية أضحك الكثيرين، إلا أن البعض ـ وعلى مبدأ الغريق يتعلق بقشة ـ قرروا أن يجربوا وصفتي السحرية الصباحية: اسمع أغاني مرحة، اكتب رسالة أو معايدة أو أرسل وروداً أو هدية، راجع صوراً قديمة تظهر فيها مع من تحب، سلّم بحرارة على أول شخص تجتمع به، تبادل الحديث مع طفل صغير، وانظر في المرآة عن قرب وقل لنفسك بابتسامة عريضة وصوت واثق "مشقرق": صباح الخير.

بين المزاح والجدّ، فوجئت بتأكيد علمي لنجاعة هذه التمرينات. فقد جاء في بحث أميركي أن السعادة ـ وليس الاجتهاد ـ هي المسبّب الرئيسي للنجاح، وأن ما كان ينظر إليه على أنه مُسبب للسعادة هو بالفعل نتيجة لها وليس سبباً، فالأشخاص السعداء يسعون للدخول في تجارب جديدة وتحدي أنفسهم، فتتعزز لديهم مشاعرإيجابية تؤدي إلى نجاحهم في عملهم، وعلاقتهم، والحفاظ على صحتهم. وقد قادت السعادة أصحابها ليكونوا أكثر اجتماعية، وأكثر كرماً بمالهم وعواطفهم، وأكثر رومانسية، وأكثر إبداعاً، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأكثر إنتاجية في عملهم، وأكثر ثقة بأنفسهم، وأكثر قدرة على التكيف مع الظروف، وبالتالي فالسعادة مكّنتهم من دخل مادي أفضل، ومناعة صحية أكبر، وعمر أطول. وأشارت الدراسة إلى أن غالبية من "أصابهم الحظ"كان لهم نظرة متفائلة إلى الحياة حتى خلال الصعوبات الأسوأ.

والنجاح ليس مادياً فحسب، بل هو الحصول على كل ما يقدره المجتمع من عائلة وأصدقاء ومال وصحة، وأن يكون الشخص محبوباً ومرغوباً.

الجميل في هذه الدراسة أنها تصرّ على أن الناس غير السعداء أو المكتئبين ليسوا محكومين بالفشل. بل يجب عليهم العمل لزيادة تواتر المشاعر الإيجابية لديهم وذلك عبرالقيام بما يثير سعادتهم حتى ولو كان مؤقتاً ـ تمرينات التفاؤل مثلاً. وبالرغم من الدلائل على أن النزوع إلى السعادة هو أمر وراثي جيني، فالسعادة مهارة يمكن اكتسابها. وإضافة لتمرينات التفاؤل، يمكن اتباع خطوات مثل تنويع الاهتمامات، أو تعلم التكيف، أو الانتقال تدريجياً من "النق والسق" إلى الرضا والقناعة بإحصاء النعم، وعدم النظر للأزمات على أنها نهاية العالم. بذلك فقد صدق الشاعر إيليا أبو ماضي عندما قال منذ تسعين سنة:

أيها الشاكي وما بك داءٌ

كيف تغدو إذا غدوت عليلا؟

والذي نفسه بغير جمالٍ

لا يرى في الوجود شيئاً جميلا

كل من يجمع الهموم عليه

أخذته الهموم أخداً وبيلا

أيها الشاكي وما بك داء

كن جميلاً ترى الوجود جميلا

 

قبل أن يشمت من هم فوق بمن هم تحت ويشيرون إليهم باللوم على ما هم فيه من قلة سعادة، لا بد من الإشارة إلى أن السعادة ليست هدفاً يجب أن يسعى إليه الأفراد فحسب بل الدول كذلك. فالدول السعيدة التي تغلب السعادة على أفرادها هي أكثر نجاحاً من الدول اللاسعيدة، وفي المجتمعات الصناعية الناجحة فإن أربعة مم كل خمسة أشخاص هم سعداء.

المواطنون السعداء يثقون ببعضهم، ويتعاونون كأهل وأصدقاء وزملاء عمل وجيران، ولديهم ميول للديمقراطية، ولمساعدة المجتمع، وحيث إن الدول لا يمكنها أن تفرض السعادة على مواطنيها، فعليها أن تؤمن لهم الظروف الملائمة من حدائق وملاعب، وبيئة أعمال مناسبة، ونظام صحي فعال، ونظام نقل وسير جيد، وإلى ما ذلك من بديهيات غابت عن دولنا غير السعيدة.

سأتحدث في العدد القادم عن الموسيقار فريد الأطرش الذي يعتبر من أساطين مدرسة السعادة، وتشهد له على ذلك أغنية "خليها على الله" التي ـ وإن بدت خفيفة ـ وفيها من الحكم ما يزيد ويفيض.

ولكن قبل ذلك، أعود لواحد من تمريناتي الشخصية وهو إقناع نفسي بأنه لم يغب عن حكومتنا الرشيدة ضرورة زيادة التفاؤل والسعادة عبر الاهتمام بأمور المواطن الصغيرة، فهي إن جعلته أكثر سعادة، فسيردّ لها الجميل ويكون أكثرإنتاجية وأكثر إيماناً بعملية الإصلاح. والأمل أن يقرأ أولي الحل والربط ما بين السطور، فلا يجعلون السعادة فرضاً جديداً على مبدأ: أخي المواطن.. حرصاً على المصلحة الوطنية.. اضحك بالتي هي أحسن!


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND