إعلام

آخر مقالات إعلام



كتب عبدالسلام هيكل

أفراد عصابة أولي الأمر المنصبة على لبنان مستمرون في محاولة بث الإهانات المباشرة أو غير المباشرة إلى سورية. وقد ابتكروا لحربهم الإعلامية المرتدة عليهم مصطلحات مثل "ريف دمشق" لتوحي فيما توحي للبنانين ذوي الغالبية الحضرية والسوريين ذوي الغالبية الريفية بأنهم مختلفون.

بقدر ما يدل هذا الكلام على صميم العقد الطبقية التي يعاني منها أولئك ويعاني لبنان من آثارها عليه، فإن يشير إلى جانب لدينا لا تخفيه بل نفخر به. فسورية تملك من التنوع البشري ضمن إمكانيات أخرى ما يجعلها الدولة الأقدر على قيادة المنطقة بأكملها "ولنقل بلاد الشلام" إلى مصاف الدول المتقدمة. من يرى في ذلك تعارضاً مع مصالحه "سواء كان من الدول المجاورة أم البعيدة" لن يرضى أن تعود مشق العاصمة الأم لمنطقة فيها مدن وحواضر كبرى مثل حلب وبيروت وعمان، أبعدها عن بعضها البعض اتفاق البريطاني سايكس والفرنسي بيكو على اقتسام سورية الطبيعية بين دولتيهما سنة 1916. لن يكتفي المتضرر بألا يرضى، بل وسيعمل على إضعاف سورية والتشكيك بمقدراتها وبأنها الأقدر كدولة على البقاء بين محيطها خاصة بإمكانياتها البشرية والمادية الضخمة وإن اختفت اليوم تحت أكداس من تراب الماضي.

ينصبّ العديد من البرامج التنموية اليوم على الأرياف في سورية. وبالرغم من غنى أريافنا بالموارد الطبيعية، فإن مواردها لا تُستغل حتى الآن بالشكل الأمثل وما زالت تعاني من الفقر والافتقار إلى الخدمات التعليمية والصحية والتوعوية. فمحافظة ريف دمشق هي واحدة من أكبر المحافظات السورية "مساحتها ضعف مساحة لبنان". وفيها الغوطة ووادي بردى وبلودان والزبداني والست زينب وفيها معلولا وصيدنايا ودير مار موسى وديرمار تقلا وغيرها. بعض هذه المناطق وخاصة تلك المتعلقة بالسياحة الدينية المسيحية والإسلامية لها شهرة عالمية تؤهل المحافظة لتكون قاطرة للتنمية السياحية في سورية. وقد يسأل سائل: إذاً، كيف تعاني محافظة ريف دمشق وفيها إضافة لكل ذلك ثاني أكبر تجمع صناعي في سورية بعد حلب؟ المشكلة في أن الماضي شهد اقتصاد التنمية على مناطق دون أخرى. وعدم إيلاء بناء البشر ذات أهمية بناء الحجر، في محافظة مترامية الأطراف لا تقتصر على تلك المدن الصغيرة والبلدات التي سبق ذكرها. وفي ظل التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي تشهده سورية، يصبح التركيز على الأرياف ضرورة أكثر من أي وقت مضى لكبح جماح الآثار السلبية التي ستطال تلك المناطق أكثر من غيرها كونها الأقل تأهيلاً لفرش السجاد الأحمر لاقتصاد السوق.

ما ذكرته عن ريف دمشق ينطبق زيادة أو نقصاناً على ريف حلب وريف الساحل وحمص وعلى المناطق النائية في الجزيرة. نقدّر الجهود الحكومية والأهلية الرامية إلى التركيز على المناطق التي لم تنل حظها من التنمية في السابق، إلا أننا بحاجة للمزيد خاصة عندما نرى الآثار الكبيرة التي تتركها حتى المشروعات الصغيرة نسبياً. أذكر هنا على سبيل المثال مشروع جبل الحص الذي قام به برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP ومشروع تنمية منطقة حران العواميد في الغوطة الذي تقوم به الآن وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل بالشراكة مع جمعية رواد الأعمال الشباب SYEA ومؤسسة بداية وعدد من المؤسسات الأهلية المتميزة في بلدنا. في كلا المشروعين، يتم تمكين المجتمع الريفي لكي يخلق فرص العمل بدلاً من أن يقف على أبواب مكاتب التشغيل، وأن ما عودته عليه الحكومة في السابق "أو ما فرضته عليه ربما" من اتكال أصبح غير مجد وغير ممكن، الريف هو قضية أي بلد ممتد المساحة، وعندما يكون الريف غنياً بموارده مثل الريف السوري، فإنه يشكل فرصة لا عبئاً. ومثلما يفخر اللبنانيون ببيروت، فإننا نفخر بدمشق وحلب، ومثلما يفخرون بضيعهم وقراهم المتصلة بمدنهم، فإننا نفخر بريفنا الواسع المتسع الذي ستخرج منه حاضرات أخرى تستمد من عراقة المدينية في دمشق ومجدها.

علينا أن نسعى إذاً ونرى كحكومة وقطاع أعمال ما في أريافنا من فرص غير مكتشفة. تلك المشروعات الأهلية مهمة، والمؤتمر الاستثماري للمنطقة الشرقية الذي سيعقد في آذار مهم، والأهم هو ألا نتوقف، فتلك الطاقة التي نبثها ستتتحول إلى حركة والحركة إلى إنتاج والإنتاج إلى ازدهار. إذاً، فريف دمشق ليس "عرة" لكي يستخدمه البعض ممن جهل للغمر واللمز. أسمع من أغلب أصدقائي وإخواني اللبنانيين والأردنيين والمصريين الذين يزورون دمشق أن سورية اليوم هي مارد على وشك الانطلاق من قمقمه، وقد قال لي أحدهم: سورية بلدنا، وليخشَ من يعاديها اليوم أن يتمنى صداقتها غداً، أما نحن

فعلينا أن نعمل ونعمل ونعمل، لكي تتم الانطلاقة وتستمر، فيعود المجد ونزهو في عاصمة الدنيا دمشق مع السيدة فيروز وهي تغني كلمات سعيد عقل:
قرأتُ مجدَكِ في قلبي وفي الكُتُبِ
شآمُ ما المجدُ؟ أنتِ المجدُ لم يغِبِ
هذي لها النصرُ لا أبهى فلا هُزمت
وإن تهدّدها دَهرٌ من النُوَبِ


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND