إعلام

آخر مقالات إعلام



وروح البلد تسمية أخرى لمصطلح علمي هو السيكولوجيا الوطنية، يشير إلى البنية النفسية للأمة أو لمجموعة أفراد معينة. وتتألف هذه البنية من مزيج الخواص المميزة لتلك المجموعة مثل الطباع، والقيم، والقدرات، والمحفزات، والعواطف. ولعل ما تفشل به الدول في علاقاتها مع غيرها هو بعدم أخذها بعين الاعتبار لتلك السيكلوجي وافتراضها أن ما يصح في سورية مثلاً يصح في الأردن، أو أن ما هو خطأ في السعودية هو خطأ في مصر. وكذلك يفشل المنظرون السياسيون في توقع ردود الأفعال تجاه سياسات معينة لافتراضهم ردود أفعال معينة يتوقعونها من الجمهور دون الأخذ بعين الاعتبار لسيكولوجيته الفردية والجماعية. هذه الافتراضات تقود بشكل شبه حتمي إلى سوء فهم قد يؤدي إلى سياسات خاطئة أو قرارات متسرعة أو خطوات غير محسوبة وبالتالي إلى الخلاف والتعثر.

والسيكولوجية الوطنية هي الثقافة العامة التي يشكلها مجموعة سيكولوجيات الأفراد التي تؤثر بأفكارهم وتصرفاتهم وشخصياتهم. وإضافة لتقسيمات فرويد للنفس بين الأنا والأنا الأعلى والهوى، فإن الفرد يتأثر بهويته الاجتماعية بأشكالها الفرعية سواء الوطنية أم الدينية أم الطائفية أم الأسرية. وينشأ منها احترامه لذاته وإيمانه بقدرته على الإنجاز وتفاؤله بالمستقبل، أو عكس كل ذلك وكل فرد هو أسير لتجاربه الناجحة والفاشلة ولما نشأ عليه وما مر عليه من ظروف أو صعوبات، ويشترك المواطنون في بلد ما بظروف عامة مرت عليهم فتتشابه ظروفهم وتجاربهم إلى حد بعيد. وبالتالي لنستطيع التعامل مع كل منهم أو التأثير فيهم أو كسب تأييدهم فعلينا أن نفهمهم ونعرف أكثر عن تركيبهم السيكولوجي

نتبادل كل يوم تعليقات نطلق بها صفات عامة على الشعب كم من مرة سمعنا أن الشعب سلبي لا يرى إلا نصف الكأس الفارغ؟ وكم من مرة قلنا إن المسؤولين في بلدنا تنقصهم الجرأة وتعوزهم المسؤولية؟ وأن الشباب متواكلون لا يطمعون إلا بوظيفة ويفضل أن تكون مضمونة في القطاع العام حيث لا رقيب ولا حسيب؟ وكم سمعنا من أصحاب القرار أن الناس لا تستجيب للقرارات ولا تصدق الحكومة وأن لديها موقف مسبق من عملية الإصلاح؟ وكم قرأنا من لوم على الشعب أنه لم يفهم أن الدعم بشكله الحالي غير ممكن استمراره وبالتالي فإن إعادة التوزيع حتمية؟ ولكن قلما سألنا، ونادراً ما أجبنا بشكل علمي مدروس: ما هو سبب تلك الصفات إن صحّت وما هو مصدر ردود الأفعال التي ننتقدها؟

خلال ندوة حول الاستثمار، اختلف مسؤول مع مجموعة من المستشارين حول وضوح النهج الاقتصادي السوري. ما قاله المسؤول إن خيار اقتصاد السوق الاجتماعي محسوم ولا رجوع عنه بتاتاً، وإن كل السياسات الكلية والجزئية تصبّ في خدمة التحول نحو اقتصاد مفتوح حر فيه شبكات فاعلة للحماية الاجتماعية لكي تخفف آثار التحول عن الناس غير القادرة على الاستفادة من الفرص الجديدة بل والتي سيصيبها بضرر أو فقر أو معاناة من أي نوع. إذن فهناك فجوة في الفهم بين الناس وبين الحكومة، والسبب بعضه ضعف في التواصل، وجله خطأ في نوعية التواصل ومنهجيته وتصميمه ينطلق أساساً من عدم فهم كاف لجمهور المستهدف. الخلاصة: إن أردنا التأثير على الجمهور فعلينا أن نفهمه، ولعل جزءاً مما تعانيه العملية الاقتصادية هي عدم التفاف الناس بشكل كاف حول السياسات الجديدة المتبعة، بل وربما عدم فهمهم لها أو اقتناعهم بوجودها أصلاً.

في جمعة لأصدقاء قبل مدة وجيزة، أشار أحدهم إلى قيامه بزيارة لمحلل نفسي، مؤكداً أن جلساته النصف شهرية التي يتحدث فيها عن أفكاره ومشاعره جعلته أقوى وأفضل وأقدر على فهم نفسه وعقله الباطن وفهم الآخرين، ومنشأ أفكارهم وأفكاره، وردود أفعالهم وأفعاله. لقد شجعتنا تجربته على أن نقوم بمثل تلك الزيارة. ولو أني لم أقم بها حتى الآن، فلا أجد فيها ضيراً أو عيباً، بل على العكس ربما فيها حاجة لا أدركها اليوم لكنها قد تفيدني وتفيد من حولي غداً. وعلى المنوال ذاته، فربما ما تحتاجه البلد في هذا الوقت هو قيام الجامعات والأكاديميين وعلماء النفس والسلوك بدراسة التغيرات الاجتماعية الكبيرة وكيفية تأثيرها على المواطنين. وربما توقع نتائجها النفسية والاجتماعية قبل حدوثها والقيام بما يجنبنا مساوئها وآثارها السلبية قدر استطاعتنا، ويستفاد منها من قبل صناع القرار والمروّجين له خاصة في الإعلام.

ينسحب كل ما ذكرته عن السيكولوجية الجماعية ليس على الوطن بعمومه وحسب بل على مؤسساته العامة والخاصة، وتلك السيكولوجية متغيرة بشكل سريع وفقاً للظروف من حرب أو سلم، ازدهار أو ركود، انفتاح أو انغلاق، حرية أو تقييد، تخيير أو تسيير، لا شك أن السوريين يعيدون تشكيل أنفسهم بسرعة كبيرة في فترة التحول الاجتماعي الذي نشهده، ونلاحظ ذلك ربما اليوم في التغير السريع الذي تشهده عادات الاستهلاك وتغيرالاختيارات التي تنعكس ذوقاً خاصاً وعاماً جديداً، واهتمامات لم يسبق الالتفات لها من قبل. ويبدأ التغير لدى كل مواطن في عائلته أو في مكان عمله، ويؤثر في من حوله ويتأثر بهم، وربما على كل عائلة ومؤسسة التنبه إلى ما يحدث من تغيير في الظروف ومراقبة الصحة النفسية لأعضائها، ومحاولة ضبط السلوك والعادات وردود الأفعال وعدم السماح لها بالجنوح أو التطرف. لقد قامت دول عديدة بتخصيص برامج دائمة وأسابيع احتفالية جماهيرية لهذا الأمر ما ساعدها في القيام بإصلاحاتها بشكل منحها سلاسة وشعبية أكبر، وحافظت على توازن شعوبها ضمن الإطار الثقافي الذي يميزها أساساً.

لقد سمعتموها مثلما أسمعها كل يوم بأن البلد تنهض وتنمو، إنما على حساب فقدانها لـ "روحها" لا أعتقد أن بلداً مثل سورية خبرت التاريخ كله منذ بدئه بحلوه ومره يمكن أن تفقد روحها، إنما هي تعيد تشكيل روحاً جديدة. ما زالت لدينا الفرصة لنحافظ على ما نحب وعلى ما يميزنا، وأن نبني فوق ذاك التراث وتلك القيم التي نفاخر بها الدنيا سورية الجديدة التي نحلم بها. وأخشى أننا إن لم نسعَ للحفاظ على روح بلدنا، فإن التغييرات وإن حسنت غاياتها ستخلط الصالح بالطالح وقد تأتينا بشخصيات وأنفس معولمة لا طعم لها ولا لون، يتقاذفها شعوران متناقضان مشوهان متطرفان ينتمي أحدهما لروحانية الشرق وحميمية مجتمعه، والآخر لمادية الغرب وهشاشة أسره. عندها قد تفقد سورية مع الجيل الصاعد أهم ما فيها: أهلها وناسها، وفيهم كل روح البلد.

 

 


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND