آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات

المجتمع هو البعد الثالث للدولة



حياة قائد
حياة قائد
صحفية وكاتبة وفنانة تشكيلية يمنية. تنشر مقالاتها باللغة ا..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

"هل بقي لنا مستقبل؟"، هكذا تساءل الصحفي الألماني، يُواخِيم فِرناوْ، بتهكم مرير، وهو يختم جولته في انتقاد ثقافة الأمْرَكَة ونمط الحياة الأمريكية، تلك التي روجت لها العولمة الاقتصادية، حتى وصلنا إلى المرحلة التي يختلط فيها الحديث عن المستقبل بالحديث عن نـُذُر القيامة، واقتراب العالم من بداية النهاية.

وفي مقابل هذه النظرة القاتمة، يسود اتجاه إيجابي يدعو إلى تحفيز المجتمع المدني للتحرك عبر المؤسسات الأهلية غير الربحية والنقابات العمالية، والمنظمات الشعبية، والجمعيات الخيرية، وذلك بتفعيل العمل التطوعي، وتسويق القيم الإيجابية النافعة لصالح الجميع، ودعم الأفراد الواقعين تحت ضغوط سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية، لأجل احتوائهم وتقوية شعورهم بالانتماء، واستغلال نفس الوسائل، التي يتم استغلالها لنشر القيم الفاسدة، من أجل نشر القيم الإيجابية.

فالخطأ الذي نقع فيه دوماً هو الهروب من مواجهة حقيقة الدور الذي يمكننا ممارسته، لأن حجم المسئولية يشعرنا بالإحباط، فنلجأ لرمي المسئولية كاملة على الحكومات، أو حتى على العاملين في قطاعات الأعمال والتعليم والإعلام وغيرها، مع أن التغييرات الكبيرة تبدأ بأفعال صغيرة ما دامت نابعة من نفوس مخلصة وشجاعة تملك إرادة التغيير.

ففي إمكان مجموعة منظمة من الأفراد أن يعملوا على ترويج الفكر الإيجابي القويم، ودعوة الآخرين للاهتمام بالجانب الأخلاقي والإنساني، وبإمكان الفرد أن يبدأ بتغيير نفسه ومحيطه وزملائه في العمل وأعضاء أسرته وعشيرته، فالأشياء البسيطة تترك آثاراً كبيرة عندما يرافقها الإصرار، وهكذا يكون الفرد نموذجا لمن حوله في الحوار والتسامح والأمانة وعدم الاهتمام بالماديات، أي يدعو قولاً وفعلاً إلى العودة للقيم الإنسانية التي تعطي الفرد قناعة وانضباطاً ذاتيين، وفي هذا السياق، قد يبدو من المفيد مطالبة القطاع التعليمي بإضافة أنشطة لخدمة المجتمع في المدارس لتنشئة الصغار على حب وإجادة الأعمال التطوعية الهادفة.

إلا أن التغيير الفعال ينبثق من المجتمع المدني الفعال والذي يتحرك من خلال مؤسسات منظمة تعمل على توحيد الكثير من الجهود التطوعية والعلاقات التعاونية، وهي أمور تحتاج إلى استبصار من المجتمع بمشاكله وإدراك قدراته، والنظر إلى البنود العامة المتفق عليها بدلاً من الاختلاف على أمور فرعية.

نحن بلا شك بحاجه لمبادرات شعبية عاجلة من قبل المجتمع المدني، حيث أن الواقع المشاهد اليوم هو أن عمالقة الاقتصاد، وليس حكومات الدول العظمى، هم القوة الفعلية التي تحكم العالم الآن وليس العكس، وأصحاب الفكر الربحي لا يقيمون اعتباراً للكثير من القيم عندما تتعارض مع الربح، أي أن إلقاء اللوم على الحكومة أو الدستور لم يعد له ما يبرره، لأن حكومات الدول الآن بحاجة لدعم المجتمع لها، أو بعبارة أدق، إن تحسين الوضع العام للشعوب لم يعد متوقفاً على قرارات حكومية فقط، بل إن اعتراف المجتمع بمشاكله الملحة والتصرف بإيجابية إزاء تلك المشكلات، يمكن أن يحل كثيراً منها، ويمكن أيضاً، وهذا هو المهم، أن يجعل المجتمع شريكاً في القرار وقوة ضاغطة لتشكيل ثقافة بديلة تخدم الصالح العام وخير الجميع بدلاً من الخضوع لهيمنة النظرة الربحية التي يمارسها رجال المال والاقتصاد.

فالمجتمع هو البعد الثالث للدولة إلى جانب البعدين الاقتصادي والسياسي، والمجتمع هو "العملاء" الذين تتعامل معهم المؤسسات التجارية (المحلية والدولية)، والمجتمع هو الذي استقبل واستخدم وسائل الاتصال الحديثة، والتي بواسطتها، ألغى الكثير من الحواجز الثقافية والفكرية، أي أن المجتمع هو نفسه قد سهل لتلك المؤسسات الاقتصادية عملية الدخول، وبتفاعله مع تلك المؤسسات، عن طريق العمليات التجارية التبادلية المتمثلة في الطلب والعرض، فإنه قد ضمن لتلك المؤسسات وجودها واستمرارها، مما أكسبها هذه القوة والهيمنة الغير محدودة، ومكنها من حيازة نفوذ واسع ومتشعب في قطاعات عريضة وقنوات متشابكة عبر مختلف دول العالم، أي أن المجتمع "اختار" هذا الوضع الذي يشكو منه الآن، ومعنى هذا أنه لا زال يملك الخيار والقدرة على التغيير.

فإذا كنا نعلن شكوانا الغاضبة من سيطرة عمالقة التجارة على خيرات المجتمع، فإن علينا التوقف عن مجرد التذمر والالتفات لأهميتنا كمستهلكين يتهافت التجار على إرضائهم، فالمستهلك هو سيد السوق، وهو محور نجاح أو فشل المؤسسة، لأنه هو الذي يدفع، بطريق غير مباشر، الأجور ومرتبات العمال والأرباح، وأية مؤسسة، مهما تكن درجة اكتفائها الذاتي، لا تستطيع أن تعيش بمعزل عن خدمات المجتمع الذي تواصل نشاطها فيه، أي أن المجتمع المدني هو "لوبي" ضاغط وفعال، وإذا ما أيقظ قواه النائمة وباشر نضاله القويم في سبيل حقوقه، فسوف يحرز الكثير من النقاط التي تخدم أمنه وطموحه، ومستقبل أجياله القادمة، وفي هذا الصدد، يقول الأستاذ الجامعي الفرنسي، بيير بوردين: "إن الإنسان قادر على مكافحة التكنوقراطية الدولية بجدارة، إذا ما تحداها في مجالها المحبب، أعني الاقتصاد، وذلك إذا ما طرح –بدلاً عن معارفها المشوهة- معارف تتفوق عليها من حيث احترام الإنسان ومراعاة القيم السائدة".

لقد صار علينا الآن أن نتجاوز مرحلة الصدمة وتبادل أسئلة الذهول عن كيف حدث هذا؟ أو.. لماذا أصبحنا هكذا؟ لأن البحث عن المتهم الأول سيفضي إلى تحليلات مجردة لقضايا متعددة الأبعاد والأطراف، إنما قد يكون من المجدي أن نتعلم فضيلة التأمل، ونبدأ في مواجهة أنفسنا، والاعتراف بأن طوفان المادة الذي يجتاح المجتمعات، سيغرق معه ما تبقى من القيم التي هي جوهر الحضارة، وإلا فإننا نحن أيضاً، مشتركون في هذه الخيانة العظمى لإنسانيتنا.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة. 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND