تجارة واستثمار

آخر مقالات تجارة واستثمار



طلال ملك
طلال ملك
رائد أعمال ومستشار في مجالات الحوكمة، والذكاء والتأثير الاست..

في 23 يونيو (حزيران) 2016 أجرت المملكة المتحدة استفتاءً بشأن البقاء في الاتحاد الأوروبي أو مغادرته، فيما أصبح يعرف بـ"بريكست". وفاز قرار المغادرة بنسبة 52% مقابل 48% للبقاء، لكن لم يصوّت في ذلك الاستفتاء سوى ثلث الناخبين البريطانيين. ثم سأل الكثر من الناس من جميع أنحاء العالم على محرك البحث غوغل "ماذا سيحدث إذا غادرت المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي؟"

إن انسحاب بريطانيا المحتمل من الاتحاد الأوروبي قد لا يؤدي فقط إلى انهيار المملكة المتحدة وتفكك الاتحاد الأوروبي، بل سيؤدي أيضاً إلى تأجيج الأوضاع في أوروبا إلى صراع عالمي. 

إلا أنه يمكن كبح تلك المخاطر من خلال العمل على كلمتين: "إبطال بريكست". إذ أنه يمكن إيقاف بريكست عن طريق سلسلة من الإجراءات السياسية على مدى الأشهر القليلة القادمة.

ويتضمن ذلك الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة بحيث يجري التصويت على إلغاء بريكست، وتصويت برلماني بحيث يصوت أعضاء البرلمان ضد بريكست بموجب سلطتهم البرلمانية على اعتباره استفتاءً تشاورياً وغير ملزم قانوناً، وإجراء استفتاءٍ ثانٍ يخسر فيه بريكست عن طريق التفويض الشعبي، وتأجيل أعضاء البرلمان التصويت على القوانين البريطانية المتعلقة ببريكست، وألاّ تفعّل المملكة المتحدة المادة 50 من معاهدة لشبونة -وهي أحدث دساتير الاتحاد الأوروبي- التي تسمح للدول بمغادرة الاتحاد الأوروبي في غضون عامين.

ولم يسبق أن كانت المملكة المتحدة مهيأة لتحقيق عظمتها مثلما هي عليه الآن، وذلك من خلال التركيز على فرصٍ ثلاث: الاستفادة من الفراغ الكبير في قيادات الأحزاب السياسية، وتحديد الجيل البارز من القادة السياسيين الناشئين أو الفعليين الذين ينتمون إلى جيل الألفية وتشجيعهم، وتعزيز الدور التنفيذي للعائلة المالكة في الحياة السياسية.

وقد أعلن رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون الذي ينتمي لحزب المحافظين -وهو مهندس استفتاء بريكست- استقالته يوم 24 يونيو من أجل اختيار رئيس وزراء جديد بحلول شهر سبتمبر. كما شهد قائد المعارضة جيريمي كوربن من حزب العمال انهيار حكومة الظل التابعة له في غضون أسبوع من الاستفتاء، وذلك دلالةً على عدم الثقة في قيادته.

أما بوريس جونسون ومايكل غوف زعيما جناح حملة "المغادرة" في حزب المحافظين فأصبحا الآن القادة بحكم الواقع لتولي شؤون الحزب وبالتالي رئاسة الوزراء في المملكة المتحدة. كما يخشى مايكل هسلتاين -النائب السابق لرئيس الوزراء من حزب المحافظين- من موت الحزب ويدعو إلى دعمٍ يشمل أركانه من أجل الاستنفار ضد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وقد بدأ بالفعل الحشد من أجل إحباط الدعوة لقيادة مشتركة، خصوصاً في ظل غياب خطة من طرف حملة "المغادرة". فداخلياً، يخطط القادة الحاليون في حزب المحافظين لإحباط تلك المحاولات عن طريق إطلاق قيادة خاصة بهم. وخارجياً، برزت خطة شعبية لانضمام أفرادٍ من عامة الشعب إلى حزب المحافظين من أجل المساعدة في انتخاب قائد مناهض لبريكست، وذلك تقليداً للاستراتيجية التي أدت إلى انتخاب كوربن زعيماً لحزب العمال عام 2015.

كما أنه لدى جونسون وغوف خلفيتان وظيفيتان متشابهتان، حيث لم يدرس كلاهما في جامعة أوكسفورد فحسب، بل تولى كلاهما أيضاً رئاسة مجلس اتحاد أوكسفورد للمناظرة عامي 1986 و1988 قبل أن ينطلقا في مهنة الصحافة ومن ثم السياسة.

ووسط الفوضى الحالية في السياسة البريطانية، يمكن أن يبرز جيل جديد من القادة السياسيين البريطانيين الذين ينتمون إلى جيل الألفية. وفي حين أنه ربما يكون هناك تركيز طبيعي على أمثال رؤساء اتحاد أوكسفورد الذين خلفوا غوف وجونسون في تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إلا أن الخيارات البارزة الأخرى للقيادات في الأحزاب السياسية هي هؤلاء الذين عملوا في القطاعات الخيرية والإغاثية -مثلما كانت النائب في البرلمان البريطاني جو كوكس التي اغتيلت مؤخراً- والأطباء والممرضين الشجعان الذين تحولوا إلى العمل السياسي على مضض من أجل إنقاذ الخدمات الصحية القومية في بريطانيا.

ويحاول مناهضو بريكست -الذين يعتبرونه فشلاً في الديموقراطية- الاستفادة من جميع الوسائل السياسية الممكنة الطعن في المثال الأكثر تعبيراً عن الديموقراطية المباشرة المتمثلة في 17 مليون صوت شاركت في استفتاء شعبي. وقد تأثروا كثيراً بأحد أقوال ونستون تشرشل -رئيس وزراء بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، والذي نال لقب أعظم البريطانيين في استفتاء أجرته محطة بي بي سي عام 2002- الذي يقول: "الحجة الأفضل ضد الديموقراطية هي نقاشٌ لمدة خمسة دقائق مع ناخب عادي".

والصحوة الأخيرة التي أدى إليها استفتاء بريكست كانت تحديد نموذج الحكم الموجود في المملكة المتحدة: إنها ملكيّة دستورية (دون دستورٍ مكتوب) تعمل بموجبها حكومة صاحبة الجلالة بناء على النظام البرلماني لقصر وستمنستر. وينظر أفلاطون إلى الملكيّة على أنها الشكل المفضّل من أشكال الحكم، وأن الديموقراطية تقع على بُعد خطوة واحدة من الاستبداد. وقد ألغي النظام الملكي في المملكة المتحدة عام 1649 لمدة عشر سنوات وأقيمت الجمهورية إلى أن استعيدت الملكية عام 1660. وبالتالي، لدى بريطانيا تجربة في تصحيح الأخطاء السياسية مثل بريكست.

ورغم أن السلطة التي يتمتع بها البرلمان البريطاني يمكنها الطعن في سلطة الشعب وفقاً للاستفتاء، لكن ماذا عن السلطة الملكيّة؟ هناك القليل ممن يعرفون أن العائلة المالكة البريطانية فوق القانون، وأن لديها السلطة والامتياز والحصانة اللازمة لممارسة سلطتها التنفيذية التي تسمى "امتياز التاج" في حالات الطوارئ، والتي يُعدّ بريكست واحداً منها بالفعل.

وبينما أعلن ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية أنه لن يكون هناك وجود للمملكة المتحدة في غضون خمس سنوات نتيجةً خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلا أن دور العائلة المالكة في الحياة السياسية بات الآن ذا أهمية متزايدة. ومع احتفال الملكة إليزابيث بعيد ميلادها التسعين عام 2016، أصبحت هناك حاجة لإضفاء الطابع الرسمي وتعزيز استخدام مذكرات "العنكبوت الأسود" التي وجهها الأمير تشارلز إلى وزراء وسياسيين في الحكومة البريطانية على مدى سنوات وتتضمن توجيهات متعلقة بالسياسة، وذلك كي لا تتكرر كوارثٌ مثل بريكست مرة أخرى.

ويُعدّ بريكست مثالاً عن التباين العالمي -مثل ظهور دونالد ترامب في السياسة الأمريكية- الذي يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة وكارثية ابتداءً من انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلى انهيار المملكة المتحدة وتفكك الاتحاد الأوروبي، ما يهيئ الظروف في أوروبا لنشوء صراعٍ عالمي. إلا أنه يمكن تجنب ذلك من خلال وسائل ديموقراطية قانونية لكنها غير مباشرة. ومن أجل المساهمة في التقارب الحقيقي في البلاد على المدى الطويل، سوف تكون هناك حاجة إلى نشوء قيادة حقيقية للأحزاب السياسية في البلاد، وإلى مواهب نضرة في القيادات السياسية من البريطانيين الذين ينتمون إلى جيل الألفية، وإلى مشاركة العائلة المالكة في الحياة السياسية اليومية بصورة مباشرة أكثر.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND