آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات

فيليب بولمان: الأطفال بحاجة للفن والقصص بقدر ما يحتاجون الحب والطعام واللعب



الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي
الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي
رئيسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير "شروق" منذ ..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

لا يملأ قلبي بشعورٍ دافئ سوى رؤية أطفالٍ منغمسين في قراءة كتاب، يحرّكون مخيّلتهم، ويغذون أرواحهم، وتنير وجوههم الصغيرة وهم يقلّبون صفحاته، متشوّقين لاكتشاف المزيد.

ويرجع ذلك جزئياً لكوني أماً لثلاثة أطفال، إضافةً لكوني أؤمن بقوّة بالتثقّف، والتعليم، وقوّة الكلمة المكتوبة لتحسين وإضاءة الحياة وإيماني هذا هو سبب قيادتي لبرامج ومبادرات قراءة وثقافة في الشارقة، ودولة الإمارات، وفي الخارج، لاسيّما في مناطق النزاعات.

ليس هناك ما يحفّزني أكثر من التعاطف الإنساني مع الأبرياء الذين وجدوا أنفسهم وسط حربٍ لا يد لهم فيها، لاسيما الأطفال، وكناشر، عليّ اتخاذ الإجراءات اللازمة. لم يُسلَب هؤلاء الأطفال الأمان والاستقرار فقط، بل حُرموا من حقٍّ إنسانيّ أساسيّ، وهو حقّ القراءة.

تلك إحدى المآسي التي يتشارك بها الكثيرون، لأن رفع معدلات القراءة تزيد فرصة الأطفال للنجاح وتحقيق الذات، يظهر مسح منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية "OECD" الدولي لمحو الأمية للكبار، أن محو الأمية له تأثير إيجابي كبير على دخل الفرد، وفرص العمل، والصحة البدنية والنفسية، والمشاركة الاجتماعية. إن محو الأمية أساس الأحلام والتطلعات، ويمكنه أن يمهد الطريق للخروج من الفقر ويبث الأمل عندما يبدو الطريق المظلم لا نهاية له.

إذاً، كيف يمكننا كقطاع نشر، أن نسهم في زيادة المعرفة بالقراءة والكتابة، لاسيما في الدول التي مزقتها الحرب، حيث يُحرم الفرد من ضروريات الحياة الأساسية؟ ببساطة، عبر اتخاذ القرار بهذا الخصوص.

وفيما يلي بعض الإحصاءات التي علينا أخذها بعين الاعتبار. تشير أرقام "الأمم المتحدة" مؤخراً إلى أنه على مستوى العالم، هناك 59 مليون طفل بين التاسعة والحادية عشر من العمر لا يذهبون إلى المدارس. وأكثر من نصف هؤلاء يعيشون في دول متأثرة بالنزاعات، وهم محرومون من فرص التعلم لتنمية مهارات القراءة والكتابة.

هناك أكثر من مليوني طفل خارج المدرسة في سورية، و700 ألف آخرون يسكنون مخيمات اللاجئين في تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر. وتظهر أبحاث "البنك الدولي" أن الأطفال في البلدان المنهكة والمتأثرة بالصراعات، أكثر عرضة بثلاثة أضعاف لترك المدرسة وعدم العودة إليها. وكما هو متوقّع، فإن الدول التي يمنع الصراع فيها الأطفال من الذهاب إلى المدرسة لديها أدنى مستويات محو أمية في العالم.

لقد زرت العديد من البلدان المتضررة من النزاعات في العالم العربي، وما أثّر بي بعمق هو رغبة الأطفال وتصميمهم على متابعة الأنشطة العادية رغم الظروف القاسية والاستثنائية. إلا أن استجابة العالم لتأثير الحرب على التعلّم والأمية لم يكن كافياً، فبالكاد يتم تقديم أي مساعدات لمعالجة هذه المسألة. ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، تم إنفاق 4% فقط من التمويل الإنساني لسورية على التعليم، رغم ضخامة أزمة التعليم هناك. وأعتقد أن هذا الإجراء قصير النظر بشكل خطير.

لكن مسؤولية التصدي لهذه المشكلة يجب ألا تقع فقط على عاتق البلدان المتضررة من النزاعات أو الجهات المانحة الدولية، إذ يحتاج الأمر أيضاً الدعم من القطاع الخاص والمنظمات غير الربحية، وغيرها من أصحاب المصلحة. وهنا يأتي دورنا كقطاع نشر.

علينا أن نقدّم المزيد لتعزيز الشعور بالحياة الطبيعية لدى الأطفال في مناطق الصراعات، مع ضمان تعلمهم مهارات القراءة والكتابة الأساسية. علينا ألا نتخلى عنهم، لأننا قد نكون أملهم الوحيد.

عام 2012، حاولنا سد الثغرة التمويلية للتعليم ومحو الأمية في البلدان المتأثرة بالحروب، عبر إطلاق صندوق برأسمال 10 ملايين دولار من خلال شراكة بين "حكومة الشارقة" والمجلس الدولي لكتب الشباب "IBBY". ويوفر هذا الصندوق منحاً لمشاريع في آسيا الوسطى وشمال إفريقيا لصالح الأطفال الذين تضررت حياتهم بسبب الحرب، والاضطرابات المدنية، والكوارث الطبيعية.

عبر دعم التدريب على الاستخدام العلاجي للكتب والقصص، كبرامج القراءة للأطفال المرضى في المشافي، والفقراء، والمتشردين، وبناء أو تجديد مجموعات مواد القراءة، يشجع الصندوق على القراءة كوسيلة للدعم النفسي ويساعد على بناء معرفة القراءة والكتابة لدى الأطفال.

وتشمل استراتيجية البرنامج الاستماع والتعلم، ويحدد الحالات الأكثر إلحاحاً والتي تم إهمالها من خلال دعوة سنوية لتقديم مقترحات حول المشاريع التي يكون فيها دعمنا أكثر فعاليةً وتأثيراً. إنني على ثقة بأن إعطاء الأطفال فرصة للقراءة وتحفيز مخيّلتهم وسيلة فعالة لتحسين حاضرهم ومنحهم مستقبلاً أكثر إشراقاً. 

وحتى الآن، موّل الصندوق مشاريعاً في أفغانستان، وإيران، وباكستان، وفلسطين، وتونس. ودعم "مجلس فلسطين لكتب الشباب" في تجديد المكتبات العامة وإعادة بناء مخزونها من كتب الأطفال. أصبحت المكتبات التي تم تجديدها مراكز مجتمعية تقدّم مجموعةً متنوعة من النشاطات المخصصة للصغار بهدف تشجيع القراءة وتعافي المجتمع.

عام 2013، قرر الصندوق دعم "المجلس الأفغاني لكتب الشباب"، وبدأ مشروع المكتبة المتنقلة لتشجيع اكتساب مهارات القراءة خارج نطاق نظام التعليم الرسمي، في دور الأيتام، ومخيمات المهجرين، ولمدارس الرسمية. وبالفعل، وفر البرنامج فرصة القراءة والدعم النفسي لـ3 آلاف طفل محروم من مواد القراءة، من خلال جلسات جماعية لقراءة القصص.

وركّز الصندوق خلال 2014 على مساعدة "المجلس التونسي لكتب الشباب" لتنفيذ برنامج "صناديق الكتب". وتقوم هذه المبادرة الرائعة بتطوير مواد قراءة للمعاقين بصرياً والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ومساعدتهم على الاندماج اجتماعياً وتدريب الآباء والأمهات لتشجيع القراءة في وقت مبكر.

وما جعل كل ذلك ممكناً هو الشراكات التعاونية بين القطاعين العام والخاص والمنظمات غير الربحية. وسوياً، نحن نحدث فرقاً ونخلق قراء المستقبل – حتى في مناطق الصراعات.

وقال رئيس "المجلس الدولي لكتب الشباب"، والي دي دونكر: "يهدف صندوق الشارقة والمجلس إلى تشجيع حب القراءة بين الأطفال بحيث يصبحون قراءاً مدى الحياة، إضافةً لضمان حصول الأطفال على الكتب. ويرى المجلس أن هذا حق أساسي ومدخل لتمكين الأطفال. ولذلك فإن الصندوق مهم جداً، حيث يهدف إلى دعم الأطفال الذين تأثرت حياتهم بالحرب، والاضطرابات المدنية، والكوارث الطبيعية، عبر تنفيذ مشاريع متعلقة بالقراءة. إنها مبادرة مذهلة".

من خلال سحر الكلمات والقصص، يمكن تمكين الأطفال الذين لا حول لهم ولا قوة، وإلهام عقولهم الشابة، وإعطاؤهم الأمل. يمكن للناشرين حماية هؤلاء الأطفال من القنابل والرصاص باستخدام الكتب والوعد بمستقبل أفضل.

وكان الكاتب البريطاني فيليب بولمان قال: "الأطفال بحاجة للفن والقصص والأشعار والموسيقى بقدر ما يحتاجون الحب والطعام والهواء النقي واللعب".

علينا التأكد من عدم نسيان محو الأمية في مناطق النزاعات. وهذا أحد أسباب إطلاقي لـ"مؤسسة كلمات" في اليوم العالمي للكتاب وحقوق التأليف والنشر في 23 أبريل (نيسان)، لدعم المزيد من الأطفال في مناطق الصراع.

إن التحديات التي وصفتها هائلة، إلا أن المبادرات الناجحة مثل "صندوق الشارقة والمجلس العالمي لكتب الشباب للأطفال في الأزمات" أثبت أنه يمكننا قهر هذه التحديات.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة. 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND