آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات

بسبب تردي الذوق العام يمكن أن تهدر الكرامة الإنسانية وتهمش المبادئ الفنية للجمال



حياة قائد
حياة قائد
صحفية وكاتبة وفنانة تشكيلية يمنية. تنشر مقالاتها باللغة ا..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

الحديث عن النتاج الفني بشكل عام (المسرحي أو الغنائي أو التلفزيوني أو السينمائي) يجعلنا نعود بالضرورة إلى الأدب (أو قلة الأدب) لأنه هو الذي يرفد هذه الفنون المرئية بموادها الخام، لهذا قد يكون من المفيد أن نتأمل كيف يمثل الأدب الحياةَ في مجتمع ما، حيث الحياة في أوسع مقاييسها حقيقة اجتماعية واقعة، والأديب هو عضو في المجتمع، ويتلقى نوعاً من الاعتراف الاجتماعي من قبل الجمهور.

الأدباء عادة يتكلمون كثيراً عن كيف أنهم يكتبون في سبيل الأدب نفسه، وطبعاً في سبيل الله والوطن والإنسانية والتراث والإبداع والتنوير وحقوق الإنسان والثورة والحرية وحماية حيوان الباندا وعدم احتكار زراعة الطماطم، والأهم من هذا كله هو أنهم كثيراً ما يكتبون في سبيل تفكيك التماهيات الميتافزيقية في فلسفة الإستخفاف الطوباوي بالمنعطفات الحلزونية القائمة في المنحدر البراغماتي على أم الراديكالية التي هي الحل الوحيد لظاهرة التكاثر بصيغة الهيدرا. جميل! هذا كله محتمل حتى الآن، لكن الواقع هو أن الأديب سيجد نفسه غالباً مضطراً لتجاهل القائمة السابقة الذكر لإنتاج ما يمكن أن يرضي جمهوره.. فقط. هناك بالطبع أدباء يخلصون للفكرة والكلمة والإبداع ولا يمكن أن يساومون على مبادئهم بأرباح مادية، لكنهم قلة، ولهذا فإن أعمال الفن ستبدو لعالم الاجتماع الفطن وكأنها وثائق اجتماعية للعصر الذي ينتمي إليه الكاتب، بل إنها في حقيقتها ترسم صورة لجوهر الحياة الفكرية للمجتمع وتقدم خلاصة للثقافة السائدة، ولهذا فإن دراسة الأساس الاقتصادي للأدب متعلق بالضرورة بدراسة الجمهور الذي يخاطبه الكاتب ويعتمد عليه من الناحية المالية.

من المؤسف، لكنه ليس صادماً بالطبع، أن نتأمل نتاج عدد كبير من كتاب هذا العصر، بغض النظر عن تياراتهم الفكرية المتباينة، ثم تصدمنا تلك الأعمال الربحية التي تصور شدة اهتمام بعض الكتاب بالبيع والسعي لنيل استحسان الجهمور على حساب الفن والحقيقة والقيم الإنسانية. فتقييم العمل بات مرهوناً بمدى رواجه لا بمستواه الفني، وهذا لأن أغلب شرائح الجمهور ليست مدربة على نقد النتاج الإبداعي، ولا أقصد بالنقد هنا الممارسة المحترفة للنقد الأدبي أو السينمائي أو غيرهما، وإنما أقصد مجرد الحكم السليم على مستوى العمل وأبعاده غير الفنية، وهو شيء لا يجيده سوى الجمهور الذي يملك ثقافة فكرية أكثر عمقاً من جمهور اليوم، خاصة فئة الشباب، والتي هي الفئة المستهدفة بالدرجة الأولى، إذ يتأثرون بسرعة بما يقرؤون ويشاهدون، ويأخذون ما يتم توجيهه إليهم كما لو كان نموذجاً للحياة أو نسخاً جيدة عنها.

يتأثر المبدع إذن بجمهور يبحث فقط عن الترفيه أو المتعة العابرة، ويؤثر هو في الجمهور بإنتاج مادة ترفيهية مسطحة وقابلة للنشر السريع والاستهلاك المستمر كونها تحرك الغرائز و تهمش العقل ولا تلامس الروح. فهل نقيس الجمال بما يدره علينا من أرباح أم بما يحدثه من انفعال يلمس انسانيتنا؟ حتى نجيب هذا السؤال سنختلف كثيراً على ماهي "الإنسانية" قبل أن نصل لإتفاقية -ولو مؤقتة- بشأن ماهو "الجمال" لأن اضمحلال الرؤية الواضحة لما يمكن تحديده من معايير للقيم التي تجسد الإنسان في العمل الإبداعي لها آثارها المؤذية على مقاييس الجمال والجودة، فالنزعة المادية التي تقيس الإبداع بمقدار ما يدره من مكاسب فرضت على المبدعين أن يواكبوا هذا الاتجاه لضمان بروزهم أو ضمان استمرارية مكانتهم، وهكذا تحول الأمر من مجرد الإذعان لاتجاه مفروض إلى حقيقة عامة يدركها المبدع، ويشعر وكأنه مضطر للإعتراف بأنه لا قيمة إلا لما يمكن "بيعه" جيداً.

و إذا عدنا للربع الأخير من القرن العشرين حيث استطاع نشاط المافيا أن يتجاوز السطو والدعارة وتجارة المخدرات، ليصل إلى مدينة هوليوود، مدينة صناعة السينما، وفيما بعد صار بإمكان المافيا التحكم في إدارة أموال الاتحاد الدولي للسينمائيين وتوجيهه بطريقة ملتوية اكتسب من ورائها رجال المافيا أموالاً طائلة، ودفعوا بالعديد من الفنانين الهابطين للعمل في السينما نظير مبالغ مالية معينة. وبالرغم من أن سيطرة المافيا الأسطورية بشكلها غير القانوي الصريح قد تلاشت فيما بعد، إلا أن ورثة التركة السينمائية في هوليوود، يتمتعون بسجلات غير مشرفة رغم "قانونية" مسالكهم.

إذن فقد بات من الصعب والنادر معاً أن يتمكن المبدع من خلق معاييره الخاصة، أو جذب قطاع من الجماهير التي تستقبل نتاجه الإبداعي بالرضا والإعجاب في معزل عن المؤسسات الربحية الكبيرة التي تسوق الانتاج الإبداعي، فالتعامل مع العمل الإبداعي كسلعة هو مبدأ تم إرساء أساساته منذ عدة عقود، وبما أن العلاقة بين النتاج الإبداعي والجمهور هي علاقة تفاعلية تبادلية، فإن كل ما تم توجيهه للجمهور ينعكس أثره مجدداً على فئة المبدعين، والتي بدورها، تعيد انتاج الإبداع مع الاحتفاظ بنفس المبدأ المادي الذي هو سمة هذا العصر.

وبسبب تردي الذوق العام الذي يحيط العقل بأسوار خانقة تمجد الترفيه الرخيص القابل للتدوير وإعادة الاستهلاك وتسخر من القيم الفلسفية التي تميز الإنسان، يمكن أن تهدر الكرامة الإنسانية وتهمش المبادئ الفنية للجمال ببساطة، حتى أصبحت تلك المبادئ مجرد عبارات زخرفية يتبادلها الناس عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتظاهر بالثقافة، بينما تنهمر السطحية عبر وسائل الإعلام بفوضوية، و إن لم يتم التعامل مع هذه المأساة الهزلية بتيقظ فإن قائمة المحن ستطول.

أزمة الإعلام المعاصر إذن هي بشكل عام ناتجة عن عدم اهتمام المستثمرين فيه بتبنى رسالة إيجابية هادفة أو عميقة، وأيضاً، بسبب عدم موضوعيته. فمعظم من دخلوا مجال الاستثمار الإعلامي دخلوه لاهثين وراء المال بعقلية من يبحث عن الربح المادي السريع أو الطمع في السطوة والسيطرة، وعندما يهرب المشرفون على الإعلام من المسئولية الأخلاقية في التوجيه والتثقيف والتنوير فإنهم لا يفعلون ذلك فقط لأن هذا يؤمن ربحاً أوفر وأسرع، ولكن أيضاً لأن المحتوى السطحي لا يرتبط بأية أيديولوجيات فكرية أو سياسية، مما يسهل كسب قطاعات أوسع من الجمهور، خاصة فئة الشباب، بالإضافة إلى أن ذلك المحتوى لا يؤدي إلى الاصطدام بنخبة المفكرين واسعي الثقافة، كما أن هذا الأسلوب هو الأسلم للخروج من مآزق الرقابة السياسية، وأسوأ مما سبق هو الإعلام غير الموضوعي التضليلي الذي ينقل الأكاذيب، أو يشوه الحقائق بعدم عرضها كاملة، أو حتى يقوم بتضخيمها وتقزيمها حسب المصالح وحسب حالة الطقس وحسب من يدفع أكثر طبعاً خاصة عندما يكون الإعلام سلاح فاعل في الصراع مع الآخر. الخبير الإعلامي الأمريكي، هيربْرِت شيلر، تحدث عن كيف أن هذا العهد هو "عهد إعلام السوق"، حيث يتحول الإعلاميون إلى "رجال بيع" و "مسوقين".

لا يقتصر هذا الهوس التسويقي على معدي البرامج الاستهلاكية وصناع المواد الإعلامية المنوعة فحسب، بل إن مذيعي ومعدي البرامج الإخبارية والمعلقين و "الخبراء" السياسيين أصبح أكثرهم ينهجون هذه الطريقة أيضاً، وهذا هو سبب تكاثر مذيعي ومذيعات الأخبار الذين يمثلون أمامنا مشاهد مملة ومقرفة من افتعال الحزن والفرح وخفة الظل بينما هم يفتقرون لأدنى درجات الاحترافية ويقولون لك أشياء ظريقة مثل "لكن للأسف تم إحباطها" بكل ثقة، وعلى الهواء مباشرة!

هذا الحصار الخانق من الدجل والسطحية والغثيان و الذوق الهابط هو نتيجة منطقية للمنافسة الحامية بين القنوات في سبيل جذب الجمهور من خلال متابعة الأخبار، وهي قائمة على قدم وساق وفي كل مكان لأنه لابد من بيع الإعلانات التي من ورائها تجني القنوات أرباحها الكبيرة، والنتيجة الحتمية لذلك هي البحث عن الإثارة والتشويق حتى لو كان ذلك عن طريق التمثيل السمج والتضليل وتلفيق الأكاذيب واختراع الأحداث. فالإعلام الإخباري إذن يعج الآن أكثر من أي وقت مضى بالخيال القصصي والحكايات التي يتم تفصيلها على مقاس الجمهور و حسب ذوقه الإجتماعي والثقافي والديني، وكذلك حسب رغبة المستفيدين في القطاعين السياسي والاقتصادي لأجل تطبيق سياسة التجهيل والتغبية.

يجب أن نتذكر هنا أن تعامل الإعلام مع العقل الإنساني بهذه الصورة لا ينطوي على تهميشه فحسب، بل إنه يزيد من محنته، ويضاعف شعوره بانعدام المرجعية والتشتت، ويؤدي إلى خلق مجتمع سطحي، استهلاكي بالدرجة الأولى، يعمل لأجل المادة، ويعيش عليها.. ولأجلها.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة. 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND