آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



حياة قائد
حياة قائد
صحفية وكاتبة وفنانة تشكيلية يمنية. تنشر مقالاتها باللغة ا..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

حتى في أكثر المجتمعات الشرقية تمسكاً بالقيم الاجتماعية، يمكن ملاحظة تلك الفوضى في القيم والمعايير الأخلاقية لدى الأفراد وخاصة شريحة الشباب بفئاته المتعددة، وبات مألوفاً أن يرتبط مفهوم الحرية الشخصية بالتقييم الفردي الخاص للسلوك، حيث نجد أن الهوية الضيقة التي تستمد ملامحها من الثقافة المحلية أو العادات السائدة لم تعد هي ما يطمح أبناء هذا الجيل للانتماء إليه، بل صاروا يسعون للانتماء إلى هويات أوسع تمكنهم من التحرك بحرية أكثر عبر علاقات فضفاضة ومرنة وقابلة للتشكيل حسب المعايير الشخصية للفرد.

ففي عصرنا هذا لم تعد الأسرة في المجتمعات العربية تهتم بمعايير الأخلاق والقيم النبيلة كالصدق والأمانة والاهتمام بالآخرين، بل تؤكد الأسرة على أن يهتم أفرادها بالسمات الخارجية كالقوة والجمال الجسدي و شكل الملابس، وتقيس التفوق والرفعة على أسس مادية قوامها المال والمركز الوظيفي، حيث تكون العلاقات ناجحة وسعيدة فقط عندما تكون مجدية مادياً، كما أن سلطة القانون أو العشيرة صارت محط شك، وهو ما لا يجد الكثيرين حرجاً في التصريح به، ومثل هذه التنشئة الاجتماعية تلعب دوراً حاسماً في تشكيل فكر أفراد الأسرة وثقافتهم، مما يؤثر بالتالي في تكوين النسيج الاجتماعي ككل. فالأسرة هي المصدر الأولي لثقافة الأفراد في المجتمع المدني، وتلك الثقافة تمثل نتيجة العملية التفاعلية بين التركيبات الاجتماعية في المجتمع، وهكذا نشعر أننا نعيش في مجتمع لا يمكننا فيه الثقة بمن حولنا، حيث الرأي العام هو أن الأكثرية يظهرون غير ما يبطنون، وأن العلاقات "الصادقة" هي تلك التي تخدم المصالح المادية، وأن زمن البراءة قد انتهى.

إلا أن أكثر الناس لا ينتبهون للوضع الاجتماعي الراهن بطريقة أكثر شمولية، وعندما يشعرون بالقلق على ثقافتهم الخاصة أو الوضع الأخلاقي لأبنائهم، يكتفون عادةً بالتذمر والشكوى، ملقين باللائمة على الآخرين. فبالبعض – سواء في الشرق أو الغرب – لازال يؤمن وبشدة بوجود مؤامرة ضد شعبه وهويته، إلا أن هذه النظرية كان يمكن أن تكون ملائمة في العقود الماضية أكثر من الآن، إذ أن بعض التفسيرات للأحداث والتغيرات العامة في المجتمع فيما مضى كان يمكن أن تقوم على فرضيات منطقية عن وجود تآمر معلن أو سري، من قبل جهات خارجية على دولة ما لأهداف سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية، لكنّ الظواهر التي تجتاح المجتمعات اليوم لا تكاد تنحصر في دولة أو منطقة دون أخرى، مما يجعلنا نعتقد أن الاتجاهات للأنظمة الحاكمة والتكتلات السياسية التي كانت تفرض ثقافة ما على مجتمعاتها ضمن حدود جغرافية، لم تعد هي من يشكل ويسير قاطرة الثقافة العامة خاصة في المجتمعات المدنية التي تعج الآن بظواهر شتى تتكرر من خلال بانورامية الواقع الإنساني المعاصر حول العالم، حيث تتباين المبادئ في اتجاهاتها وقيمها وفي تعاملها مع قضايا كانت فيما مضى من المُسلَّمات، ويعيش العالم كله تداخلاً وتبادلاً مباشراً للآراء والأفكار والعلاقات التجارية والإنسانية كما لو أن كل البشر يعيشون في دولة واحدة هي العالم بأسره.

لا يمكن أن نتجاهل كل الخير العظيم الذي تحقق ولا يزال يمكن تحقيقه كثمرة لهذا التقارب الإنساني المذهل، إلا إن المجتمع المدني العالمي اليوم يشكو من تحول العلاقات الإنسانية إلى متاهات مظلمة، يحترق فيها الإنسان بنار الفوضوية، وجدليات مفهوم الهوية، والشك في أهلية وأمانة من يمثلون القانون، بل وفي القانون نفسه، ما دام هو أيضاً، في نهاية المطاف، خاضع بشكل ما للاقتصاد على أساس أن الرفاهية المادية، لا الأخلاق، هي المعيار العام والمتفق عليه للفضيلة

بل إن مدلول كلمة "الأخلاق" نفسه بات محل نزاع، لأن كثير من الناس سيتغير عندهم مقياس الأخلاق بتغير المواقف، وما يمكن لأحدهم التصريح به للناس سيختلف في بعض الأحيان عما يؤمن به، فالمظهر الخارجي يغلب الحقيقة الباطنة عندما نحكم على الآخرين، وسيجد الإنسان نفسه مضطراً لتكريس نفسه للمظاهر، وأن يرسم حوله صورة الفضيلة على أن يكون محتاطاً دائماً لأية تغييرات، ومن هنا فإن "الأخلاق" كمقياس ليست شيئاً ملموساً، ولا يمكن الاتفاق على معايير عامة لها على مستويات تتجاوز الإقليمية الضيقة والتجارب الفردية، فقد يرى الإنسان اليوم أن القانون الذي يمثل السلوك الوطني القويم لم يعد هو أيضاً مقياساً على الفضيلة حتى عند بعض من يعملون في قطاع القانون، ويتجلى هذا بوضوح في أي حوار عابر عن القانون والعدالة مع مجموعة من الشباب العربي سواء قبل أو بعد الثورات التي اجتاحت المنطقة تمرداً على الظلم.

ورغم أن الثورات العربية تعد نتيجة إيجابية للتساؤل والجدل حول العدالة والقانون والأخلاق والحريات، إلا أن البحث الذي قام به الباحثان الأميركيان جيمس باترسون وبيتر كيم حول هذه الظاهرة الاجتماعية العالمية قبل نحو عقد ونصف من الآن، أظهر حقائق سلبية لا يمكن القول أن أي مجتمع مدنى آخر لا يعاني من أكثرها أو بعضها الآن. في ذلك البحث: قام الباحثان بدراسة موسعة شملت عينات من معظم شرائح الشعب الأمريكي، وكان البحث يشمل كثيراً من الأسئلة التي تتعلق بالأخلاق والفضيلة والقانون، ثم جاءت النتائج مدهشة ومخيفة في آن معاً، إذ اعترف 74% ممن شملتهم الدراسة بأنهم لن يترددوا أبداً في سرقة أي شيء يريدونه إذا ما وجدوا الفرصة سانحة، وأكد 53% من أفراد العينة بأنهم يقومون بخيانة شركاء حياتهم لأنهم متأكدين من أنهم يفعلون معهم نفس الشيء، كما أن 41% منهم أقروا بأنهم على استعداد لاستخدام المخدرات للترفيه عن أنفسهم، وأعرب 64% منهم عن أنهم سيمارسون الكذب في أي وقت عندما يجدون الكذب مناسباً، كما أن 83% منهم أكدوا أنهم ليس لديهم رؤية واضحة عما هو صواب وما هو خطأ مثلما كان عند آبائهم.

وهكذا فإن النتيجة العامة التي توصل إليها الباحثان هي أنه لا وجود لقانون أخلاقي عام يضبط الحياة الشخصية والاجتماعية للإنسان المدني المعاصر، وأن كل فرد بات يصنع قيمه الأخلاقية بنفسه، كما أن الكثير من الناس لا يحترمون "القانون".

ومثل هذه النتيجة يمكن أن تكون قريبة من الظواهر المشاهدة في كثير من مجتمعات العالم المدني المعاصر وليس المجتمع الأمريكي فقط، فقد بات من الممكن اليوم تعميم بعض مظاهر النموذج الاجتماعي الأمريكي عالمياً نظراً لأن ثقافة الأمركة أخذت حيزاً كبيراً من المادة المعروضة إعلامياً في معظم الدول ما يبدو أثره واضحاً في صيغ الثقافة الاجتماعية الحديثة على مستوى العالم، وهذا ما حدا ببعض الباحثين الاجتماعيين إلى القول بأن إنسان اليوم هو إنسان "عالمي"، فالعشر سنوات الأخيرة كانت كفيلة بإحداث دمج قسري أو طوعي للمفاهيم الأيديولوجية عالمياً، وحتى بالرغم من الاختلافات الحادة بين معظم الشعوب فإن الأنساق الاجتماعية المحلية تشكو من نفس الظاهرة، ألا وهي التماهي في أنساق أكبر، والاتجاه نحو الخارج، والميل للاهتمام بقضايا أوسع تتجاوز ما هو محلي أو إقليمي إلى ما يمكن اعتباره قضية مشتركة بين كل الناس، وهكذا فإن الاختلافات الحقيقية في مثل هذه الظاهرة لا تكمن في هل هي موجودة أم لا، بل في النسب المئوية التي قد تتفاوت بعض الأحيان من بلد لآخر.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة. 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND