آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



الاقتصادي:

من حديث "تيد اكس" قدمته ليلى حطيط، الشريك المؤسس والعضو المنتدب في "مجموعة بوسطن للاستشارات"، في الإمارات العربية المتحدة.

"من هؤلاء الأشخاص؟" كان هذا سؤال عليا، البالغة من العمر حينها 3 أعوام، لوالدتها ليلى عندما شاهدت صورةً كبيرة ضمّت قادة الإمارات العربية المتحدة الثلاثة في إحدى مراكز التسوّق الضخمة في أبوظبي. وكان جواب والدتها بأن تلك الصورة لحكام دولة الإمارات الذين عملوا جاهدين على تطوير وطنهم والحفاظ على وحدته. فسألت عليا مجدداً: "لماذا لا نرى هنا في الإمارات ولا حتى في لبنان حيث يسكن جدي وجدتي، صوراً لنساء قياديات؟ هل ذلك لأن النساء غير مهمات؟"

وصفت ليلى حطيط سؤال ابنتها ذاك بأصعب سؤالٍ تتعرّض له في حياتها كأم وفي مسيرتها المهنية التي تجاوزت 16 عاماً.

نشأت ليلى في لبنان، وكانت الأخت الصغرى في عائلةٍ رزقت بفتاتين. وكان والدها قائد طائرة ومدير عمليات في "خطوط طيران الشرق الأوسط" اللبنانية، ووالدتها ربّة منزل "داعمة بشكل كبير" على حد تعبيرها. شجعها والدها لإتمام تعليمها رغم أن ثقافة مجتمعها حينها كانت تؤكد أن التشجيع والدعم على المستوى المهني للأبناء فقط دون البنات. وبذلك، كانت ليلى من فتيات جيلها القلة اللواتي سافرن لإتمام تعليمهن في سن الثامنة عشر. وتقول: "لم يُرزَق والدي بابن، فكنت أنا ذلك الابن بالنسبة له".

وبعد مرور حوالي عقدين من الزمن، وحصول ليلى على بكالوريوس ودكتوراه في هندسة الكهرباء، وشهادة باحث ومطوّر من المملكة المتحدة، ودخولها عالم الاستشارات في الشرق الأوسط، كانت دائماً في أوساطٍ يهيمن عليها الرجال، ولم تجد سيدةً تتخذ منها مثلاً أعلى في عالم الأعمال، إذ لم يكن جيل والدتها مهتماً بالقيادة في عالم المهن والأعمال. ورغم وجود عددٍ من الرجال المشجعين لها، إلا أنّ أحداً منهم لم يتفهم الضغوطات التي كانت تواجهها. واشتدت حدّة تلك الضغوطات عندما أنجبت ليلى طفليها.

وتقول ليلى: "رغم أنه يروق للنساء الغربيات إعطاؤنا نصائح حول كوننا نساء عربيات مسكينات ومضطهدات، إلا أنهن يعشن حياةً مختلفة ترافقها قيودٌ مختلفة".

وتضيف، "لذا، كان على بنات جيلي من النساء العرب أن يصبحن هنّ المثل الأعلى الذي يقتدين به. كان علينا أن نوازن بين العديد من الأمور أكثر من الرجال العرب، كما كان علينا مواجهة قسوة المجتمع أكثر من النساء في الغرب".

وتُبيّن ليلى أنه نتيجة كون النساء العرب "مضطهدات ومسكينات"، كان لابدّ أن يكون لديهن دروس تعلمنها من تجاربهن الصعبة، ويردن مشاركتها مع كل من يريد النجاح في العالم الحديث. وفيما يلي ثلاثة دروس اختارت ليلى أن تنقلها من خبرتها إلى كل سيدة طموحة.

الدرس الأول: "ليكن هراءهم وقودك"

تشير ليلى إلى أنه من المتعارف عليه أن "المرونة من مفاتيح النجاح"، لكن ما المعني بالمرونة؟ وكيف يمكن للمرء تطويرها كمهارة؟

تجيب ليلى على هذا السؤال قائلة: "أنا مؤمنة أن المرونة هي ببساطة القدرة على تحويل الهراء إلى وقود".

وتذكر أنها كانت تعمل سابقاً مع رجل يدعى جون، وحاولت جاهدةً أن تثبت له كم هي ماهرة في عملها على أمل أن يدعم حصولها على مرتبة الشراكة في مؤسستها. حينها، كانت تكتب بشغف حول موضوع التمكين الاقتصادي للمرأة، بالإضافة إلى عملها في مجال الاستشارات. وفي أحد الأيام، كانت تعرض بحثها في غرفة مكتظة بطلاب ماجستير إدارة الأعمال، وكان جون من بين الحضور، يستمع للمرة الأولى إلى تفاصيل الدراسة التي كانت تعمل عليها. وأثناء حديثها، رأت جون ووجهه يحمر ويحاول الاختفاء في كرسيه من شدة الخزي.

أتمت ليلى محاضرتها التي حظيت بتصفيق الجمهور، وأسرع جون إلى سيارته، حيث انفجر في وجه ليلى قائلاً: "ما فعلته للتو غير مقبول! إنكِ مستشارة ولستِ ناشطة!".

فأجابت ليلى قائلة: "لا أفهم أين المشكلة! كل ما عرضته كان مؤشرين للتكافؤ الجنسي في الوظائف وبعض الاستنتاجات عن العالم العربي، ونحن بالفعل في أسفل القائمة، فما الشيء غير الواقعي في حديثي؟"

فكان رد جون: "إن كل ما تقوم عليه دراستك خاطئ، وما تفعلينه خطير سيمزّق نسيج مجتمعنا"، صمت قليلاً ثم أضاف، "عندما يكون للنساء أطفال فإن مكانهن في المنزل".

حينها، قالت ليلى لنفسها: "يبدو عليّ أن أنس أمر الشراكة، فلن تحصل أبداً!"، واستغرق الأمر يومين حتى تمكنت من فهم الموقف ومضامينه، لكن بمجرد أن فهمته، توصلت إلى ثلاث نتائج حسب قولها:

1) "ردّة فعل جون هي مشكلته وليست  مشكلتي، وهو يعبّر عن عقده. قد يكون هناك الكثيرون من أمثاله في مجتمعنا، لكن لن أسمح بأن تصبح مشكلاتهم مشكلاتي أيضاً".

2) "أحتاج لداعم آخر من أجل الشراكة وبسرعة!".

3) "سأثبت لجون ما الذي يمكن للأمهات صنعه".

وتؤكد حطيط أنها تطبق هذا الدرس على حياتها الشخصية أيضاً. فرغم أنها تلاقي تشجيعاً من الكثيرين، إلا أن هناك من لا يعجبه كونها وزوجها متفقين على أن يمتلك كل منهما مهنته التي يعمل على تطويرها وتنميتها، ومنهم من قال لها بكل صراحة: "لابد وأنك تعلمين أنك لستِ أماً جيدة كونك تستثمرين كثيراً في مهنتك".

تقول ليلى: "لن أكذب وأقول أن هذا الكلام لم يكن جارحاً، فولديّ هما أغلى ما أملك، ولا أحتمل مجرّد التفكير في أنني أخذلهما بأي طريقة"، لكنها سرعان ما ذكرت نفسها بأن ما قيل لها يعبّر عن مشكلات القائل وعقده، وبدل أن تجيبهم، بادرتهم بابتسامة عريضة وهي تشاهد العبارة التالية تضيء في رأسها: "كُوني سعيدة فهذا يغيظ الآخرين".

وتضيف ، "كشابة في موقفٍ كهذا، أمامك خياران. إما أن تنصتي لتلك الكلمات وتسمحي لها بأن تشعرك بالفشل وبأن تحقيق النجاح أمرٌ مستحيل، أو أن تقتنعي بأن سلبية الآخرين هي مشكلتهم هم، وبالتالي حوّليها إلى وقودٍ ذاتيّ. تعلمت أن ألجأ دائماً للخيار الثاني، ووجدت أنه جعلني أقوى أكثر فأكثر. ويقال أن النجاح أفضل انتقام ".

الدرس الثاني: اعملي على حياتك وأبقِ العمل خارجها

وتوضح ليلى أن بعض النساء في الشرق الأوسط محظوظات بالزواج من رجال يدعمونهن على المستوى المهني، إلا أن ذلك بنظرها ليس صحيحاً بشكل كليّ، حيث تقول: "الرجل الذي تتزوجين به هو خيارك أنتِ، ومن الأفضل أن تتزوجي شخصاً يدعمك إذا كنت تريدين حياةً مهنية طويلة".

وتُبيّن أنه حتى يومنا هذا، لا يعد الرجل العربي مساوياً للمرأة في المساهمة داخل المنزل، وذلك ببساطة غير متوقع في مجتمعنا لدرجة أنه قد ينظر إليه على أنه تصرّف غير رجولي. أما بالنسبة للمرأة العربية، فمازال المجتمع يفترض أن سعادتها المطلقة تكمن في سعادة ونجاح زوجها وأطفالها، وتحيا من أجل عائلتها فحسب.

وتؤكد ليلى أن الأمور تتغيّر نحو الأفضل، لكنها ستحتاج مزيداً من الوقت، لذا، على المرأة المهتمة بمهنتها في العالم العربي في وقتنا الحالي، الحفاظ على بيتٍ مثالي حيث يتم الاهتمام بجميح احتياجات الأطفال، إضافةً للاهتمام بمهنتها المتطلّبة.

ولتحقيق ذلك، توصلت ليلى إلى أنه عليها تطبيق مهاراتها المهنية على حياتها الشخصية، وذلك يشمل إدارة المواهب، وإدارة الوقت، واستخدام التكنولوجيا، وإتقان فن التفويض.

إدارة المواهب

تنوه ليلى بأن الكثير من العائلات في الشرق الأوسط تلجأ إلى توظيف من يساعدها في رعاية الأطفال والاهتمام بالمنزل، "لكن التحدي يكمن في كيفية التوظيف بفعالية".

وتكمل: "كما أفعل في حياتي المهنية، يعتمد اختاري للشخص الذي سيساعدني في المنزل على تزكية شخص موثوق. مربيةأطفالي تينا عملت لأربعة أعوام مع أختي، وكانت جودة عملها ملموسة، وأصبحت اليوم جزءاً هاماً من عائلتنا، لاسيما وأنها كانت معنا منذ أن كان عمر عليا 6 أشهر، حيث تهتم بسير الأمور بسلاسة أثناء تواجدي في العمل، وأنا أقوم بتمكينها وتشجيعها بالطريقة المثلى بالنسبة لها ولعائلتي، تماماً كما أفعل مع أفضل المواهب لدي في العمل".

وهذا الدرس ينطبق على أي نوع من المساعدة التي يتم اللجوء إليها، فسواءً كانت حضانة، أم مربية أطفال تتشاركينها مع أم أخرى، أم جليسة، تنصح ليلى بالاختيار بدقة شديدة إضافةً للتمكين.

إدارة الوقت

تقول ليلى: "إذا نظرتم إلى مفكرتي، تجدون أن ساعةً ونصف من السابعة وحتى الثامنة والنصف مساءً محدّد ومحجوز لعائلتي، وأعدّ هذا الوقت مقدساً، وبدأت فعل هذا منذ أن كانت عليا رضيعة. وأفعل كل ما أستطيع لحماية هذا الوقت والتواجد مع أطفالي خلاله، حيث أسألهم عن يومهم وأساعدهم في واجباتهم المدرسية، وأقرأ قصةً لهم، وألاعبهم".

استخدام التكنولوجيا

توضح ليلى أنها إذا كانت على سفر ومهما كان التوقيت، فإنها تستخدم "سكايب" للتواصل مع أطفالها مهما كانت بعيدةً عنهم.

إتقان فن التفويض

برهان، إبن ليلى، يبلغ عمره 5 أعوام، ويتعلم حالياً القراءة وأساسيات الرياضيات، وتقول ليلى: "اكتشفت أن ابنتي أنجح مني في تعليم أخيها هذه المهارات، حيث بدأ الأمر كلعبة، لكن عليا أحبت لعب دور المعلمة مع أخيها الصغير. ولاحظت أن هذا يحسّن قراءة برهان ويزيد الشعور بالمسؤولية لدى عليا، ويقوي الروابط بينهما، أي أنّ الجميع في النهاية رابحون".

وتضيف، "كثيرٌ من النساء المهنيات الناجحات تمكنّ من الموازنة بين الاعتناء بأطفالهن وتطوير مهنهن، لكن الأمر لا يتعلق فقط في النجاة كامرأة ذات دور مزدوج يكمن في كونها أم وسيدة عاملة، بل يتعلق الأمر بكونها حاضرة، فعندما أكون مع أطفالي، أحاول إبعاد العمل عن حياتنا، وبدل القلق حول عدد الدقائق التي يمكنني قضاؤها معهم كل يوم، أركّز على تحويل هذه الدقائق إلى ذكريات لا تنسى".

الدرس الثالث: كوّني التحالفات بدل المنافسة

لم تكن النساء من جيل ليلى واضحاتٍ للجماهير وهن ينشأن، وهذا يفسّر نوعاً ما، بحسب ليلى، لماذا لا نرى الكثير من النساء في عالم السياسة العربية، "لكن الجانب الإيجابي من هذا هو أننا أمضينا الوقت نبني مهاراتنا الاجتماعية خلف الكواليس. في المقاهي، وفي غرف الجلوس، وعبر الهاتف. ومن المهارات الاجتماعية الأساسية للنجاح هي التشبيك. أعتقد أن معظم النساء لديها شبكة كبيرة من الصديقات والمعارف، ومعظم هذه الشبكة من النساء".

وتكمل: "في الغرب، يبدو أن النساء الطموحات غالباً ما يقارنّ أنفسهن بنساء أخريات على أمل أن يتم اعتبارها أكثر امرأة ناجحة في المكان، وهذا يؤدي إلى ما يعرف بالسلوك التنافسي بين النساء في العمل. إذا كان هناك مكان لامرأة ناجحة واحدة فقط، فلن يكون بالإمكان إفساح المجال أمام أخريات، ناهيك عن دعمهن. وبشكل عام، لم تقع النساء العرب في هذا الفخ السيكولوجي، إذ وجدن أنه عبر مساعدة بعضهن، سيستفدن جميعاً".

وتشير إلى أنها كانت في وظيفتها السابقة السيدة الوحيدة التي تحتل منصباً مرموقاً في الشرق الأوسط، لذا قد يعتقد الكثيرون أن الاستثمار في شبكة من الزميلات لن يعود عليها بفائدة كبيرة، وأنه عليها بدل ذلك استثمار وقتها في تحسين علاقتها مع زملاء يحتلون مناصب عالية. لكنها تؤكد أن أهمّ نجاحين في حياتها المهنية كانا عن طريق دعم نساء أخريات لها. إحداهما كانت رئيس قسم التسويق التي اقترحت ليلى كـ"قائد عالمي شاب" في "المنتدى الاقتصادي العالمي"، حيث كانت مطلعة على منشورات وأعمال ليلى، وعندما سئلت عن رأيها في مرشحين مناسبين لهذا التكريم، اقترحت اسمها.

أما السيدة الثانية فكانت استشارية سعودية شابة، ساعدت ليلى على بيع مشروعها الأول في المملكة العربية السعودية، وهو سوق وجدت ليلى دخوله صعباً بسبب كونها امرأة.

وتقول ليلى: "لدي اليوم سيدتان في مناصب عالية ضمن فريقي، وأرى أن دعمهما في مسيرة نجاحهما أساسيّ لنجاحي".

وتشير ليلى إلى أن النساء يتطورن باستمرار في العالم العربي لكن ببطءٍ نسبي، مبينةً أن هذا العام، عيّنت الإمارات العربية المتحدة 5 وزراء نساء جدد، ليصبح إجمالي عدد النساء في "مجلس الوزراء الإماراتي" ثمانية، وهذا يشكل 28% من المجلس.

وفي عرضها لصورة وزراء دولة الإمارات التي تضم 8 نساء، تقول ليلى: "هذه اليوم الصورة المفضلة لدى ابنتي عليا"، ثم تضيف، "هذه ليست فقط نتيجة القيادة الحكيمة، بل أيضاً نتيجة مكافحة النساء العرب باستمرار وعملهن الدؤوب".

وتختتم حطيط حديثها بالقول: "أتمنى لابنتي أن تقف هنا بعد 20 أو 30 عاماً من الآن، وهي فخورة بكونها ابنة والدتها كما تفخر بكونها ابنة والدها، وأتمنى لابني أن يحمل تعبير "هذا ابن أمه" معنى مختلفاً كلياً عمّا يعنيه اليوم".

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND