آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



حياة قائد
حياة قائد
صحفية وكاتبة وفنانة تشكيلية يمنية. تنشر مقالاتها باللغة ا..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

عندما كنت أسمع أو أقرأ الآراء السلبية عن الإسلام والمسلمين، كنت أقول ما يردده أكثرنا في مثل هذه المواقف، وهو أننا طيبون ولطفاء ومتسامحون لكن المواد التي يبثها الإعلام حول العالم، (حتى في بلاد المسلمين أنفسهم) هي السبب في تشويه سمعتنا، وهي التي لها دور كبير في تصوير المسلمين عامةً والمتدينين منهم خاصةً بصورة سلبية ومقززة ومخالفة للواقع، وهذا قد يكون صحيحاً نسبياً، لكن المسلمين أيضاً ساهموا، ولو دون قصد، في ترسيخ تلك الصورة السيئة، وهذا لأننا غالباً لا نقابل تلك التشويهات سوى بترديد العبارات الجميلة عن الإسلام دون أن نفعل أي شيء لإصلاح أنفسنا أولا.

البعض يهتم كثيراً بالسفر للخارج لدعوة غير المسلمين الناصعي البياض حصراً، ويتحول إلى مسلم "صالح" في بلاد بني القوقاز فقط! وهكذا بين عشية وضحاها تجده يحاول أن يكون نموذجا للأمانة وضبط النفس والتقوى والزهد ويحفظ عن ظهر قلب كل آيات التسامح والسلام والتعايش وحقوق الإنسان وحرية الشعوب ومقاومة القمع ورفض السلطة المطلقة، وطبعاً يردد على مسامع زميلاته الغربيات حقوق المرأة في الإسلام وكيف أنها مخلوق كامل الأهلية ولها صوت ولها رأي ولها كيان مستقل، ولها كامل الحرية كالرجل، ولها الحق في العمل والتعليم وتقرير المصير وقيادة السيارة والطيارة! إلا أن فصيلة السوبرمان العظيم هذا يلقي محاضراته عن حقوق المرأة المسلمة في بلاد الفرنجة بينما أخته قابعة تحت سلطة وصايته أو وصاية ذكر آخر في الأسرة، فلا يسمح لها بالدراسة أو العمل أو السفر أو الزواج سوى برضا هذا الذكر أو ذاك، ثم يعود هذا البطل المهذب المؤدب إلى الوطن العربي "الحبيب" ليصفعنا صفعات متتالية بتناقضاته التي هي خليط من العنصرية والشوفينية والفصام والمكارثية وتقديس الاستبداد واحتقار الثقافة العربية والإسلامية دفعةً واحدة. باختصار، نحن أمام مخلوق مختلف تماماً عن الملاك الطاهر السابق الذكر.

أمثال هذا "المتدين" المزيف يهتمون كثيراً جداً بـ"صورتنا" الجميلة أمام الغرب أكثر مما يهمهم واقعنا نحن جميعاً كمسلمين. اهتمامهم بهذه الصورة نابع من أنانيتهم أو غبائهم أو الإثنين معاً، فهم يريدون دائماً أن ينظر الغربي إليهم بطريقة إيجابية، بينما من يحب الإسلام حقا يجب بداهة أن يهتم بجميع المسلمين ويحبهم ويتسامح معهم ويتقبل اختلافهم عنه ويحرص على هدايتهم ورعاية حقوقهم وإصلاح مشاكلهم وجمع كلمتهم، وليس العكس!

سأذكر مثالاً مستفزاً لتناقض جماعة "صورتنا أمام الغرب"، والبطل الفصامي هنا هو رجل عربي مسلم يعيش في أمريكا. قام هذا الشخص بتمثيل مشهد يخدع به المارة ليوهمهم بأنه يعتدي على امرأة مسلمة. الهدف المعلن من ذلك المقطع السخيف-حسب رأي صاحبه- هو لفت نظر الغربيين لمعاناة المرأة المسلمة في الغرب وتوضيح أدب المسلمين من خلال سلوك المرأة المسلمة التي صورها الفيديو بمنتهى السلبية والسذاجة. في المقطع تصرف هذا الرجل بأدب ولطف و روح دعابة مع انتقادات جميع المارة حتى الأشخاص الذين غضبوا جدا منه، ماعدا شخص واحد هاجمه صاحبنا الإستعراضي بقوة وغضب شديد لمجرد أنه انتقد فكرة الفيديو، ذلك الشخص الوحيد الذي هاجمه صاحبنا كان هو المسلم الوحيد في المقطع. أظن أنه مثال واضح فاقع لونه يسوء الناظرين!

نحن نحاول كثيراً أن نكون لطفاء ومهذبين ومسلمين صالحين مع "الخواجات"، لكن مع بعضنا البعض نحن شيء آخر عادة، وسنتكلم دائماً وبشكل مكرر وممل وبارد عن تسامح الإسلام مع الآخرين وتقبل الاختلاف، ثم نجد أن الكثير منا يقسو على الآخرين ويشيطن المختلفين.. حتى لو كانوا مسلمين مثلنا. جربوا أن تبحثوا عن مقطع ديني على اليوتيوب يقارن بين الأديان، ثم "استمتعوا" بوجبة دسمة من غثيان التعليقات التي تطفح بالكراهية والعقد النفسية والتكفير والقذف ومالا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر محترم من أنواع الشتائم وصور البذاءة. جربوا أن تبحثوا عن حوار موضوعي ومحترم بين الشيعة والسنة، وأعترف هنا أنني ابتسمت وأنا أكتب الجملة السابقة لأنها نكتة خيالية جدا. طبعا سنجد الكثير من "الخوار" وليس "الحوار" لأنه ببساطة كل طرف مقتنع مسبقاً أن الطرف الآخر هو الشيطان الرجيم الذي سيحترق في جهنم إلى الأبد!

حتى بعض وسائل الإعلام الذي يوصف بـ"الإسلامي" -والذي يفترض أن يصلح الفكر وينمي المعرفة ويحفز على التأمل والإبداع ويدعو للسلام وتفهم الآخر وحماية حقوق الإنسان بغض النظر عن دينه وعرقه وجنسه- هي للأسف في غالبيتها ليست كذلك، وقد نجد الكثير من القنوات التي تصف نفسها بـ"الإسلامية" تبث مواضيع سطحية ومكرورة تفتقر للأصالة والإبداع وتزخر بالعنتريات والبكاء على الأطلال، ناهيك عن تلك التي تدعو لنبذ الآخر، والترويج للعنف، و تكفير المختلف، وإقصاء المرأة، أو تلك التي تروج للخرافة والشائعات وأساطير الأولين والآخرين!

في الواقع، تصحيح صورتنا في نظر الآخرين (خاصة الغرب) – كما يفعل معظم المسلمين "المهذبين" – ليس هو ما نحتاج إليه الآن، فالعلة الأساسية ليست هنا، والأمر أعمق من مجرّد الصورة، بل إن اهتمامنا بصورتنا فقط يعني أننا قد نكون بهذا منافقين أمام الله والآخرين وكاذبين أمام الذات. ما نحتاجه الآن الوعي بعيوبنا الذاتية والاجتماعية ومحاولة إصلاحها، أي إدراك سلبيات الوضع الحالي والسعي لتجاوزها عن طريق مواجهة تناقضاتنا مع رسالة ديننا السمحة بصدق وبإخلاص لله وليس لعدسات الكاميرا، وأيضاً أن نفهم من نكون نحن قبل أن نحاول تقديم أنفسنا للآخرين، أما "صورتنا الجميلة" التي يقلق بشأنها الكثيرون فهي ستأتي غالباً كنتيجة بديهية لمثل هذا الوعي.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة. 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND