آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات

يجسّد الأدب فكر المجتمع ويحاكيه



حياة قائد
حياة قائد
صحفية وكاتبة وفنانة تشكيلية يمنية. تنشر مقالاتها باللغة ا..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

هل يمكن أن يكون الأدب دواء؟ ربما أكثر من لهم صلة وثيقة بالأدب كتابة وقراءة سيكون جوابهم "نعم". فالشعراء مثلاً يجمعون أحزانهم في قصيدة يلقونها على الآخرين ليخففوا بها من أثقال همومهم، وهم بهذا يقدمون لمن يقرأ لهم جلسة بكاء على الأطلال لتبادل الحسرات والتشافي بالتأوه واجترار الآلام. إن ما يفعله الشاعر حين ينظم قصيدة هو الولوج الى أعماق ذاته ليرى وجه مشاعره جيداً قبل أن يصورها لنا، وهو بهذا يعيش ألمه مرة أخرى لأنه يعرف أن هذا المواجهة مع الألم هي التي ستخلصه منه، هذا يشبه ما نفعله حينما نضطر للضغط على الألم ليهدأ.

ولأن كلمة "الدواء" أوسع من مجرد أن تكون علاجاً لألم أو مرض فقط، إذ تعني بشكل عام حلاً لمشكلة ما، فهي وصف مناسب جداً لوظيفة الأدب في حياتنا، فنحن نمارس الأدب لنعالج الملل بنصوص مسلية أو ساخرة، ولنعالج القهر بنصوص تنضح بالشكوى والتظلم، ولنعالج الكبت بإطلاق أرواحنا عبر وهم الأمنيات والخيالات، بل ولأكثر من هذا، نحن نمارس الأدب لنعالج قضايا أكبر في أوقات الحروب ومواجهة الأعداء.

فالعربي في الجاهلية يخوض الحرب كأسلوب حياة بديهي، لهذا صوّر الشعر الجاهلي هذه الحقيقة ليس في سبيل التوثيق بالأساس وإنما لإرسال إشارات التحذير للخصم قبل مرحلة المواجهة، ثم لترويعه وتثبيطه وتحطيم معنوياته مع اقتراب المواجهة، ثم الفخر ببطولات المعركة بعد الإنتصار إمعاناً في إذلال الخصم وتعزيزاً للسلطة والمكانة.

وربما يمكننا إدراك ذلك بسهولة عند مطالعة الشعر العربي الجاهلي الذي اشتعل بالحماسة والعاطفة والانفعال. الشعر يومئذٍ كان دواءً تعالج به الأمور مع الأعداء في زمن الحرب، فهو إذاً سلاح فتاك! وهذه نتيجة طبيعية للدور الحربي الذي كان الشاعر الجاهلي ينهض به في قبيلته، حين كان يثير رجالها للغزو والثأر، ويحرّض فرسانها على خوض المعارك، فنقرأ كيف يمجّد شعراء الجاهلية تلك الأخلاقيات المتعلقة بالحرب من نجدة ونخوة وتضحية وفداء وشهامة وإيثار ودفع عن الضعيف وحماية للجار والمستجير وذود عن الحمى والحرية والأعراض والأنساب. وفي كثير من الآداب العالمية، نجد نصوصاً بأنفاس ملحمية تمجّد القوّة والبطولة والشجاعة والصبر في المعارك وتهزأ بالضعف والجبن، وكذلك نصوص تزدحم بصرخات الحرب والدعوة إلى القتال. فالأدب إذاً كان طباً وثروة ومعرفة وسلاحاً.

هذا الدواء الذي أسميناه أدباً، وبغض النظر عن كل النظريات الأدبية والنقدية التي تحاول أن تصفه أو تفسره أو تحدده، لا يزال صالحاً إلى اليوم لعلاج المشاكل القديمة نفسها قدم الإنسان نفسه وأكثر منها. ومع ازدياد قنوات انتشار المعلومات وتبادله، فبإمكان الأدب أن يكون الدواء الأكثر رواجاً من غيره من "أدوية" الإنسان المعاصر. إن مواقع التواصل الإجتماعي، والمدونات، والأغاني، والسينما، والتلفاز، وغيرها، كلها تتغذى على الأدب نثراً وشعراً. يعالج الناس به الألم والأماني والضجر والأكاذيب.

إذاً، فالتعامل مع الأدب بوصفه رفاهية أو مجرد ممارسة للتسلية من قبل من يصنع الأدب أو يتلقاه هو مخاطرة. الأدب –في مرحلة ما من حياة كل مجتمع– يجسد فكر المجتمع ويحاكيه، وبتداخله مع التيارات السياسية والاجتماعية والدينية السائدة، يصوغ الأدب فكر المجتمع ويبرمج عقله الجمعي ليتمكن –فيما بعد– من تسيير أموره.

فالأدب ليس مجرد خلق لنصوص مؤثرة فقط، بل هو وسيلة لممارسة الحياة بشتى صنوفها وألوانها، وفي هذا يقول عبد السلام بنعبد العالي في كتابه "الفلسفة فنّاً للعيش": "ما نفع الأدب إن لم يكن موجهاً إلى الحياة؟". أي إهمالٍ إذن سندفع ثمنه عندما ننظر لقراءة الأدب و تعاطيه كبذخ اجتماعي؟ وأي إهدار لثروة المعرفة عندما لا يمكن لكاتب أو شاعر أن يعالج قضايا مجتمعه الملّحة بسبب الخوف من قطع الرزق.. أو قطع اللسان؟.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة. 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND