آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



حياة قائد
حياة قائد
صحفية وكاتبة وفنانة تشكيلية يمنية. تنشر مقالاتها باللغة ا..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

تناقلت الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي صوراً للسيدة المسلمة في مدينة نيس الفرنسية والتي أجبرها رجال الشرطة على خلع لباس البحر الساتر "البوركيني". أظهرت تلك الصور (التي أصفها شخصياً بالمثيرة للغضب والألم معاً) كيف اضطرت تلك المرأة للرضوخ لأوامر الشرطة التي حررت مخالفة فورية لتلك السيدة حسب ما ورد في "ديلي ميل" البريطانية. في نفس الوقت، تناقل الكثيرون أيضاً صوراً قديمة تعود لخمسينات القرن الماضي وتظهر فيها نساء غربيات يرتدين لباس السباحة "البكيني" وهن يخضعن للرقابة الرسمية بتحديد المسموح كشفه من أجسادهن أو تحرير مخالفة ضدهن بسبب لباسهن، وكان التعليق المشترك دائماً هو أن المرأة كانت ولازالت مضطهدة حيث يسلب منها حق اختيار ملابسها على مر العصور لأنها تجبر على لبس أو خلع هذا اللباس أو ذاك حسب أهواء السلطة التي يمثلها الذكور إن لم تكن السلطة هي الذكور أنفسهم! حسنٌ، هذا كلام معروف لاجديد فيه ولايكاد يختلف عليه أغلب العقلاء وحتى المجانين أيضاً، بل إن هناك من يبرره ويؤيده ويجده بديهياً بداهة الحياة نفسها لأنه يؤمن أن جسد المرأة (أو المرأة ككل) ليست أكثر من شيء يمتلكه الرجل، وبالتالي يحق له تحديد خيارات لباسها، والأمر عادي، ولماذا كل هذه الضجة أصلاً! 

مع ذلك فقد أحدث هذا الموضوع ضجة عالمية بالفعل حتى أن بعض الصحف أجرت استطلاعاً لآراء القراء بهذا الخصوص ليعبروا عن وجهة نظرهم فيما يتعلق بمشروعية القانون الفرنسي الذي حظر "البوركيني"، ولحسن الحظ فإن هذه الاستفتاءات أظهرت رفض الكثيرين من العامة حول العالم واستهجانهم لهذا القرار، ولكن مانشرته صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية الليبرالية (وهي من أهم صحف الرأي العام الفرنسي) كان إلى حد ما مخيباً للآمال، فالنتيجة الإجمالية للإستطلاع أظهرت – حسب ما ورد في "لو فيغارو" -أن 64% من الفرنسيين يؤيدون قرار منع "البوركيني"، وأن 30% لايهتمون، وفقط 6% من الفرنسيين هم من يعارض هذا القرار. الجدير بالملاحظة هو أن معظم من أيد حق النساء في ارتداء "البوركيني" هم من الفئة العمرية بين 18 و24، وأن معظم من عارض ذلك الحق هم الأكبر سناً، لكن الظريف حقاً هو أن 73% من المسحيين الكاثولكيين أظهروا رفضهم الشديد لـ"البوركيني"، أما من يصفون أنفسهم بأنهم لادينيين فإن 57% منهم يرفضون "البوركيني". المقارنة بين هاتين النسبتين تجعلنا نفهم أن السبب وراء هذا الرفض القوي ليس الدفاع عن سماحة العلمانية وحريتها المقدسة.. فقط.

ولكنني أتساءل.. هل يجب أن أتكلم طويلاً عن تناقض الفرنسيين مع أنفسهم عندما يصفون قوانين دولتهم بالعلمانية وأنها دولة حريات وإنسانية وإخاء ومساواة وإلى آخره، ثم يشرعون أو يؤيدون قراراً مثل حظر لباس معين على الشاطيء أو غيره خاصة إذا كان هذا اللباس لا يخفي هوية من يرتديه؟ لا، لا أظن! لأنني بكل صراحة مضطرة للكلام عن العرب الذين تحول معظمهم بقدرة قادر إلى حقوقيين عظماء للدفاع عن حق "البوركيني" المضطهد، فتوحدت على الحق كلمتهم، واجتمعت في معركة فضح الفرنسيين صفوفهم، واتفقت تلميحات وتصريحات سنتهم مع شيعتهم، حتى صاروا على قلب رجل واحد ثائر ساخر من الفرنسيين الظلاميين الذين يحاربون حرية….المرأة! الله أكبر ولله الحمد!

كان هذا رائعاً ومسلياً ومثيراً للسخرية معاً. لماذا؟ لأنه، وللأسف، لا يعلم سوى الله كم بيننا من النساء اللاتي لاتكل ولاتمل من محاربة حقوق المرأة والمطالبة بوضعهن تحت الوصاية لأنهن يعتقدن أن كل النساء مسلوبات الإرادة، ساذجات، وفاشلات مثلهن، ولايمكنهن حتى أن يتخيلن أن تكون للمرأة قدرات عقلية كالرجل ناهيك عن أن تتفوق أحياناً عليه لأنها، بكل بساطة، انسان مثله واختلافها في الجنس لايعني أنها أقل أو أكثر منه، وبالتالي فالوصاية عليها تعني التشكيك في أهليتها. المضحك أن تجد بين هؤلاء النساء من تدعي أنها حقوقية أو مفكرة أو داعية، وتسمعها ليل نهار تتكلم عن حقوق المرضى والأيتام والمعتقلين والأقليات والأكثريات والبرمائيات وسائر المخلوقات، لكن عندما نحدثها عن المرأة…لا! هنا تتوقف الطاقة الإنسانية الجبارة وتجد هؤلاء النساء اللاتي يخشين الحرية يطالبن بإخضاع المرأة لسلطة الذكورـ بل ويدافعن بحرقة وغضب عن حق الذكر المقدس في سلبهن حقوقهن! 

وأيضاً، لا يعلم سوى الله كم عدد جنود ذلك الجيش الهائل من الرجال والنساء الذين يؤمنون بأن حقوق المرأة هي ما يسمح لها الرجل بالحصول عليه حسب العادات والتقاليد أو حسب فهمهم الخاص للدين أو حسب المزاج تارة والمصالح تارة أخرى. كما أن كثير من الرجال يتصور أنه "يتفضل" على المرأة عندما يعطيها ماهو حق لها كإنسان. هذا النوع من الرجال نادر جداً في المجتمعات العربية، وهو – على علاته- يتوهم أنه بطل أسطوري قادم من عالم الخيال لمجرد أنه يسمح لإحدى قريباته (البالغات سن الرشد) بالدراسة أو العمل أو زيارة الصديقات أو السفر، مع أن كل هذه النشاطات ليست أكثر من ممارسة طبيعية للحياة، والحرمان منها يعني أنك مقيد كالسجين تماماً. لابد طبعاً ألا ننسى النوع الآخر الأشد سوءاً، وهم أولئك الذين يفزعهم استقلال المرأة، يخوفهم عقلها، يهددهم ذكاؤها، ولاشيء يثير غيرتهم وفقدان ثقتهم بأنفسهم مثل نجاحها! إنها مشكلة نفسية سببها الخوف من غير المألوف، فالرجال في المجتمعات العربية "اعتادوا" على نموذح المرأة السلبية الخانعة التي لاهم لها سواء ارضاؤهم، و"اعتادوا" كذلك على فكرة أن الرجل كائن خارق في كل المجالات، كما أنهم نشأوا على احتقار المرأة وكرهها وتفسير وجودها كوسيلة للمتعة، وأداة للتكاثر، ومخلوق أقل منزلة، و دوره ينحصر في خدمة الرجل وتسليته لا أكثر.

ختاماً، ليت دفاع أغلبنا عن حق المرأة المسلمة في اختيار لباسها داخل فرنسا يعم كل حقوق المرأة في العالم العربي الذي تقمع فيه أصوات  النساء المضطهدات ويتم إخفاء عذاباتهن بتلميع عدد محدود من نساء الطبقات المخملية اللاتي ينعمن بالحرية بموافقة الذكور وينحصر دورهن في ستر فضائح التسلط الذكوري عن عيون "الآخرين". أكتب هذا بمرارة وسخرية وأنا أتخيل جحافل العرب المدافعين عن "البوركيني" في فرنسا وكيف أنهم هم أنفسهم في الغالب يستنكرون لبسه في بلادهم، ناهيك عن أنهم يستنكرون كفاح المرأة العربية في سبيل حريتها واستقلالها ابتداء من حقها في اختيار لباسها وانتهاءً بحقها في اختيار مجال دراستها أو عملها أو حتى شريك حياتها.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة. 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND