آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



حياة قائد
حياة قائد
صحفية وكاتبة وفنانة تشكيلية يمنية. تنشر مقالاتها باللغة ا..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

يقول الفيلسوف الفرنسي سارتر: "الجحيم هم الآخرون!"، وأظن أننا نحن أيضاً نتفق معه على أنه لا شيء يمكن أن يكون أشد تعذيباً وتدميراً للإنسان من "أخيه" الإنسان، لكنني لن أحاول الخوض في القضايا الإنسانية الكبيرة التي تنطبق عليها هذه المقولة بدقة، سواءً في مآسي الحرب أو العنف الأسري والاجتماعي، وإنما سأحدثكم عن متلازمة "اليأس المزمن" التي قد يعاني منها أحد الأقارب أو الأصدقاء أو الزملاء الذين يحيطون بنا أغلب الوقت، ويدمروننا بشكلٍ شبه يومي، سواء كان ذلك دون وعيٍ منهم أو عن سبق الإصرار والترصد.

أظننا نتفق على أنه إذا دُفن شخص ما حياً مع غيره من البائسين سيكون صعباً جداً أن يبقوا متفائلين بأنهم ذات يوم سيخرجون من قبرهم المشترك هذا، لكن إذا حدثت معجزة واستطاع ذلك الشخص أن يخرج وحده، فأظن أننا نتفق أيضاً على أنه لا يحق للبقية أن يتشبثوا به لجذبه نحو قعر القبر بحجة أنهم سيفتقدونه، لكن أصحاب هذه الشخصية المخيفة سيحاولون بكل جهدهم جذب ذلك المسكين للأسفل لأنهم يخافون البقاء في تلك الحفرة العميقة وحدهم.

هل يعني هذا أن كل من يحيطون بنا ويشتركون معنا في المعاناة نفسها يكرهون نجاحنا ويتمنون أن نموت معهم بالهم والغم؟ طبعاً لا، لكنّ غير الأسوياء يفعلون ذلك، وبعضهم نختلط بهم في حياتنا اليومية للأسف، أما الإنسان السوي فسيرى في خروجك من المعاناة أملاً وإلهاماً له، و سيقول لنفسه: "مادام فلان قد نجح رغم أن هذا كان مستحيلاً، فربما أنا أيضاً أستطيع أن أنجح ذات يوم".

ليست المعاناة والحرمان سبباً أو مبرراً للحسد ومحاربة نجاح الآخرين أبداً. نحن نعرف ونسمع ونرى كثيراً من الناجحين الذين صنعت المعاناة أجمل أفكارهم وجعلهم الحرمان أغنى نفوساً وأجمل قلوباً وأكثر إبداعاً من غيرهم، لأن تفكيرهم الإيجابي المتفائل انتصر على قسوة الحياة، لهذا فإن ما يدفع الكثير لمحاربة نجاحك ليس ما يعانون منه بسبب توالي الإخفاقات وشدة الضغوط والمرور بتجارب بائسة أو حتى الشعور بالعجز والفشل، بل هو تفكيرهم السلبي ناحية كل ما سبق إلى حد قد يصل إلى الحقد عليك لأنك لم تعد ضمن فئتهم البائسة.

دعنا ننقل مثال الدفن حياً للواقع الآن، وتخيل معي صديقين عاشا في فقر منذ طفولتهما ولم يحصلا على أية فرص عادلة للدارسة، وبالتالي لم يحصلا على أية وظيفة جيدة، وبالإضافة إلى ذلك، فإن كل من حولهما يقول إنه من المستحيل أن يجدا وظيفة دائمة لأنه ليست لديهما مؤهلات ولا خبرات ولا علاقات. وبعد محاولات طويلة وفاشلة يئسا تماماً وقررا العمل في مهن حرفية مرهقة وغير مجزية، لكن أحدهما استطاع خلال بضعة سنوات أن يتطور في حرفته اليدوية ويتحول من عامل بسيط إلى محترف، وقرر أحد التجار مشاركته في محل خاص به. بالطبع، يفترض أن يكون هذا خبراً مفرحاً لكل إنسان يحب أصدقاءه، لكن لو كان الشخص الآخر في هذا المثال سلبياً متشائماً يائساً من كل شيء، فسينظر للأمر وكأنه تأكيد على فشله هو، خاصةً إذا كنت أنت الشخص الوحيد الذي يشترك مع هذه الشخصية السلبية في المعاناة نفسها، ستسمع منه دائماً عبارات تثبط همتك أو تخوفك من المحاولة أو تسخر من طموحك، لأن إيجابيتك وأملك القوي تجعله يصدق أن أحلامك قد تتحقق بالفعل، وهذا أكثر ما يفزعه.

المصاب بمتلازمة "اليأس المزمن" هو عدو نجاحك حتى لو كان من المقربين! إنه رفيق المصائب فقط، رفيق التعاسة والشقاء، رفيق المآسي المشتركة واللحظات المؤلمة وتبادل الهموم والشكاوى، وهو من دون شك أناني جداً لأن شعوره بالأمان لاشتراكك معه في المعاناة أهم عنده بكثير من حقك في حياة سعيدة، لهذا فعندما تنجح سيتحول فجأة إلى عدو حسود أو شيطان متخصص في تثبيط عزيمتك أو عقبة كبيرة جداً في طريقك. إنه ذلك الشخص الذي يحبك ويأنس بمصاحبتك لأنه لاحظ أن مصيبتك تشبه مصيبته وبالتالي يمكنه أن يشعر معك بالمساواة ليخفف عن نفسه الألم أو النقص، وبمجرد أن يصبح حالك أفضل ينفر منك ويبغضك وقد يحاربك أيضاً، أما إذا أصبح حاله هو أفضل فإنك آخر من يعلم، وسيختفي من حياتك تدريجياً إلى أن يتلاشى تماماً حتى أنه يستحيل أن يعود إليك إلا إذا احتاج مساعدتك في مصيبة أخرى طبعاً!.

من المؤلم أن يكون من تظن أنه أعز أصدقائك، والمؤلم والمخيف معاً أن يكون هذا الشخص هو شريك حياتك أو حتى أقرب المقربين إليك من أفراد أسرتك، لهذا ربما أنت حتى الآن لم تنتبه للدمار الذي يحدثه أصحاب هذه الشخصية في حياتك، لكن إذا كانوا موجودين بالفعل في حياتك فعليك التفكر كثيراً في كل ما يمكنك عمله لحماية نفسك من كل من يخنق فضاءات حياتك الواسعة بأفقه السلبي الضيق. إنها أشبه بمعركة ضد التشاؤم والإحباط  تتسلح فيها بأحلامك لتبقى قوياً ومحباً للحياة، وبدلاً من أن تسمح لرفاق حياتك السلبيين بالتأثير عليك وجذبك نحوهم للأسفل، قد تصعد أنت وتجذبهم معك نحو الأعلى بقوة الإيمان والأمل والتفاؤل!.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة. 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND