آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



حياة قائد
حياة قائد
صحفية وكاتبة وفنانة تشكيلية يمنية. تنشر مقالاتها باللغة ا..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

قرأت ملاحظات عابرة لأحد النقاد العرب عن القصة القصيرة جداً التي أفضل تسميتها بـ"الأقصوصة"، و أيضاً عما بات يُعرف بـ"الومضة" التي تعتبر أصغر وحدة قصصية سردية. فتذكرت نقاشات قديمة دارت بيني وبين بعض الأصدقاء عن هذين النوعين القصصيين، ملخصها أن القصة القصيرة جداً بدعة جديدة مستحدثة على فن القصة بدعوى أنها لم تظهر في عالمنا العربي على وجه الخصوص كفنٍّ له صُنَّاعه إلا في التسعينات من القرن العشرين، مع أن تلك البدعة القصصية نالت إعجاب النقاد والجمهور على حد سواء.

وكثيراً ما كنت أقرأ للكتاب والنقاد وأسمع من القراء أن الأقصوصة لم تكن لترَ النور لولا طبيعة وظروف هذا العصر الذي تتسارع فيه الأحداث وتتكدس فيه الأعمال التي على الإنسان أن ينجزها خلال اليوم، مما يعني أنه لا وقت لديه ليقرأ قصة من صفحتين أو حتى من صفحة واحدة ناهيك عن أن يقرأ رواية، فهو يبحث فقط عن ترفيه ذهني و نفسي سريع يتوافق مع ازدحام حياته بالمشاغل.

و مع أن هذا التحليل لظاهرة انتشار الأقصوصة يبدو منطقياً وقد لا يخلو بالفعل من الصحة، إلا أنه يعني أن الناس – باستخدام المعيار السابق نفسه- سيتوقفون أو أنهم قد توقفوا بالفعل عن قراءة الروايات مثلاً، و هذاعكس ما هو مشاهد في الواقع، إذ لا يزال فن الرواية مزدهراً و له مريدوه ومعجبوه وصُناعه المهرة.

وأيضاً، لو صح أن الأقصوصة هي بنت هذا العصر لما وجدناها في الموروث الأدبي التقليدي والشعبي، العربي والعالمي، وذلك في صورة الحكاية المروية للعبرة أو الطرفة الدارجة للتندر أو الفكاهة مثل تلك التي في كتاب المستطرف في كل فن مستظرف لشهاب الدين الأبشيهي الذي يحوي طرائف من أحاديث الناس في ذلك الزمن.

فالدارسين لعلم السرديات والتحليل النقدي يصنفون نصاً سردياً ما بأنه أقصوصة (قصة قصيرة جداً) عندما تتجسد فيها عناصر معينة كحسن التعبير الموجز، والتركيز، وحسن اختيار الألفاظ، والتكثيف اللغوي الذي يوحي بمعانٍ عميقة رغم بساطة التركيب، والمضمون القابل للتأويل، أي أن يهتم القاص بالمعنى بالدرجة الأولى و يحسن تقديمه بأسلوب فني قليل الألفاظ كثير المعاني، مما يحفز القارئ على الغوص في النص وقراءة ما بين سطوره وما وراء كلماته، وأيضاَ الخاتمة القوية التي تكون مفاجئة ومتسقة مع سياق القصة على نحو عفوي، وهي أمور نجدها في بعض طرائف الموروث الشعبي الشفهي والمكتوب.

صحيح أن بعض النقاد يرون أن الأقصوصة نص سردي يجب أن يكون بالغ التكثيف إلى حد يجعله شفرة معقدة بالرمز الذي قد لا يفهمه سوى الخاصة معللين ذلك بأن الرمزية أسلوب نخبوي يثري الأقصوصة دلالياً و يحمل القارئ على الذهاب بعيداً في تأويلاته للنص، إلا أنني أرى أن في هذا مبالغة ما، فالرمزية ليست الغاية منها إيقاع القارئ في حيرة غير مبررة واختبار ذكائه و قدراته التحليلية، وإنما الغاية منها برأيي هي توظيف الألفاظ كمفاتيح يكون على القارئ أن يفتح بها أبواب المعاني التي تقوده لما هو أوسع وأبعد من المعنى الحرفي أوالدارج للكلمات والعبارات. أي أن الرمزية يفترض أنها تستخدم لتساعد القارئ على فهم رسالة ما، وليس لتحديه في فك الألغاز!

إذن فالإيغال في الرمزيةً – من وجهة نظري – ليس شرطاً للأقصوصة، كما أن العناصر التي حددها النقاد في الأقصوصة (كما أسلفتُ)، يمكن أن تجدها في نصوص قديمة كبعض الحكايات الشعبية خاصة الأساطير الموروثة التي وإن أبدعها الناس قديماً و نقلوها إلينا مشافهة وليس بالكتابة، إلا أنها تحمل نفس هذه الخصائص العامة التي تميز الأقصوصة، فهذا اللون القصصي ليس مستحدثاً على فن القصة كما يرى بعض الكتاب والنقاد، بل إحياءٌ لشكل من أشكالها الأولية.

الموضوع، ربما، في حاجة إلى متابعة نقدية أفضل، لكن كيفما كان الأمر فإن القاص المبدع لا يخضع قلمه قسراً لمعايير النقاد حال الكتابة، بل تتولد أفكاره وكلماته بمعزل عن فنيات وآليات التحليل النقدي، لأنه يؤمن بما يكتب، و لأنه يمتلك قدرة فطرية على التجاهل.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة. 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND