آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



طلال ملك
طلال ملك
رائد أعمال ومستشار في مجالات الحوكمة، والذكاء والتأثير الاست..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 وبعد 240 سنة على إعلان الاستقلال، لم يشارك حوالي 100 مليون من الناخبين الأميركيين في الانتخابات الرئاسيّة التي جرت مؤخّراً وقد استيقظنا صبيحة اليوم التالي لنجد رجل الأعمال الملياردير الأميركي دونالد ترامب وقد صار الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتّحدة الأميركيّة.

ومع تقليب الأمور والنظر فيما سبق فإنّ العالم قد انكبّ الآن على تحليل سبب فشل جميع التوقّعات، وكيف أنّ كل الضّمانات قد خرقت وكيف أنّ أبسط الأساسيّات قد تهاوت حتّى وصلنا إلى هذه النتيجة.

ليس من العسير أن نوضّح من هو ترامب: إنّه الزعيم الجديد الذي اعتلى للتوّ عرش اليمين المتطرّف، وهي النسخة الأميركيّة من حركة الفاشيّة الجديدة والتي صار لها أنصار من نفس هذه الطبقة حول العالم. لكنّ الصعب هو تفسير ما جعلنا نصل إلى هذه الحالة في الولايات المتحدة، ولعلّ بعض الأطروحات القديمة والتاريخيّة والمعاصرة المتعلّقة بطبائع الحكم والتي يمكن أن تساعدنا في فهم ما حصل.

قبل حوالي 2500 عام وصف لنا أفلاطون في كتابه "الجمهوريّة" خمسة أنماط من الحكم ورتّبها من الأفضل حتّى الأسوأ وهي: "الأرستقراطية التي يترأسها ملك فيلسوف، والتيموقراطيّة وهي حكم المحاربين (العسكر)، والأوليغاركية وهي حكم الأغنياء للفقراء، والديمقراطية وهي حكم الشعب، والاستبداد وهي حكم الطاغية. ووفقًا لهذه الأطروحة، والتي يعزّزها ما قاله الرئيس السابق باراك أوباما، فإنّ صعود ترامب للسلطة رغم اعتماده على خطاب ديماغوجي شعبويّ هو مثال على أنّ أميركا على شفير السقوط في براثن الاستبداد، وأنّ نتيجة الانتخابات هذه قد تعني أنّها قد سقطت فيه بالفعل.

كان البروفيسور الأميركي هاري إكشتاين قد بدأ قبل نصف قرن من الزمن بتطوير "نظرية التماثل" في الحكم، والتي تشير إلى أنّ شكل الحكم في وحدات المجتمع، كالبيت والمدرسة ومكان العمل، تنعكس على شكل الحكومة. أي أنّ ما يجري في البيت من عدل أو ظلم هو انعكاس لمقدار العدالة السائدة في البيت الأبيض. وهكذا فإنّ السؤال هنا هو إلى أيّ مدى ينتشر هذا التعصّب الذي يدعو إليه ترامب في المجتمع الأميركيّ وكيف بالإمكان التعامل مع ذلك ومعالجته.

تشير نظريّةٌ معاصرةٌ للحكم إلى أنّ ما يحدث في العالم من تحوّلات عميقة يمكن أن يصنّف في ثلاث فئات: أحداث التشظّي، وهي أحداث نادرة سلبيّة تحدث مرّة واحدة، وأحداث الاختلال وهي أحداث متكرّرة يكون فيها جوانب إيجابيّة وأخرى سلبيّة، وأحداث التقارب، والتي تمثّل الثيمة العامّة نحو توجّهات إيجابيّة على مستوى الناس والأرض.

وليس ثمّة شكّ في أنّ تولّي ترامب رئاسة الولايات المتّحدة يمثّل أكبر حدث من أحداث التشظّي، ولاسيّما أنّ مفاتيح البيت الأبيض ستسلّم إلى رئيس تؤيّده منظّمة كو كلوكس كلان العنصريّة. إنّ التشظّي سيستمرّ في الحصول والتزايد والتصعيد ولذلك فإنّه لا بدّ من امتلاك القدرة على تحديدها والتحضرّ والاستعداد لمواجهتها بسبل مبتكرة ومستدامة من التدخلّ الإستراتيجيّ.

ولكن لا بدّ من التأكيد أيضاً على أنّ عالمنا الآن في عصر من التقارب، ويدلّ على ذلك حدثان كبيران حصلا في الولايات المتحدة عام 2016 تركا أثراً على الساحة العالميّة. الحدث الأول هو جنازة الملاكم الأميركيّ الأسطورة والناشط والمناهض للعنصريّة محمد علي وذلك في التاسع من يونيو/حزيران، إذ كانت جنازته أقرب إلى احتفاء بحياة هذا الرجل الذي يحبّه الناس على اختلاف أجناسهم وأديانهم وألوانهم وأوضاعهم الاقتصادية حول العالم. والحدث الثاني هو القرار المفاجئ والسريع في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول من قبل الأعضاء الخمسة عشر في مجلس الأمن في الأمم المتحدة لانتخاب البرتغالي أنطونيو غوتيروس لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة والذي سيباشر أعماله في الأول من يناير/كانون الثاني 2017.

ووفقًا لأفلاطون فإنّ ترامب سيكون طاغية مبتدئًا، أما بالنسبة لإكستاين فإنّ تعصّب ترامب أمر له جذوره لدى أطياف من المجتمع الأميركيّ، وأنّ أكبر حدث تمايزيّ هو انتخاب ترامب. وإنّ اعتماد هذه الأطروحات الثلاثة في الحكم والتي تجتمع معاً لتشكّل نسقاً واحداً سيساعد في توضيح السبب الوجودي لانتخاب ترامب وشكل هذه الرئاسة التي سيقدّمها والتهديد الذي يفرضه كلّ ذلك. كما سيساعد هذا أيضاً على إزالة الارتباط والوصول إلى الثقة، وتجاوز الإحباط وصولاً إلى التفاؤل، والخروج من الانكفاء على الذات إلى الفاعليّة.

ولو اعتمدنا هذه الفكرة الثلاثيّة عن الحكم فسيصبح من الأسهل تبنّي ثلاثة مبادئ تساعد على المستوى الشخصيّ والجماعيّ على استجماع العزم لمواجهة رئاسة ترامب.

المبدأ الأوّل هو مبدأ "الحمائيّة" والذي لا يعني فقط التعبير عن التضامن مع المجموعات المعرّضة للتمييز في المجتمع الأميركي وحسب، والذين يتوجّه خطاب ترامب العنصريّ ضدّهم، ولكن المساهمة بشكل فاعل في حمايتهم بجميع الوسائل الممكنة.

والمبدأ الثاني هو مبدأ "الجاهزيّة"، والذي يعني التجهّز للأسوأ والعمل لتحقيق الأفضل، والبدء بالتحرّك فوراً. إن ترامب رئيسٌ في طريقه نحو الاستبداد بالحكم، ولاسيّما أنّ الحزب الجمهوريّ مدين له بعد أن ساعدهم، رغماً عنهم، في تحقيق السيطرة أجهزة الحكم الثلاثة في الولايات المتحدة.

أمّا ثالث هذه المبادئ فهو "المبادرة"، إذ سيتطلّب التعامل مع رئاسة ترامب مستوى عاليًا من الالتزام والدقّة وبعد النظر، ولاسيّما أنّ الجهود المبذولة اليوم ستساهم في تحقيق التقارب داخل الولايات المتحدة وعلى مستوى العالم أيضاً. وقد وضّح الرئيس أوباما مرّة أنّ العوامل الديمغرافيّة في الولايات المتحدة تميل لصالح المجموعات المظلومة والتي تتعرّض للتمييز ضدّها. وعليه فإنّ الصبر كذلك سيكون أمراً بالغ الأهمّية في هذه المرحلة.

كما يظهر لنا في تجارب التحوّل الكبيرة لدى بعض المتطرفين العنصريين الإيديولوجيين على طرفي النقيض من المعادلة كما يظهر في السينما في أفلام من قبيل "Malcolm X" و"American History"، فإنّ رئاسة ترامب تشير إلى أنّ الأمة الأميركيّة على مفترق طرق، وأنّ الخيار الذي تقدم عليه كي تنتقل نحو الأفضل هو "المستقبل الأميركي إكس".

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة. 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND