مهارات وأفكار

آخر مقالات مهارات وأفكار



عمر عمران
عمر عمران
مترجم ومختص في محتوى الويب في "الاتحاد للطيران" في أبوظبي من..

الاقتصادي – أفكار ومهارات:

"لو راقبت رجلاً سعيداً لوجدته يبني قارباً أو يكتب سيمفونية أو يُعلم ابنه أو يزرع نبتة في حديقته أو يبحث عن بيوض الديناصورات في صحراء منغوليا. لن تجده يبحث عن السعادة كما لو كانت زر قميص تدحرج ضائعاً  تحت راديتير السيارة" بيران وولف.

نحن مشغولون جداً بالبحث عن السعادة. نشتري سيارات وبيوت ونتزوج وننجب ونجتهد للحصول على ما نأمل أنه سيجلب لنا السعادة. أحياناً نرى سعادتنا في رحلة استجمام أو في هاتف ذكي أو في صداقة جديدة، وأحياناً نراها في فوز فريق نشجعه في بلد ما في قارة بعيدة. بعضهم يرى السعادة في التدين وآخرون يرونها في الانكباب على متاع الحياة.

اهتمامنا بسعادتنا كبير جداً لدرجة أن أغلب المشاركين في دراسة شملت 10,000 مشارك من 48 بلداً رأوا أن عيش حياة سعيدة أهم من وجود هدف في الحياة وأهم من الغنى وأهم حتى من دخول الجنة. ابحث فقط عن كتب تتناول السعادة في موقع أمازون وستحصل على اكثر من 80,000 نتيجة بحث.

ولهذا الإقبال الكبير على السعادة أسباب عديدة، من أهمها دراسات توصلت إلى أنَّ السعادة لا تمنحك فقط شعوراً جيداً بل تجعل صحتك الجسدية أفضل. وقد ربط الباحثون بين المشاعر الإيجابية وبين عدد من الميزات الجيدة مثل الدخل العالي والمناعة للأمراض، وبدأ الحديث عن أنَّ السعادة حق لكل إنسان من لحظة ولادته، وعن أنها أساسٌ للنجاح. حتى أن هناك من بدأ يتحدث عن "السعادة المستدامة" وكأن السعادة تأتينا بكبسة زر.

لكن هناك من لا يتفق مع هذا البحث الجنوني عن السعادة. في كتاب "فوائد جانبك المظلم" يطرح مؤلفا الكتاب تود كاشدان وروبرت بيسواس دينر سؤالان مهمان ويسعيان للإجابة عليهما: هل علينا السعي وراء السعادة؟ وإن كانت السعادة مهمة لهذه الدرجة لماذا إذاً لا تتحدث الصحف والمجلات والدوريات عن زيادة السعادة بل عن الانتشار الواسع لحالات الكآبة والانتحار؟

السبب المختصر هو أنّ بحثنا عن السعادة يجعلنا تعساء، وذلك لأربعة أسباب:

  1. لأننا سيئون في تقدير الكم الذي سنحصل عليه من السعادة.

عندما ترى هاتفاً جديداً في السوق يبدأ عقلك بتصوير الكم الكبير من السعادة التي ستحصل عليها إن أنت اشتريته. لكنَّك بعد أن تشتريه تجد أن هذه السعادة لم تدم إلا بضع ساعات. نفس سوء التقدير هذا ينطبق أيضاً على توقعنا للسعادة التي سنحصل عليها من فوز فريقنا الرياضي أو تقاعدنا من العمل أو حتى السعادة التي سنحصل عليها من العيش مع شريك كافحنا للفوز بقلبه.

كيف يحدث هذا؟’’ دخولنا في تفاعل أو نشاط ما بهدف الحصول على السعادة ينتهي بجعلنا تعساء‘‘ كما يرى مؤلفا الكتاب. للتأكد من هذا، قام باحثون بجعل مجموعة من الأفراد يستمعون إلى موسيقى مفرحة. بعد تقسيمهم لمجموعات، طُلب من المجموعة الأولى الاستماع فقط، أما المجموعات الأخرى فطلب منها الاستمتاع بالموسيقى والشعور بالسعادة والتعبير عنها. كانت النتيجة أنَّ أكثر من سعِدوا بالموسيقى كانوا أولئك الذين لم يتوقعوا السعادة، وهي نتيجة تتعارض تماماً مع ما يخبرنا به الناصحون والاستشاريون من أنَّ علينا فهم ما يجعلنا سعداء وأن نضع لأنفسنا أهدافاً تحقق لنا السعادة.

من كتاب "فوائد جانبك المظلم":

’’أصبح لدينا الآن دليل علمي على أنّ السعي وراء السعادة أشبه بمحاولة التقاط لوح صابون في الحمام. كلما غاصت يداك في الماء أكثر للإمساك به، ينزلق بعيداً عنك.‘‘

  1. لأنّ السعادة حالة نفسية مؤقتة

عندما نغضب أو نخاف أو نتوتر يتولد لدينا شعور بأن حياتنا ليست على ما يرام. فنحزن. علينا أن نفهم أن السعادة "حالة مؤقتة" وحالة نفسية مثل أي حالة أخرى، ونحن نتأرجح خلال يومنا بين مشاعر عديدة ليست السعادة إلا واحدة منها بالإضافة إلى الغضب والخوف والحزن والغيرة.

علينا أن نستوعب أن السعادة لا تتحقق بتجنب المشاعر السلبية، بل "بتقبلها والانتقال بها من حالة سلبية إلى حالة إيجابية، ولأنَّ لتجنب التجارب السلبية آثاراً سيئة على تحفيزنا وتطورنا الشخصي"  كما يرى الكتاب.

وللتدليل على هذا، يستحضر الكاتبان دراسات تؤكد أهمية المشاعر السلبية في نجاحنا: الطلاب الذين ينتابهم التوتر في الامتحان وينجحون في تجاوزه يكون أداؤهم أفضل، وضباط الشرطة الذين وقعوا ضحايا للجريمة تكون عزيمتهم أشد، والعاملون الذين يبدأون نهارهم بمزاج سيء وينجحون في الانتقال إلى مزاج جيد بمرور اليوم يكون أداؤهم أفضل من نظرائهم الذين كان مزاجهم جيداً من بداية النهار.

  1. لأننا نخلط بين السعادة والراحة.

تخيل أن يتعطل مكيف السيارة لساعة واحدة في جو حار جداً، كيف سيكون شعورك؟ تعاسة بلا شك. هل كان الحر ليتسبب بتعاسة أجدادنا قبل 100 عام؟ بالطبع لا، فقد كانوا معتادين على الظروف الطبيعية أما نحن اليوم فمدمنون على أدوات الراحة وتأثيرها كبير على مشاعرنا.

لفهم تأثير الراحة على مشاعرنا علنيا العودة للتسلسل الهرمي للاحتياجات الذي وضعه ماسلو. يرى ماسلو أن على الإنسان إرضاء احتياجاته الأساسية أولاً كالطعام والشراب والمأوى التي سيؤدي عدم إشباعها لآثار نفسية سلبية عليه التعامل معها قبل أن يتمكن من التركيز على الإبداع وتحقيق الذات. تخيل ما يحدث لنا عندما تطول لدينا قائمة الاحتياجات الأساسية التي علينا إشباعها. نصبح تعساء.

هذه الحالة من الاعتماد على وسائل الراحة مصطنعة وليست طبيعية. فالكثير مما نعتبره اليوم أساسياً ليس إلا كماليات نسمح لها بالتأثير علينا سلباً. وعن هذا يقول الفيلسوف الألماني هيجل الذي يستشهد به الكاتبان في كتابهما "لا تنشأ الحاجة للراحة عندك مباشرة، بل يتم اقتراحها عليك من هؤلاء الذين يأملون جني ربح من توفيرها." هو لا يرى الراحة نفسها مشكلة. المشكلة هي جعل الراحة ’’حاجة‘‘ يؤدي غيابها لمشاعر من الأسى والاستسلام وقلة الصبر، وتؤدي بالنتيجة لأن " تضعف مناعتنا النفسية تجاه الظروف المحيطة المزعجة وغير المريحة."

  1. لأنَّنا نخلط بين السعادة والنجاح  

ترتبط السعادة في أذهاننا بالمشاهير والأثرياء. لكن المفارقة في الأمر أنَّ السعادة ليست سبباً في نجاحهم. فهم عندما يؤدون ما يجيدون القيام به لا يكونون في حالة نفسية سعيدة. أداءهم العالي المستوى يتطلب صبراً وغضباً وألماً. هل شاهدت يوماً رياضياً يضحك وهو يمارس رياضته؟ هل سمعت بممثل لا يتوتر قبل أداء دور؟

لفهم تأثير السعادة على النجاح، لنفترض أن عليك اتخاذ قرار مهم في العمل يحتاج إلى تركيز كبير وتمحيص. هل تعتقد أنك ستتخذ قراراً أفضل إن كنت في حالة نفسية سعيدة؟ البحوث تقول لا، وذلك لعدة أسباب يتميز بها الناجحون وتجعلهم قادرين على اتخاذ القرارات بفعالية، منها:

أولاً، قدرتك على الإقناع تكون أقل عندما تكون سعيداً. قد وجدت دراسة أن انتباه الأشخاص السعداء للتفاصيل أقل من نظرائهم مما يُضعف قدرتهم على الإقناع وتأثيرهم على الآخرين بـ 25%، وقوة نقاشهم بـ 20%.

ثانياً، ذهنك سيصبح أقل نشاطاً عندما تكون سعيداً. في بحث تضمن اختبار للقدرة على تذكر الكلمات ظهر أن نسبة الخطأ لدى الأشخاص السعداء كانت 50%. وفي تجربة أخرى طلب من المشاركين فيها استذكار أحداث من مشهد تمثيلي، كانت نسبة الأحداث غير الصحيحة التي تذكرها السعداء أكثر ب25% من نظرائهم.

ما البديل عن البحث عن السعادة؟

لتحقيق أقصى ما يمكن من إمكاناتنا علينا الاستفادة من جميع حالاتنا النفسية. علينا تذكر أن السعادة حالة نفسية مؤقتة، ولولا لحظات الغضب والألم لم تكن لحظات السعادة حلوة. علينا التحكم بمشاعرنا وأن نكون واقعيين حيال القدر من السعادة الذي نتوقع الحصول عليه من موقف ما. يجب ألا ندمن السعادة كي لا تتقوّض مناعتنا أمام مصاعب الحياة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND