تعليم وشباب

آخر مقالات تعليم وشباب



الاقتصادي - خاص:

مانتون - فرنسا، 4 شباط/فبراير 2017: خلال منتدى "تد اكس"، "TEDxSciencesPoCM"، المنعقد في 4 فبراير (شباط) 2017، في "معهد العلوم السياسية - SciencesPo " العريق، مانتون - فرنسا، افتتح مازن حايك (إعلامي - مُحاضر مقيم في دبي، متخصّص في شؤون التواصُل) محاضرته بقصة لاجئ فلسطيني يُدعى محمد، وقال: "نشأ محمد وترعرع في مخيّم خان يونس في غزة، حيث ذهب إلى المدرسة التي تديرها "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين - أونروا". كان موهوباً جداً ويحب الغناء لأصدقائه وعائلته، ويجني المال من الغناء في الأعراس. أَحبّه سكان الحي، إلا أن أحداً خارج مدينته لم يسمع به حتى عام 2013".

"اليوم، يعرف معظم أهل منطقة الشرق الأوسط محمد عسّاف، أول فلسطيني يفوز في برنامج أرآب أيدول". وأضاف حايك، "اجتاز عساف رحلةً شاقة استغرقت زهاء يوميْن بالسيارة كي يصل إلى مصر من أجل المشاركة في اختبارات أرآب أيدول. وبسبب التأخر على الحدود والقيود التي واجهته، فاته الاختبار، ولولا المتسابق الفلسطيني رمضان أبو نحل، الذي منحه بطاقة دخوله إلى لجنة أرآب أيدول، لما وصل عساف إلى البرنامج أبداً".

وأكّد حايك أن فوز عساف في "أراب أيدول" يُعد من اللحظات الأبرز في تاريخ التلفزيون العربي الحديث، "وذلك لأن قصة نجاحه وشهرته تبعث الأمل في نفوس ملايين الشباب العرب، إذ صنع نفسه بنفسه، وتجاوز المحن ليصل إلى النجاح الذي حققه اليوم"، وأضاف، "فوزه جعلنا ندرك مدى مسؤوليتنا في قطاع الإعلام والترفيه لناحية ضرورة الاستمرار في المساهمة بإحداث التغيير الإيجابي في الشرق الأوسط وإبقاء شعلة الأمل مضاءة، خصوصاً لدى الشباب".

بعد فوزه في "أراب أيدول"، تم تعيين عساف سفير "أونروا" الإقليمي للشباب، بحيث يدعم اللاجئين الشباب ويزيد من وعي العالم بمحنتهم من خلال منصبه هذا. "ببساطة، إنه يُسهم في توجيه وارشاد شباب اليوم، لاسيما أولئك في مثل الوضع الذي كان يعيشه لسنوات".

وأوضح حايك أنه "إذا سُئل أي أحدٍ من جيل الألفية في الشرق الأوسط أين يفضّل العيش، فسيقول أنه يفضل العيش خارج المنطقة العربية، ولا يُمكن لومهم على ذلك! فالظروف والمعطيات الأيديولوجية، والسياسية، والاقتصادية-الاجتماعية، والمعيشية، المزمنة والصعبة والمعقّدة في المنطقة، واضحة للعيان ومعروفة من قبل الجميع. لا يمضي يومٌ علينا دون سماع أخبارٍ سيئة، لاسيما تلك المرتبطة بمعاناة أعدادٍ كبيرة من البشر بسبب الحروب، والإرهاب، والدمار، واليأس، وأزمة اللاجئين. وتشمل العوامل الأخرى بطالة الشباب، وهجرة الأدمغة، والفقر، والأمية، وما إلى ذلك".

ولفت حايك إلى أن نحو 90% من أخبار المنطقة هي لسوء الحظ أخبار سيئة، "وكان علينا تحمّل 69 عاماً من كل ذلك، بدايةً من اندلاع الصراع العربي الإسرائيلي عام 1948، ووصولاً إلى الربيع العربي والحرب الحالية في سورية".

وقال: "إننا في الشرق الأوسط نواجه باستمرار ما هو "تعجيزي"، الأمر الذي تأصّل فينا منذ سن مبكرة، على عكس ثقافة "لا شيء مستحيل"(Yes We Can)، مبيناً أننا "في الحاضر والمستقبل، نواجه طريقيْن، أحدهما مليء بالخوف والكراهية والفرص الضائعة واليأس والأجيال الضائعة، والآخر مليء بالأمل واحداث التغيير الإيجابي والفرص للأجيال القادمة".

وأضاف، "أنظروا إلى الوضع الراهن الذي تولّد بفعل الخوف وأزمة الهوية: بدءاً من "بريكست" (Brexit) في المملكة المتحدة، مروراً بانتخاب دونالد ترامب وقرار حظر السفر في الولايات المتحدة، ووصولاً إلى صعود الأحزاب اليمينية الشعبوية في أوروبا".

كما أشار حايك إلى ما كتبته الممثلة الأميركية ألين كوينسي على وسائل التواصل الاجتماعي، عندما تم إعلان ترامب رئيساً للولايات المتحدة، والذي جاء فيه: "فازت الكراهية في الانتخابات، لكن لن أسمح لها بالفوز بقلبي. تم انتخاب العنصرية، لكن لن أسمح بها في وجودي. نجحت الكراهية ضد المرأة وحقوقها في الانتخابات، لكن سأساعد في إيجاد طريقةٍ للقضاء عليها… فاز الانقسام في الانتخابات، لكني سأستمر في مد الجسور. انتهت الانتخابات، لكن نتائجها لن تمنعني من نشر التفاهم، والحب، والعطف، والرغبة بمستقبلٍ أفضل للجميع".

النموذج الفرنسي

وفي كلمته، ركّز حايك على النموذج الفرنسي، مستوحياً من مكان المحاضرة، قائلاً: "أقدّر أن هناك قضايا راهنة في الشرق الأوسط يصعب التعامل معها، وأن أزمة اللاجئين الحالية تسببت بقلقٍ أمني ملح في أوروبا… لكنني، وبالرغم من كل شيء، مازلت أجد تعليماً عالي الجودة، هنا في فرنسا... وحماساً لريادة الأعمال، وقدراتٍ فكرية فذّة، وابتكارات خلاّقة، وتمتعاً بالحياة، إضافة إلى أمور جيدة أخرى كثيرة!".

وأضاف، "قبيل الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2017، مقابل كل منشور كراهية على مواقع التواصل الاجتماعي، أجد عشرات المنشورات من الشباب الفرنسي تروّج للأمل والتسامح، وبالتالي رفض الرضوخ للكراهية والشعارات الجاهلة أو الصور النمطية. وهذه مسألة رائعة جداً، وبغاية الأهمية!".

وبيّن حايك أيضاً، أن المنافسة الشرسة في سبيل الارتقاء و"العظمة" هي من أبرز ما يُثير اعجابه بفرنسا وتعلّقه بها. "ففي هذه البلاد أفضل الجامعات في مجال الأعمال، كما أن هناك منافسة في سبيل عيش حياةٍ أفضل، وبالتأكيد تتمتع فرنسا بالأمل وبالمحرّك الإيجابي والحوافز المتعدّدة والمتنوعة. ورغم التحديات السياسية وغير السياسية في منطقتنا، إلا أنه بإمكاننا الاستفادة من النموذج الفرنسي لإعادة إحياء الحلم العربي واستئنافه، وذلك على أسس مبنية على القِيَم، والإصلاح الهيكلي، والتعليم، واقتصاديات المعرفة، والخدمة العامة المتفانية، وريادة الأعمال، والابتكار، وغيرها".

الربيع العربي

ولفت حايك إلى أن تقريراً صدر مؤخراً عن "الأمم المتحدة"، قدّر أن الاضطرابات المرتبطة بالربيع العربي الذي اندلع عام 2011، كلّفت اقتصادات المنطقة نمواً قيمته 614 مليار دولار. كما أظهر التقرير أن سورية، التي دخلت الحرب فيها عامها السادس، عانت من خسارةٍ في الناتج المحلي الإجمالي وفي رؤوس الأموال تقدّر بـ259 مليار دولار منذ 2011. "ناهيك عن أزمة اللجوء، فإذا نظرنا إلى سورية وحدها، نجد أنه منذ اندلاع الحرب، غادر 11 مليون مواطن البلاد، وأكثر من 13.5 مليون بحاجة للمساعدات الإنسانية داخل سورية".

وقال حايك: "تحدّث إلى شابٍ عربي اليوم وسيقول لك ببساطة بأنه يتمنّى لو أن الربيع العربي لم يحصل! وهذا أمر مؤسف جداً. فلماذا على شبابنا اليوم الاختيار بين الحرية والاستقرار، بين سوء توزيع الثروات والفساد، وبين البقاء في البلاد والتحوّل إلى جيل ضائع أو الهجرة… أو ما هو أسوأ من كل ذلك: الجنوح نحو التطرّف والإرهاب؟! وهل كلّنا خاسرون في كافة الأحوال؟".

وأضاف، "طبعاً لا يجدر بنا أن نبني مستقبل الأجيال القادمة بالأساليب نفسها التي اتبعناها خلال الأعوام الماضية، والتي تمتلئ بالجهل، والخوف والريبة وانعدام الثقة، وسوء توزيع الثروات، والافتقار للمعرفة، والمعاناة الإنسانية الهائلة، والمساهمة المحدودة في العالم الرقمي... والتطرّف.

لنا مكانٌ في العالم الجديد، لكن علينا أن نتحرّك بسرعة، ونمد الجسور في ما بيننا أولاً، ثم بين الشرق والغرب، بدل بناء الجدران".

مجموعة MBC

ثم تطرّق حايك في محاضرته للحديث عن "مجموعة MBC"، وقال: "منذ 1991، تُثري مجموعة البث الفضائي التي أعمل لديها، بفخر واعتزاز، حياة ملايين العرب، وتملؤها بالأمل - لا الخوف، وتزوّدهم بمحتوىً متميّز بجميع أنواعه، وتواجه الخطاب الذي يشجّع على الكراهية والعنف والتطرّف، إضافةً لكونها تتناول قضايا عالمنا المعقّد عبر الأخبار والأخبار العاجلة وبرامج الساعة".

وأكد أنه "لولا الإعلام، لما كان محمد عسّاف، على سبيل المثال، سمع بأرآب أيدول، ولما أصبح نجماً في عالم الغناء"، متساءلاً عمّا كان حل به وبمستقبله، ومنوهاً بأن نحو 60% من سكان الشرق الأوسط تقل أعمارهم عن 30 عاماً، "ما يستوجب الاستمرار بتزويدهم بالأمل في ظل الأوضاع الراهنة البائسة".

وقال حايك: "يجدر بنا تعزيز مفاهيم سيادة القانون، والعدل والعدالة، والحريات العامة والشخصية، والتنمية المستدامة، والحكم الرشيد والنزاهة ومكافحة الفساد، والعلم والتعليم والكفاءة والجدارة... والأهم، التسامح. أنا أؤمن بشدّة أننا نستطيع تحقيق هذا من خلال مفهوم القيادة الإيجابية(positive leadership)، والشخصيات القدوة (role models)، والإصلاح الهيكلي، والانخراط في المزيد من الحوار بين الثقافات والأديان حول العالم... وصولاً إلى إيجاد فرص عمل وريادة أعمال (entrepreneurship) ومبادرات خلاّقة للشباب، وتحقيق العدالة الاجتماعية خصوصاً لدى الفقراء والمحتاجين.

لذلك، نحتاج للإعلام المسؤول والجريء اليوم أكثر ممّا مضى، ليس فقط كي نحقق ما ذكرته الآن، ولكن لابقاء شعلة الأمل مضاءة!"

وشجّع حايك الحاضرين على الاطلاع على خطابٍ ألقاه الدكتور غسان سلامة، وزير الثقافة اللبناني الأسبق، وأستاذ العلوم السياسية والعميد السابق لمدرسة باريس للشؤون الدولية "PSIA"، عام 2015 تحت عنوان "زمن العواصف!"، ركّز فيه على آثار الربيع العربي، وأشار إلى أن أكثر مقطعٍ أثّر فيه كان التالي:

"صحوتنا تبدأ يوم نُقر بأن سكوتنا عنه، أو الاكتفاء بالتأسّف لحصوله واستدعاء الخارج لمعالجته، فيه تجاوز لأبسط القواعد الإنسانية وانعدام صارخ لمسؤوليتنا. العالم ما عاد ليتسامح مع تكاسلنا الذهني، ولا مع تملّصنا من مسؤولية ما نفعله بأنفسنا وبالآخرين".

وأضاف حايك، "لذلك، فإن المستقبل يعتمد على كل واحدٍ منا، هنا في فرنسا وحول العالم. لدينا القدرة على رؤية الأمل واحداث التغيير الإيجابي، كما أن لدينا القوة للقضاء على الخوف".

واختتم حايك محاضرته قائلاً: "والآن، فلنتخيّل معاً عالماً يفوز فيه الأمل على الخوف، حيث يبهر مصمم أزياءٍ شاب ذو بدايةٍ متواضعة العالم بإبداعاته، وحيث تذهل ابنة مدينةٍ مضطربة الناس بجمال غنائها، ويتباهى طاهٍ موهوب بمهاراته، وتفوز سيدة ترتدي الحجاب بمسابقة غناء يشاهدها 100 مليون مشاهد. هذا العالم موجود، شهدته في برامجنا المحلية، مثل "بروجكت رانواي"، و"ذا فويس كيدز"، و"توب شيف"، و"ذا فويس"، وغيرها. لكني أريد بإخلاص أن يكون هذا العالم قاعدة لا استثناءً نشاهده عبر جهاز التلفزيون، وأريد أن أراه ينعكس على جوانب رئيسية في حياتنا اليومية. أريد أن أرى أحلام شبابنا المؤجلة تصبح حقيقة. وبالطبع، أريد أن أرى الأمل يفوز على الخوف".


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND